حدود
السرد الشعري
من منفذ الدخول
إلى الآداب الأوروبية يستطيع الدارسُ تعرّف حقيقةِ أنَّ
الشعرَ الأوروبي يتخذ التوجه السردي كأحد مسارات عرضِ
الصورة الشعرية وتقديم النص الشعري بالوجه الذي يُشار
إليه على أنّه وجه مُكتملُ الملامح على عكسِ الشعر العربي
الذي يكاد يكون محدوداً في استخدام السرد كحقيقةٍ قصصية
تمتلك مقوّمات القص بالمفهوم الحداثي الذي يعتمد الاستهلال
والحدث والشخوص ”الزمان والمكان“والتنامي الذي يدرك الذروة
ثم نقطة التنوير وأخيراً النهاية (تتمثل قصيدة الحطيئة
"وطاوي ثلاثٍ" أنموذجاً يكاد يكون فريداً في الشعر العربي.
يدخل السرد في النصوص الشعرية الأوربية مكمِّلاً للتعبيرات
الذهنية التي يُفضي بها خالقُ النص الشعري.
فاعتماد السرد يدعمُ
ما يفرزُه الذهنُ من تركيباتٍ بنائية. إذْ بدونه تتولََّد
في كثير من الأحيان تفكيكيةٌ في عرضِ الصورة فيبدو الشعرُ
كما لو كان هذياناً لا طائل من قراءته واستدراك شفراته،
ومن ثم لا يمكن الخروج بمدلولات ذات وقعٍ مؤثِّرٍ وفاعلٍ
في الذائقة.
الشعر
الأوربي واستخدام السرد
في نص "مراقبة الزوارق في سان سانا" يدخل جيمس جويس وفي
العام 1912 مدينة تريستا ليدون نصّاً شعرياً (4) يتداخل
فيه السردي بالشعري ألتأملي ويغدو التداخل الاجناسي واضحاً
يبدأ بالاستهلال السردي وينتهي بالتأمل الشعري حيث الزوارق
تبدأ الإبحار وسط الموج المتهافت، حيث الموجة تتبع الموجه
نادهة بالزوارق، وحيث الزوارق مبحرة باتجاه الرحيل الذي
يولّد الألم و يبعث الحسرة، وحيث السرد المتداخل بالشعر
لإنتاج قصيدة:
سمعت قلوبها الصغيرة
تتصايح
باتجاه الحب فوق
الموج الساطع!
وسمعت الأعشاب المرحة
بحسرة تقول:
لا تبتعدي أكثر،
عودي أيتها الزوارق
لا تبتعدي أكثر!
آه أيتها القلوب،
آه أيتها الأعشاب المتحسرة
سدىً تئنُ أعلامكِ
التي تهزّها الريح!
لن تعود الريح المتوحشة
التي تمر
لن تعود، لن تعود.
وتشيع شكلية السرد
وتنتشر كثيراً في قصيدة " الأرض اليباب " لـ " إليوت "،
حتى ليغدو هذا السرد - بما يحتويه من أماكن تعمّق من وجوده
- بنية أساسية لا يمكن تجاوزها، ويصبح- السرد - ذا تأثير
فاعل يمنح النص شاعرية أكثر عمقاً ؛ بل تنتقل هذه الشاعرية
إلى إطار صوري يخلق حميمية حافرة في الذاكرة يمس المواقع
التي يأتي ذكرها في النص. (الستراند) و (شارع الملكة فكتوريا)
و (شارع التيمز)، وثمة وجود لآلة موسيقية (ماندولين).
كل هذا يحدث لحسناء تسرح شعرها قريباً من آلة الحاكي الموسيقية،
ويشهدها السارد الشعري بالجملة التي يحصره الشاعر وهو
ذو الذات الشعرية بين قوسين صغيرين.
عندما تنحدر الحسناء
إلى حماقة ثم
تتمشى في غرفتها
ثانية، وحيدة!
تسرّح شعرها بحركة
يد آلية!
