حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

عشر سنوات على رحيل الشاعر حامد بدرخان

أعطى كرديته معنى ملحمياً

في مقهى <القصر> بحلب، والذي كان يجتمع فيه المثقفون اليساريون على اختلاف فرقهم، كان يجلس الشاعر حامد بدرخان شاعر كردي سُجن في تركيا بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي في العقد الخامس من عمره ذو وجه مليء بتقاطيع قاسية توحي كأنه وجه جبل، وجه قُدَّ من صخر، وذو حاجبين كثّين مبعثرين مثل أفكاره ترسل شظاياها نحونا نحن الثلة اليسارية التي كانت لا تزال في مرحلة الطفولة، فنخشى أن نجالسه، فيما هو المناضل الشيوعي الذي قضى سنوات في السجون التركية مع الشاعر ناظم حكمت مثلما أمضى بعض زمن مع الشاعر آراغون في فرنسا رفيقا وصديقا. كيف نتحرش به؟
ببراءة ليس فيها خبث ودون أن أستأذنه جلست إليه وسألته: هل صحيح أنك كنت سجينا مع ناظم حكمت ؟. لم يستغرب سؤالي كان يعرفنا، أجابني والدمع يلمع في عينيه هو دائما على بكاء، ان سمع قصيدة وأعجبته بكى، وإن رقص كان يرقص رقصة زوربا كما يرقصها أنطوني كوين ويبكي: نعم كنت سجينا مع ناظم حكمت. وكيف التقيت به؟. إنه أستاذي يقول حامد: علمني الكثير، اجتمعنا على اليسار، وعندما التقيت به كان مشروعي الشعري أمام عظمته مشروعا صغيرا، صوته وهو يلقي شعره عليّ لا تزال موسيقاه في دمي. كيف التقينا؟ أنا لا أعرف. هل نسيت أم أنك تعتبر لقاءكما لا يزال سرا؟ لم أنس وليس سرا، آسياي (نازلي خليل) المرأة التي نذرت لها حياتي لم أجبها عن هذا السؤال. ربما لم يحن الوقت. وأقول له: ماذا عن علاقة ناظم حكمت بزوجته التي كتب لها أجمل أشعاره؟ يضحك حامد: قبل أن أتعرف إلى ناظم حكمت كنت أعتبر أنه حرام على اليساري أن يحب وأن يعشق، حتى إنني كنت أعتبر أنه لا وقت لمثل هذه التفاهات. ناظم قال لي: وقود الثوري يستمده من عيني حبيبته، إذا كنت بلا امرأة تحبك فابحث عن امرأة. ثم كيف تصير شاعرا ولا تعرف امرأة تعشقها؟! اذهب.. يساري وشاعر ولا يعشق امرأة؟!!
هل ننتحر
وأقول لحامد بعد أن صرنا صديقين، وصارت المرأة التي عشقها تجمعنا نجتمع تحت شجرتها: تعال نذهب الى <كرديتك> فأنت متهم بقلة عشقك لها، بالبرودة. هكذا أسمع من الكرد. ويرد قائلا: وهل شقوا على قلبي؟ وأقول له إن الشاعر (جيكرخوين) وهو رمز شعري، عندما التقينا به أنا وأنت مرتين كان قد أخذ عليك نفس المأخذ، أذكر وتذكر معي أنكما عندما تصافحتما كما لو أنكما كنتما مجبرين على التصافح أياديكما كانت مترخية. ودون انفعال كان ينفعل يقول حامد: جيكر خوين واحد من أكبر الشعراء، هذه حقيقة أنا أعترف بها، لكن مشكلة جيكر خوين أنه بقي كلاسيكيا، بقي جبليا لم تشدّه التيارات الفلسفية ولا صراع الايديولوجيات رغم اعتناقه الشيوعية. وربما كان أكثر مني صوفية في حبه لشعبنا، لكن هذا لا ينفي عني أنا حامد بدرخان بأنني لست كرديا او أنني لا أحب شعبي. أنا لا أزايد على أحد. لقد تعرضت للموت، للإعدام في تركيا بسبب معتقداتي الماركسية. ألا ترى أننا نعيش في معسكر اعتقال، كأننا تحكمنا سلطة خرافية، قوى غيبية. يا صديقي يجب ان نؤسس لسلطة ثقافية، الأكراد يتضامنون ليس بشعور قومي. مرات بشعور عائلي، ومرات بشعور مهني، ومرات بشعور حزبي. أين الوطن الأمة؟ نحن جيل رضع الماركسية مع حليب أمه، لقد تمددت في دمنا، سكنت خلايا روحنا، وكان ثمن ذلك ان قامت السلطة وزجتنا في السجون بعد ان تعرضنا للموت أثناء التحقيق. اليوم صارت الماركسية زينة صار البعض يتباهى بأنه ماركسي. على ماذا؟. معظم الأكراد وجدوا في الماركسية خلاصهم، ذهبوا إليها عساهم ينجزون دولتهم. أنا لم أفكر بهذه الطريقة، أنا أردت ان أعطي كرديتي معنى ملحميا بحيث يتجاوز التاريخي الشخصي والفردي، علينا ان نعقلن الحس القومي فلا نصير (شوفينيين) هناك أقليات مثلنا تعيش فوق سطح هذه الكرة ولا تتمتع بحقوقها الإنسانية. ماذا نفعل؟ هل ننتحر؟؟ الى الآن لا نزال نفصل بين إرادتنا السياسية كأكراد وبين الضرورة التاريخية. ان دولتنا هي في المستقبل وعلينا ان نعشق المستقبل.
يغتالون كيانهم
يهدأ حامد، يشعل سيجارته وأقول له: سرت العادة ان يذهب المبدعون مهما كان جنس إبداعهم الى الاحزاب السياسية، هل أنت مع هذه العادة؟.. ليس كثيرا يقول حامد لكن يمكن الجمع بين المبدع والحزب شرط ألا يتدخل الحزب في نتاج المبدع، الفنان، فيربطه بحبال العقيدة. أنا من ناحيتي حاولت أن أبقى بعيدا عن الاحزاب بعد فراري من تركيا الى سوريا، ليس خوفا من الاعتقال او السجن. ولكن لأن الأحزاب التي تحكم لا تسمع إلا صوتها، وقد تسجل احزاب المعارضة إذا قررت ان ترفع صوتها عليها، هذا غير معقول. ثم إن المثقف او المبدع هو غير معني بالدفاع عن آراء حزبه إذا تعارضت مع آرائه بصفته مثقفا، وفي هذه قد تُذبح بسكين حزبك تهرب او تنجو من قضبان الحزب الحاكم لتموت بسكين حزبك المعارض!! أنت تدرس وتجتهد لتتخلص من عبادة الوثن، فجأة إذا بك أمام أوثان لا عد لها. أوثان أوثان أقول لحامد ماذا تعني لك هذه الأحزاب وخاصة اليسارية منها؟ ويرد علي وهو يشعل سيجارة من سيجارة ينفث دخانها بانفعال: اليسار العربي تسللت إليه أياد انتهازية، أياد جاءت لتصنع الفساد والهزائم، فصرت ترى يساريين ويمينيين متطرفين في أفكارهم لكثرة ما فرّط الحاكم بثروات الأمة. انظر إلى التاريخ الاسلامي.. الى حكام كانوا قلعة الأمة يحامون عنها (بشرا وحجرا) ولم يسرقوا أموالها مثل النبي محمد وعلي ابن أبي طالب. قد يكون للأول اكثر من مبرر بصفته رسولا لكن ما هو مبرر علي؟؟. معاوية سرق ووزع الدولة على أسرته. كل خلفاء بني أمية فعلوا مثله سوى عمر بن عبد العزيز، وكذلك فعل العباسيون. ونحن كأكراد في طيلة هذا التاريخ كنا وقود معارك، وأميركا في التاريخ الحديث هي أكثر دولة استفادت من الأكراد بوصفهم حطب معارك، وكأنه يستحيل على الكرد كأنهم متفقون على أن لا يصنعوا حالة كردية في الثقافة، في الفسلفة، في السياسة. شخصيتنا الكردية في المستوى الحضاري تكاد تكون غائبة إن لم تكن ضائعة. أنا وبرأيي وهذا الكلام قلته لجيكر خوين وبحضورك: فلنكتب بأي لغة، لكن ان نكتب كرديتنا ببعدها الانساني، بعذاباتها مآسيها الانسانية، ففي أي بلد نعيش لا يجوز ان نتجاوز او ان نتخطى وطنيتنا، علينا ان نشتغل شخصيتنا القومية بإحساسنا الوطني. الكرد اي مثقفوهم كأنهم يغتالون بتمزقهم الثقافي هذا كيانهم القومي.

 

انور محمد / (حلب)


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri