بريد
السعادة
صقر
يصيد الحزن ويتفاكه شعرياًَ
الشاعر السوري صقر
عليشي صوت جامع يحمل مشروعا حداثيا بفردية يتداخل فيها
المفهوم الإنساني بالجمال الشعري حيث العذوبة والعفوية
و الطفولة والانتماء
فهذا الشاعر الذي
جمع جماليات قريته عين الكروم - صائغا منها شعرا يعلن
قائلا: (أحلى القصائد جاءتني وأنا أدرج ساهما فوق التلال)فمع
الطبيعة الساحرة والجمال بمضي المتلقي معطرا بشعر هو في
الواقع نزهة ممتعة مع التشويق الذي ينمو مع نماء السياق
في القصيدة بل مع الطرفة المحكمة التي تفضح المآرب الكامنة
أو مع التهكم الذي يشير بدوره إلى التأويلات السياسية
والاجتماعية ال تضرب عمقا وتمتد اتساعا
فمع صقر عليشي
ندخل أفق الغواية بشعر يجز عشب الفجاجة والقسوة نتلمسه
عبر مضمرات معنوية ترسخها دبلوماسية لغوية متصاعدة هي
في حقيقة الأمر مصدات بنيوية تبعد عن القارئ الملل والضجر
وتقدم له المغزى على شكل جرعة محببة
مع شعر صقر عليشي
نمضي بخط تناغمي يجمع السخرية الهادفة إلى الإضحاك الذي
يكشف الأقنعة والتهكم الذي يشير إلى مكمن الخطأ فصقر عليشي
في مجموعاته (قليل من الوجد) (وعناقيد الحكمة) (وأعالي
الحنين) لم يعتمد التسلية أو العبث فالإضحاك في شعره ليس
سطحيا يتسرب من خلاله المعنى بحرية وانعتاق وبخفة ظل محببة
كذلك السخرية ليست
هدفا بحد ذاتها هي في حقيقة الأمر كوجه شمس يتباكى هي
سخرية تجرح كي تداوي ومن خلالها يصيب الشاعر الهدف يفضح
الفساد بقصيدة يختلف أسلوبها عن الهجاء المر والنقد الجارح
والوعورة التعبيرية التابعة للولادات المعجمية السيئة
فهي إن صح التعبير قصيدة وأسلوب حياة
ولقد كان قد كتب
عن ديوانه (قليل من الوجد) الناقد السوري محي الدين صبحي
فقال: (هل خطر على بال أحد أن من يقرا ديوانا فيظل يضحك
من أوله إلى آخره هو مع ذلك فحين ينتهي من الديوان لا
يشعر بالسخف أو الطيش وإنما تتفجر في نفسه ينابيع عذوبة
وسمو وأفكار جليلة وحياة تحفل بالحلو وبالمر هذه شهادتي
عن تجربتي مع ديوان (قليل من الوجد) شهادة تثبت للديوان
جودة الأداء ولطف المأخذ وحسن التأتي وخفة الروح وسداد
الفكر إلى شاعرية فياضة وروح عابثة ونفس ذواقة كما ينبغي
للشعراء أن يكونوا)
فها هو وفي جو من
الحبور يقول لنا:
تحت الدرج
أفضت لنا بثغرها
تحت الدرج
فابتهجت
أيضا أنا ابتهجت
في حين كان الابتهاج
واضحا
على أسارير الدرج
يؤنسن الشاعر في
هذه القصيدة الدرج يعطيه روحا وحياة يمنحه أحا سيسا إنسانية
يحس ويتأثر شأنه شأن الشاعر وحبيبته يبتهج
ويقول لنا بقصيدة
أخرى
قولوا لها تكف عن
روعتها
قولوا لها قد بلغ
النهد الزبى
قولوا لها تزيح
عنا صدرها المطلا
قولوا لها
وإلا..!!