وتضع اسطوانة على
الحاكي.
"هذه الأنغام انسابت
بقربي على المياه"
وعلى امتداد (الستراند)
حتى شارع الملكة (فكتوريا)
مدينة يا مدينة،أكاد
اسمع أحيانا جوار حانة في شارع التيمز الأدنى
أنين ماندولين شجي.
ويدخل (فيليب لاركن)
في حومة السردي اعتماداً على تنطيق الصورة التي يدفع المتلقي
إلى إبرازها أو تشكيلها برؤية بصرية متنامية تجعل السرد
الأداة أو الفرشاة التي تتولى اكتمالية القصيدة بالحد
الذي تترك فعلها الصوري ماثلاً سيما والنص يشرع باستهلال
انطقه الذات الأولى (صوت الشاعر) البارز، الناطق في نصّه
(زيارة الكنيسة) الذي احتوته مجموعته " الأقل انخداعاً
" التي صدرت العام 1956:
أخطو داخلاً، تاركا
الباب يصطفق منطبقاً.
كنيسة أخرى: سجاجيد،
مقاعد، وبناء حجر!
كتب صغيرة، نثار
ازهار، جمعت
ليوم الأحد،ذابلة
الآن نحاسيات وما أشبه
تعلو النهاية المقدسة،
أرغن صغير أنيق!
وصمت متوتر دبق
لا يمكن تجاهله!
تقادم عهده من آماد
لا يعلمها إلا الله
ويتبدّى المنحى
السردي كذلك (ونحن هنا لا نود التوسع في هذا المضمار كثيراً
فنأتي بما لا تستوعبه هذه الدراسة المختصرة) في نصوص "هنري
ميشو" الشعرية، ويغدو السرد بنية مطلوبة لكي يكتسب النص
نجاحه الفعلي وتأثيره الفاعل، ولكي تصبح مكونات النص منبع
مثار لذائقة المتلقي التي تجد في مثل هكذا بنى مصدر إشباع
وتحقيق لذاذة حيث يتماهى السردي بالشعري ويتداخلا في أجمل
صورة وأفضل تركيب. ففي نص "على طريق الموت" يتولى السردي
فعله في بنائية النص ويستحيل الشعري مسرباً روحياً مكمّلاً
لكيان السرد فتتشكّل لوحة متداخلة ومتماهية تعطي مسارات
لا تنتهي من التاويلات ومعاني لا تقف عند حد. والشاعر
في تصوره للموت الذي يحتاج إلى السرد ليكمل صورة الشعر
يستدعي أقصى ما يقدر من براكين العاطفة ليتعامل بهدوء
مع موجات بحر منسابة في قضية هي أسمى ما في حكايا العواطف،
تلك التي تتعلق بالأمومة، وحنان الأمومة والخشية على ألام
من أن يمسَّها سوء. هي "المعادل الموضوعي" التي تمس هذه
الخشية الأم على أولادها ساعة التهجُّس من قدومِ ما يؤلِم
ويطعن في الصميم:
على طريق الموت
التقت أمي طوفَ
جليد
أرادت أن تتكلم
غير أن الوقت كان
قد فات!
طوف جليد من القطن
المندوف
كان ينظر إلينا
أنا وأخي
إننا نفهم جيداً
ندئذ ابتسم تلك
الابتسامة اللطيفة جداً، ابتسامة الطفلــة الصـغيرة التي
كانت هو حقّاً
ابتسامة جد جميلة
تكاد تكون كيّسة،
وبعد ذلك سقط في المعتم
الشعر العربي..
