القَلِيْلُ
يَمِيْلُ إِلَيْكَ أُذُنَاً رَائِيَةً
هذَا مَا أَنْشَأَهُ
"بَيْتُ الشِّعْرِ" إِلَى "الشَّاعِرِ البَيْتِ" حُسَيْنِ
البَرْغُوْثِيِّ
عِمْ أَلَقَاً فِي
عَلْيَائِكَ أَيُّهَا الأُفُقِيُّ البَلِيْغُ، وَسَلاَمُ
دَمِ السَّمَاءِ أَيُّهَا الأَرْضِيُّ الشَّهِيْدُ..
لاَ نُوْقِظُكَ،
هُنَا الآنَ، مِنْ هَدْأَةِ نَوْمِكَ القَصِيْرَةِ/ الخَفِيْضَةِ
أَيُّهَا العَالِي الجَمِيْلُ، بَلْ القَلِيْلُ يَمِيْلُ
إِلَيْكَ أُذُنَاً رَائِيَةً، كَمَا شِئْتَنَا أَنْ نَكُوْنَ
لَوْ أَطَلَّتْ رَابِعَةُ صَحْوَتِنَا الإِبْدَاعِيَّةُ،
لِتَهْمِسَنَا مِنْ قَرَارَةِ قَلْبِكَ الأَيْلِيِّ النَّوْمِ:
- هَلْ حَانَ حِيْنُ
حَنِيْنِي الحَدَاثِيِّ، أَمْ.. لَسْتُ/ لَيْسَ بَعْد؟
سَنَضَعُ طِيْنَ
الطَّرَشِ فِي الأُذُنِ الأُخْرَى؛ كَيْ نَدَّعِيَ عَمَاءَهَا
السَّمْعِيَّ نَحْنُ الَّذِيْنَ فِيْنَا مَنْ يَسْمَعُ
وَقْعَ أَقْدَامِ نَمْلَةِ الذَّاتِ، فَقَطْ، وَهِيَ تُوَقِّعُ
إِيْقَاعَ مُوْسِيقَاهَا المُشَوَّهَةِ صُعُوْدَاً عَلَى
سُلَّمِ الثَّقَافَةِ مِنْ أَجْلِ عِنَاقِ الطَّاوُوْسِ
فِيْهَا؛ الأَنْفَشِ شَكْلاً وَالأَحْدَبِ صَوْتَاً!
حَقَّاً.. نَحْنُ
لاَ نُوْقِظُكَ، هُنَا الآنَ، أَيُّهَا المُنْتَبِهُ المُخْتَلِفُ،
بَلْ لأِنَّ حَجْمَ الثَّقَافَةِ المَخْدُوْعَةِ كَانَ،
كَمَا تَعْرِفُ أَيُّهَا العَرَّافُ النَّبِيْلُ، وَلَمْ
يَزَلْ، أَكْبَرَ مِنْ إِنَاءِ الضَّوْءِ فِي فَضَاءِ
عَيْنِنَا الوَاحِدَةِ، فَلَجَأْنَا إِلَيْكَ، نَحْنُ
الثُّلَّةُ المُغَايِرَةُ، لكِنْ لَيْسَ كَمَا كُنْتَ
تَلْجَأُ إِلَيْنَا؛ تَحْتَضِنُنَا بِيَدَيْكَ الرَّاجِفَتَيْنِ
قَلَقَاً، مِنْ شِدَّةِ انْتِمَائِكَ، إِلَى صَدْرِكَ
المُثَقَّبِ بِادِّعَاءَاتِنَا البَاطِلَةِ، فَلاَ تَشْعُرُ
سِوَى بِأَلَمِ أَضْلُعِ الصَّدْرِ، إِذْ لَمْ تَكُنْ
تَحْتَضِنُ سِوَى وَجَعِكَ المِنَّا وَحْدَكَ!
أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ
هِيَ مُرَبَّعُ ظِلِّ أَمْسِ غُرْفَتِكَ المُضِيْءُ بِكَ،
حَيْثُ نَحْنُ الآنَ نَسْتَبْرِدُكَ مِنْ هَوْلِ قِيَامَةِ
الأَسَى مِنَّا/ فِيْنَا، فَنُعِيْدُ تَأْوِيْلَكَ مِنْ
جَدِيْدٍ، إِذْ تَنْهَضُ بِنَا مِنْ عَثْرَةِ مَوْتِكَ
المُفَاجِئِ، إِلَى فُجْأَةِ المَوْتِ نَفْسِهِ فِيْكَ؛
لِتَحْيَا حِصَّتَكَ الإِبْدَاعِيَّةَ الَّتِي لَمْ نَكُنْ
نُدْرِكُهَا آنَهَا، وَأَنَّى لَنَا هذَا، وَرُبَّمَا
سَنَظَلُّ هكَذَا أَرْبَعِيْنَ سَنَةً بَعْدَكَ، نُحَاوِلُ
صِدْقَنَا أَنْ يَصْدُقَكَ وَأَنْتَ تُلاَزِمُ رُؤْيَتَكَ
المُشْرَئِبَّةَ نَحْوَنَا؛ مُتَأَمِّلاً مَاءً فِي عُشْبَتِنَا
الثَّقَافِيَّةِ الحَدَاثِيَّةِ، وَآمِلاً أَنْ نُصَالِحَ
عَائِلَةَ الذَّاتِ وَالذَّاتِ، قَبْلَ عَائِلَةِ الكِتَابَةِ؛
اليَرَاعِ وَزَوْجِهِ الوَرَقَة!
ثَمَّةَ تُرَاثُكَ
القَلِيْلُ/ الكَبِيْرُ، المَطْبُوْعُ مِنْهُ وَالمَازَالَ
مَخْطُوْطاً بِأَنَامِلِكَ الكَانَتْ حَلُمَتْ بِتَغْيِيْرِ
نَصِّنَا الشَّهِيْدِ بِشَاهِدِ النَّصِّ المُغَايِرِ
أَنْتَ، وَالَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدٌ تِجَاهَهُ
بِعَيْنِ الصَّقْرِ، أَوْ حَتَّى بِعَيْنِ الصُّوْصِ،
كَأَنَّ غِيَابَكَ المُبَكِّرَ بِحَنَانِ لُؤْمِهِ، أَرَاحَهُمْ
مِنَ افْتِضَاحِ أَمْرِ تَجَاهُلِهِمْ، إِنْ لَمْ يَكُنْ
جَهْلُهُمْ هُوَ الأَقْرَبُ وَصْفَاًً، بَلْ هُوَ الوَصْفُ
كُلُّهُ!
هُنَا.. تَأَكَّدْ
أَيُّهَا المُلْهِمُ المُعَلِّمُ.. لَمْ تَعْدِمْ أَمَلاً
فِي مَنْ صَدَقُوْكَ مِنْ طُلاَّبِكَ/ مُرِيْدِيْكَ/ المَشَّائِيْنَ
بِرُوْحِ إِبْدَاعِكَ المُتَنَوِّعِ/ النَّوْعِيِّ/ المُخْتَلِفِِ؛
فَأَوْدَعُوا نَارَكَ الوَدِيْعَةَ فِي مَكَامِنِ إِوَارِ
إِخْلاَصِهِمْ لَكَ، وَلإِبْدَاعِكَ الخُرَّافِيِّ، فِي
زَمَنِ اللاَّحَقِيْقَةِ وَاللاَّحَقِيْقِي، سِوَى مَنْ
لَمْ يَزَلْ يَعُضُّ عَلَى كَرَامَةِ رُوْحِهِ الإِبْدَاعِيَّةِ
بِنَوَاجِذِ عِصَامِيَّةِ الإِنْسَانِ فِيْهِِ!
يَا حُسَيْن..
يَا أَنْتَ الهُنَاااااااااااكَ
مَوْؤُوْداً فِيْنَا بِقَلَقِ طَاغِيَةِ الرِّقَاعِ؛ فَلَمْ
يُمْهِلْكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ مِنْ أَدَاءِ أَغْرَاسِكَ
البَاذِخَةِ الضِّيَاءِ، لأِنَّهَا قَاسِيَةُ الإِقْدَامِ
وَالأَقْدَامِ فَوْقَ أَعْتَابِ جُفُوْنِهِ!
