خمسة
مقاطع
من
تراجيديا الخروج
1
محمد الإحسايتي
الحلقة الأولى
أصبح لهم فسحة،
بصيص أمل، كوّة يغازلها بريق سيف جبار، يمدد مساحات التوقع
‘والانتظار. قد يحدث شيء ما، بين فسحة وأخرى، يحدث شيء
ما، فوق اليابسة. وإذاأ ليل الليل، تراهم يبحثون عن عناقيد
عشتا ر. وبينا هم كانوا يتباحثون عن كوىً ممكنة في فسيفساء
قرارات الأمم، ومحفوظات جنيف، ذات الأموال القذرة، ذات
الشفرة الخفيةا لأخفى، تبيض بالذرائع، والذرائع شرائع،
جاءهم نبأ جزئي يخرج رجل السلا م، وكاسر عظام الأطفال،
من ورطته، ويدخلهم هم، التاريخ . اما هو؛ فيدخله الضمير
المثلجَُ سجنَ تاريخه في صمت إعلامي مشبوه .و أما الأطفال؛
فتكنس أفواههم المضاجع، والأحضان، في انتظار هبات الغوث.
ولأن ثمة من لا يزالون يستحمون في أودية الاعتقال برمال
النقب.أصبح لهم جذع، يتوقعون كل آن، لكمة جندي، يحرسه
زميله المدجج بسلاح أوتوماتيكي! مجندان يحرسان مصفحة،
ثالثهم يحرس ُمْبعداً أعزل.قالت نظرات المجند لهذا الأخير:
\"إذا تناولت برتقالة من جنى حدائق نابلس،لا ترم قشورها
في سيارة المحتلين. السيارة أرادوها تكونُ أقذر من نقود
المرابين... لم يفُت المبعدَ أين تكون النظافة أفي القلب
أم في الوجه المصفح بالوقاحة. داهمته الوقاية، والدفاع
الممكن ضد المدنيين ليتلقى مزيداً من اللكمات؛وفي غالب
اللحظات الممتدة، يتلقاها بصلابة، لاينال منها الموت.
وفيما كان يبحث عن الخروج من دائرة السؤال، لمح داخل المصفحة،
وراء مقعد السيارة الخلفي، صندوقاً مستطيل الشكل،زيتوني
اللون، به نفايات من فواكه نابلس المسروقة جهاراً في غياب
النواطير. لا وقت هناك لانفجار الذاكرة. كل شيء يسير في
سرعة فائقة. هل يَرمي القشور كما تراهم يفعلون؟أو يبتلع
البلح المصري، أو العراقي بنواته؛ فيضحكون ويسخرون من
بداوته؟ ابتلعت المصفحة الطريق الحلزوني، تجاه المْحَتجَز،
لحظاتٍ سبقتْ النفي الجماعي الفعلي. وُضعت العصابات على
الأعين،وشُدّ الوثاق على الذراعين بخيوط لزجة حقيرة.
2
حدث ما كانوا يتوقعون،
في وادي العقارب، أمطار، وأمطار، مصحوبة بثلوج... ما لمرج
الزهور صامتاً في حيرة ميتافيزيقية؟ روافد الليطاني تتخلى
عن رجع سولفيجي؛ بل خلعت في جنونها أسمالاً موشاة بالبَرَد.
فوق التلال الجنوبية رجْعُ صدىً، احتلالٌ لاحتلال: لا
ينبغي أن يحلم أهل الشام بالموز والبرتقال، لا ينبغي أن
يغرد طير الهناء فوق حدائق نابلس، أن ينشر الشامي حبات
قع قلة على طعام ساخن! ساغ وسطاء الناس أكل بعض الطعام
البارد، أثناء الإذلال، ثم جاءتهم الخديعة عارية، فذهب
قولهم مثل الأمثال: »بفمهم، لا بأفواهنا!\" تحجبت الروابي
بالبَرَد، والعالم يتفرج، مصابٌ بشلل نصفي. لا أحد يقدر
على اللسان. فقط، مرغتْ أم الشهيد ثوبها المزركش بالدماء
في التراب: \"واعرباه!..واإسلاماه!...وامعتصماه!...واصلاحاه!...\"
اشتعل بحر الروم. يا سماء، ابلعي قوس قزحك! احفري على
اليابسة خطوط الشمس! لا نبات إلا أورام على جنبات اليرموك،
وإن اختلفت المواقيت المحلية، بسبب خطوط وهمية:علة العلل،
وقافلة واضحة النهار،ومسرى غسق الصباح. وغاص قوم بأردية
البدو الأجلاف، تحت ثياب النساء الداخلية! آهٍ للنساء!
كيف تقبلن تقلب الطقس من بعد صرة الدنانير الأميرية المسكوكة
في سنة السعد وطول العمر، في العالم السفلي!
أحوال الطقس في
المحطات العربية هناك تفاوت، ما بين مشمس، وغائم حزين،
ومظلي، ومهزوز، وعاصفة رعدية بعيدة... في أقصى الشمال
الغربي من بلاد الإفرنج. جزر مزمن في بحر العرب، لأن البحر
يرعى مثل الإبل والماشية، ويحضر مثلها في أوا نه... ميزان
الحرارة فوق الصفر بكثير، عواصف مضادة للعواصف، وسط البلاد.
دامت لكم العافية! - ابتسامة صفراء- ظل البدوي مهموم القلب،
لأنه تجنب أن يتحدث إليها باللهجة النبطية، سوى ما انفلت
به لسانه. وما زال بأصحابه وعشيرته يخاتلهم بذكاء فطري
،حتى نزل بهم ظلام تلك الليلة... سارت هي حيث سار الضوء
بل الومضة ،ومضة الدينار.تاهت في مدينة عربية مستباحة
من الأغوار السفلى، شبه مهجورة. همس لها لُبّ لُبِّه،كأنما
ألقى إليها بأسرار نووية:\" نشرب ماء الزيزفون، أولاً،
وسأسكب الذهب من رأسك إلى رجلك\" ثم غاص في مستنقع الطحالب...
*هذا النص الأدبي،
سبق أن نشره الكاتب في جريدة \"الميثاق الوطني\"بالمغرب:
ص 8 يوم 13فبراير 1993.
خمسة مقاطع من تراجيديا
الخروج
الحلقة الثانية
والأخيرة محمد الإحسايني
محمد الإحسايني
من الذي أحدث خدوشاً
في الماء؟ ارتعش البحر من صمته. اللا مبالاة في مجرى الطفيليات
الهامشية .هي تعرف طريقاً نحو خندق ولادات قزحية. الشبح
ينمو، يتمدد فوقاً، فوقاً، فوق مستوى الروابي الهاجعات،
في مرجعيون .يتهاوى ما فضل من الظل فوق وادي العقارب.
من الذي خلق الظل؟ الرضى أن تتوارى خلف أشجار الواحة،
أن تقضم خبز الهامش بأسنان مشبوهة. إذن فنحن الذين خلقنا
الظل وظل الظل! لا تسألني بعد ذلك: لماذا كانت تحرق الغابات
قدْماً تحت أقدام الغزاة، أياً كانوا حتى ليلعنهم التاريخ
الحقيقي. التاريخ الميتافيزيقي مليء ببخور اللعنات.…وتسامروا
تحت سيف جبار فيما بينهم. خلاصة السمر: من يعلق الجرس؟
ثم أصبح الجرس وراثياً. وجاء في مأثور الكلام، أن من علقه
لن يخسر شيئاً. فقط، جيء يوماً، تحت وابل البلح الحجازي،
فيعلقه. لو أحصوا كل أساطير بابل، ما وجدوا أكثر دلالة
من ملحمة عابرة، عبر السطوح السفلى نحو القلاع، في عصرنا
المتغطرس الحالي. ترقم أسئلة الوعيد: أين يضع الإنسان
المكدود قلبه، في النهر، في التراب، في الموقد، في الهواء؟
ترهقهم الأسئلة كما ترهقنا. تحدثنا لغة العقائق، ولغة
البط، ولغات الزواحف. تلونا صلاة الأجساد المنغمسة في
الطمث الشبيه بلون القمح الأسمر. نحن القمح الأسمر! غسلوا
أمانيهم في ظلال الكروم، مسحوا ببقايا تربة حيفا وبقايا
تراب الأقدام المنعولة التي لها لون السنابل في أيار!
أحذية جنود غرباء…[حذفه الرقيب الفرو يدي]
4
في البدء، كانت
العودة، وكانت العودة… ترهقنا الأسئلة، تعاتبنا الأحجار
والبروج. هم لا ينبغي أن ينسوا أن لهم داخل أسوار أورشليم
مزنة ماطرة، وأن لهم بلاطة وبلاطة في كوخ جاهز، وأن هناك
شقوقاً في الحائط الأيمن عند المدخل الأسطواني وفرخاً
أز غب من موا ليد الموسم. يعاتبنا النسيان. لا يريدون
أن يصدقوا أن الدفلى تمايلت في الكوخ، والأزهار لا تريد
أن تتعود على النسيان. كل واحد باسمه من الأهل والخلان
ن… كيف تتجنب النسيان، تتحول إلى ارتجاجات تهاجم الأبراج،
تكسر الخوذات؟ وكان صباحٌ… الحجارة مسترسلة…ومن الأزهار
مانام نومة أبدية مبتسماً راضياً… ُثم تحول كل شيئ إلى
جحيم مستعير عند حافة الوادي الأعلى. ثقوب مختلفة في جسد
البراعم المسجاة في العراء، تحت أقدام غزاة همج. البراعم
راضية كأنها في حضن الأمهات!
5
يسألونك عن أعمدة
شرقية، نقوش على الأرابيسك على الأبواب، خط ثلثي، كتابات
على الهامش، رقعية، فارسية، ريحانية، كوفية، ديوانية
… منفى اختياري لدبلوماسية شائخة،
ومنافقة: من كان منكم يسأل ريح دمشق أونسيم الفرات؟ النواريس
ضربت بالأجنحة واختفت في بحر الروم، في صمت الدهور! تلك
نخلة وهم يعرفونها، وتلك بوابة متأججة وراءهم. لم تردَّ
اسوار المدينة على نزق أطفال الأروقة. لليباب شاعرية،
وللأبواب صمت أبدي، وللعمران وجود ماجن غير وجود الداعرين
العاجزين، العاجزين عن إطفاء جذوة العبور نحو النهر المتجمد
،ذاك الزئبقي السافل! لا واحد منهم نسِيَ اسمه،وسنة ويوم
وشهر وساعة ميلاده تحت النخلة. وضرب الجمل في الأوحال
حتى الركبتين، وامتدّ رغاؤه يمتص غضبة مضرية. لم تهدأ
طاحونة الانتقام... ويتعجرفون تحت اللبلاب.
محمد الإحسايني