السرد في باب الشعر الحر
ترامى الشعر العربي
عبر أغراضه واتجاهاته العديدة متنقلاً بين مفارق متعددة
داخل القصيدة الواحدة. ففي الاستهلال الذي يتخذ طابع الحنين
بالوقوف على الأطلال يسكب الشاعر بعضاً من جذوة الأعماق
ليدخل بعدها إلى فحوى القصيدة عارضاً خلجاته، وعاكساً
رؤاه ؛ وطارحاً ما يريد أن يصل إليه ليكون الغرض الأساس
الذي سعى لابتنائه والوصول إليه.. ومن داخل القصيدة يمكن
أن نتلمس حالة سردية تلج نسيج القصيدة لكنها لا تشكل الأساس
أو الغرض النهائي، بل جزءاً من البناء. وإذا كنّا نبغي
الرسو عند نص قصيدي يتخذ السرد بنية كاملة وأساسية تشكل
الإطار الموضوعي للفحوى فليس غير قصيدة الحطيئة (وطاوي
ثلاثٍ عاصبِ البطنِ مُرملٍ / ببيداء لم يعرف بها ساكنٌ
طعما) التي يصوِّر فيها مشهدَ عائلته وهي تتضور جوعاً
في ليلة دهماء وبيداء خالية وماعون جاف يضاف إليها موقف
المفاجأة الذي يقلب المشهد المتكرر يومياً للجوع والتضور
حين يداهم العائلة ضيفٌ لابدَّ من تقديم مبررات الضيافة
العربية بأحسن صوره ومن ثم تنتهي القصيدة بانفراج الأزمة
لتتشكّل بذلك أول قصيدة تحمل طابع السرد المتكامل الذي
يقدّم قصةً كاملة.
واستمرت القصيدة
في الشعر العربي تضم أغراضاً وتحوى مواقفَ يضمُّخ بعض
نسيجها السرد على امتداد قرون. ولم يدخل السرد دخولاً
واضحاً إلا عند تغير البناء العمودي للقصيدة ودخول الشعر
العربي إلى حومة الشعر الحر وتعرّفَ الشعراء على التجارب
الشعرية العالمية ؛ فاغتنوا واقتبسوا منه وتمثلوا به.
فاحتوى شعر بدر شاكر السياب على الكثير من البنى السردية
التي تعرض صوراً واضحة لحالة تستحق الوصف إلى الجانب السردي:
والتفَّ حولكِ ساعداي
ومال جيدُكِ في اشتهاء
كالزهرةٍ الوسنى
- فما أحسستُ إلا والشفاه
فوق الشفاه.. وللمساء
عطرٌ يضوع فتسكرين
به واسكر من شذاه
في الجيدِ والفمِ
والذراع
فأغيبُ في أفقٍ
بعيد مثلما ذاب الشراع
في أرجوان الشاطيء
النائي وأوغِل في مداه
من قصيدة ”اللقاء
الأخير“ مجموعة ”اساطير“ ”1950“
ويتوجّه عبد الوهاب
البياتي ليستعين بالسرد على طرح فكرته التي يبغى أن تكون
منسابة مع الصورة التي يتفتق عنها هذا السرد. فيدخل صورة
القط التي يتمخض بديلاً عن الفتاة في ذاكرة الشاعر، فيقوده
التصريح السردي إلى تشكيل حركي يؤثر في ذاكرة المتلقي
ويؤجج فيه متعة التعرف على التماهي الذي يحدثه بين القط
بالخدوش التي يتسببها كمخلوق له مخالب وبين الفتاة التي
لها ضفائرها التي تشنقه كما الارنب.. إن السرد الذي يأتي
به هنا يمنحه الاستعانة على كسب المتلقي وذائقته إلى جانبه:
تستيقظ "لارا" في
ذاكرتي: قطّاً تتريّاً يتربص
بي، يتمطّى، يتثاءب،
يخدش وجهي المحموم.
ويحرمني النومَ،
أراها في قاع جحيم المدن القطبيةِ
تشنقني بضفائرها
وتعلقني مثل الأرنب فوق الحائطِ
مشدوداً في خيط
دموعي.