وَيَا حُسَيْن..
يَا أَنْتَ الَّذِي
تَقُوْدُنَا مُتَوَاثِبَاً مِنْ فَوْقِ صَخْرَةِ الخُضُوْعِ
إِلَى حَرَائِقِ بَرِّيَّةِ النَّصِّ، كَيْ تُنَقِّيَ
ثَوْبَ بَرَاءَتِنَا مِنْ بُقَعِ الرِّيَاءِ؛ إِذْ تَخْتَرِقُ
سَطْوَةَ قَصْرِنَا الثَّقَافِيِّ بِعُرِّيِّ نَشِيْدِكَ
الوَحْشِيِّ، رُغْمَ أَنَّكَ عَبَرْتَنَا عَاجِلاً كَغَيْمَةٍ
مُخَصَّبَةٍ بِذَاتِهَا، وَقَدْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا الَّذِي
يُحَاوِلُ القَلِيْلُ حَمْلَهُ وَصِيَّةً كَثِيْرَةً مُزَنَّرَةً
بِاعْتِنَاقِنَا وَعِتْقِنَا!
لاَ أَعْتَقِدُنَا
نُعِيْدُكَ مِنْ مَنْفَاكَ إِلَى مَنْفَانَا وَغُرْبَةِ
رُوْحِنَا لأُِسْبُوْعٍ فَقَطْ، ثُمَّ نَدَعُكَ لِرَاحَتِكَ
الشَّقِيَّةِ، بَلْ هذِهِ نَفْرَةٌ وَثَّابَةُ الضَّوْءِ
تَهُزُّ مَاءَ زُحَامِنَا المَشْتُوْتِ وَالمَشْتُوْلِ
نَرْجِسَ فُرَادَةٍ وَعِبَادَةٍ وَتَصْنِيْمَ نُجُوْمٍ
مُقْفَلَةٍ عَلَى فَرَاغِ أُفُوْلِهَا، وَتَعُصُّنَا مِن
تَحْتِ إِبْطِ نِسْيَانِنَا المُعَنْكَبِ المُوْحِشِ،
وَتَغُصُّنَا بِكَ ذَاكِرَةً نَتَقَاطَفُ وَجَعَ ثِمَارِهَا
المَطْلُوْلَةِ بِتَسْرِيْبِ غَيْمِكَ اليَضِجُّ فِي دُنُوِّ
زُرْقَتِهِ وَحُرْقَتِهِ!
طُوْبَى لَكَ أَنَّكَ
فِي اسْتِقْبَالِنَا نَحْنُ زَائِرُوْ الدَّهْشَةِ، يَا
زَارِعَ القَشَّةِ الَّتِي قَصَمَتْ ظَهْرَ بَعِيْرِ ثَقَافَةِ
التَّنَصُّلِ، وَخِطَابِ التَّحَوْصُلِ، وَنَصِّ التَّوَصُّلِ
إِلَى سَاقِيَةِ الكَلاَمِ المُرِيْبِ/ المُدَجِّنِ/ المُطَبِّعِ/
المُلَمِّعِ... فَأنْهِضْنَا بِكَ أَيُّهَا البَرِّيُّ
الصَّاحِي، فَنَحْنُ سُكَارَى الحَقَائِبِ حَتَّى أَقَاصِي
الخَرَائِبِ، وحَتَّى نُفُوْرِ فِضَّةِ المَرَايَا مِنْ
شِدَّةِ شُرُوْخِ وُجُوْهِنَا المُتَكَلِّسَةِ بِغُبَارِهَا
المُقِيْمِ!
وَالآنَ...
- لِمَاذَا حُسَيْن
البَرْغُوْثِي؟
مَا مِنْ تَرَدُّدٍ:
- لأَِنَّهُ حُسَيْن
البَرْغُوْثِي؛ وَهْجَةُ الإِبْدَاعِ القَادِمِ، فِي العُشْرِ
الأَخِيْرِ مِنَ لَيْلِنَا البَلِيْدِ، نَفْخَةَ النَّجَاةِ
مِنَ النَّجَاةِ!
مُحَمَّد حِلْمِي الرِّيْشَة
/ شاعر من فلسطين