إن الشاعر هنا يستخدم
العبارة على غير ما عرفت به عابثا بذاكرتها مسبغا عليها
معنى أكثر حداثة وطرافة بل أكثر تلاؤما مع سياق القصيدة
تاركا للمتلقي فرصة التدخل والمساهمة في عملية الإبداع
فرصة أن يدلي بدلوه مستسيغا اللعب المتمرس هذا
كقوله: (بلغ النهد
الزبى)
تاركا في الذهن
قوة السيل وزمنه
وفي قصيدة أخرى
يقول الشاعر
(وأنا أتطلع فيها
كنت أشاهد
كيف حشيش الرغبة
ينمو في عينيها)
هنا لا يصف الشاعر
مشهد الحب وحسب بل يرصد بدوره اللحظة المشحوذة الحرجة
مع ما يعتمل وراء العين من خيالات ضمنية تساهم في تحريك
المشهد بالاعتماد على تقنية حلمية تمنح الظاهر نبضا إضافيا
وتمنحه حركية وحياة أما في قصيدة ساقان
التي يقول فيها:
(ساقان لا تغيب
الشمس عنهما
ساقان صراحة كاملة
ساقان يمكن أن نرى
مستقبل البلاد
على ضوئهما
ساقان بفرضان في
أي حوار
رأيهما)
لا يمجد الشاعر
هنا الساقين قصد إثارة الشهوات وتحريك الرغبات الكامنة
هو يجهر بالساقين كسلطة جمالية جسدية بات لهما تأثيرها
الخطير على مسار متخذي القرارات الحاسمة في البلاد فهو
عن طريق التهكم الراقي يزيل القناع عن حالة مزرية يفضحها
ويزيل النقاب عنها ساخرا منها مانعا استفحالها
فالشاعر لم يعتمد
أسلوب التهكم في قصائد الحب والغزل وحسب فها هو ينتقد
طيش الثأر غير المدروس والحروب المجانية التي لا تقدم
إلا الخراب على مستوى الفر د وعلى مستوى الوطن أيضا فيقول:
قربا مربط القصيدة
مني واتركاني أهيم في فلواتي
قربا مربط القصيدة
مني إن بي رغبة لتدمير ذاتي
إنه الوقت كي أجرد
سيفا يعمل النور في بطون الجهات
لن أخلي الجمال
يرتاح يو ما حتى يرتمي ضارعا إلى أبياتي فهو يعارض بهذه
القصيدة الحارث بن عباد بقصيدته المعروفة فيتهمكم ولكن
لا بقصد الإضحاك بل وليشعرنا بحجم الفجيعة والأمثلة كثيرة
يمكن يرصدها في دواوينه الثلاثة هي في حقيقة الأمر مواقف
الشاعر الفكرية والإنسانية والسياسية والفنية والفلسفية
ولا غرابة باعتماده هذا النهج فالعالم حولنا بات يتفتح
على أهمية الضحك كأسلوب علاجي ونستحضر هنا مهرجي المستشفيات
ويوغا الضحك ونواديه قصد تقوية المناعة وتخفيف التوتر
وهو أسلوب قديم حيث لأبي نؤاس الباع الطويل في إتقان هذا
النوع من الأدب فهو قد أضحك في شعره ولم يكن بالأضحوكة
تفكه على امراة اسمها دنيا فقال:
إن دنيا التي على
مهجة النفس قادرة
ظلموا نصف اسمها
فهي دنيا وآخرة
نفس ساخرة دون حقد
ناقدة بوعي جمالي ناقدة عبر دلالات شعرية وصور فنية وكلنا
يعرف قصيدته في تحديه الشيطان
طبعا الحديث عن
أبي نؤاس يستحق أن نفرد له صفحات وصفحات نظرا لتجريحه
الضاحك ووو كذلك ابن الرومي الذي برع هو الآخر بهذا الصنف
من الشعر فنراه يهجو ساخرا طول أنف رجل بقوله:
لك أنف يا ابن حرب
أنفت منه الأنوف
أنت في القدس تصلي
وهو في البيت يطوف
فهكذا نرى بأنه
لا يوجد في العالم شيئ ساخر أكثر قسوة من السخرية التي
تنقصها العدالة
وطبعا لم يقتصر
الإبداع بهذا الضرب من الأدب على هؤلاء الشعراء فقد برع
به أيضا كل من الكاتب غسان كنفاني والشاعر محمد الماغوط
وأمل دنقل الذي يقول على سبيل المثال: (لا تسألي النيل
أن يعطي وأن يلدا
لا تسالي أبدا
إني لأفتح عيني
حين أفتحها على كثير
ولكن لا أرى أحدا)
فمن خلال هذه السخرية
العابرة رصد بحنكة محترف واقع الحال وفضحه
لكن الأسلوب الساخر
الذي اعتمده ا الكاتب الكبير غسان كنفاني مؤكدا من خلاله
حنكة الأديب ودرايته وامتلاكه لأدواته بل مؤكدا خفة ظله
يفضح كشف الزيف بسخرية جارحة تعري التفاهات متخذا من السخرية
سلاحا فعالا
ولعل خير ما اختم
به موضوعي اليوم قول غسان كنفاني: (إذا كان الفن هو التحرر
من الوعي والعقل فينبغي أن يكون تجار المخدرات ت هم الناشرين
وإذا كان الفنان
هو الأكثر هروبا من مسؤولية الوعي فإن بطحة عرق هي أكبر
وحي
وإذا كان العمل
الفني هو الهذيان الأكبر تحللا فإن المححششين والشمامين
والسكرانيين هم أدباء العصر ودهاقلة اللغات الدبلوماسية).
من هنا.. فالشاعر
صقر عليشي بريد يحمل سعادة مطلقة، ليخترق بها الشعر، بعدما
يقضي بصيده على جميع الطيور الحزينة. هو يفعل ذلك لأجل
أن يفتح أبواب الفكاهة في النصوص. لذلك يسرح القارئ بعيداً
وهو يقرأ شعر صقر المختمر بالبهجة والجنون والدعابات والسخرية
والضحك المتحرر من سلطة الرقابة. فهو شاعر يحشد المفردات
لا تستدرج الأرواح إلى صندوق الدنيا في عيد شمولي للغة
فاخرة.
فاديا الخشن / شاعرة
من لبنان تقيم في الدنمرك -
fak_001@hotmail.com