(من نص ”أولد واحترق
بحبّي“)
الشعر
الأوربي.. قصيدة النثر والتداول السردي
دخلت قصيدة النثر في الشعر
الأوربي من باب " الطموح الميتافيزيقي الذي استولى على
الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتأثير شعراء
من مثل بودلير ورامبو ولوتريامون ومالارميه " وبرغبة جامحة
من اجل التغيير والبحث ثم الوصول إلى أرضية جديدة للشعر
تكون مقبولة ومؤثرة وقادرة على الهام الشاعر بما يتوائم
ومطامحه في التعبير ؛ بحيث يتجلى التعبير بالحالة التي
يقف عندها القارىء متأملاً ومستفهماً، ثم متحركاً لاستكناه
مكونات وتوجهات هذا التعبير ليكون شعراً من طراز " قصيدة
النثر " الذي ينأى عن النثر الشعري الذي كانت له صولة
زمنية هي التي مهدت لظهور قصيدة النثر وجعلتها نوعاً ادبياً
حقيقياً له وجوده المميَّز ؛ وتصنيفه على أنه نوع شعري
جديد.
ولقد تميّزت قصيدة
النثر عن الطابع الشعري الذي سبقها بأن ركزت على حصر التصنيف
بتكوين نوعها على أنها قصيدة مثلما شددّت على ان تكون
موجزة تختزل الكثير من الجمل والعبارات الاستطرادية التي
لا ترى موجبها لوجودها داخل جسد النص ؛ في حين ركزت على
ضرورة استحداث تأثير شديد داخل المتلقي وإثارة ذائقته
بحيث تبدو القصيدة منبع تحريك وارتجاج لدواخل المتلقي
الراكدة أو الهادئة أو تلك التي اعتادت ملمساً ذوقياً
معهوداً جبلت عليه من عقود وقرون. وأخيراً تم تشديدها
على أن تكون ثمة وحدة عضوية تجمع أواصر القصيدة بحيث ينتفي
التفكيك رغم الفوضى الداخلية التي تنتاب القصيدة. وينبغي
لهذه القصيدة أن " تفترض إرادة واعية للانتظام في قصيدة
" لا اعتماد الذهنية الصرف التي تدفع بها لأن تكون مفردات
مسطًَّرة ثم نأتي تجاوزاً لنشير إليها على أنها قصيدة
نثر. ومن هنا فتحت قصيدة النثر باباً للدخول السردي بحيث
تبدو القصيدة أقرب إلى السرد القصصي لكنها تنأى عنه نأياً
واضحاً. وقد وظف شارل بودلير السرد توظيفاً ذكياً بحيث
دفع بالقصيدة إلى مصافي التداخل النصي فاستطاع وفق تجربته
تلك أن يمازج السرد بالشعر، وأن يغدو الشعر في بعض صوره
مجموعة بنى سردية متماسكة في قصيدة " تطابقات:
الطبيعة معبد يرتل
فيه دهاقنتهْ / غوامض الكلمات أحياناً / يمر فيه الإنسانن
عبرَ آجام من الرموز
ْ / تراقبه بنظرات مألوفهْ / تتجاوب الألوان و الأصواتْ
فيهِ، كالأصداء
الممتدة من بعيدْ / تمتزج في وحدة مظلمةٍ وعميقةٍ / فسيحةٍ
كالدجي!
وكامتداد النورْ،
هناك عطور طرية كلحوم الأطفالْ، / لطيفة كالمزامير، عنـّاء
كالمراعي
لها انتشاءُ عبير
الأشيـاء الـلا نهائيهْ، /كالعنبر، والمسك، ولبان جاوا،
والبَخورْ!
تشدو بنشوات الروح
والأحاسيس.
ولم يشذ آرثر رامبو
عن قاعدة الاستخدام السردي في إيصال بنية الشعري في القصيدة
رغم ما عرُفَ عنه غير "الفوضى المُحرَّرة" على حد قانون
سوزان بيرنار في قصيدته. فنصه "نائم الشِّعب" يشير وبلغة
تمازج روح الشعر وبنية القص إلى هيكلية سردية عالية تتممها
الصورة التي تترجم فحواها في تواليات التجلي الذي يتقص
الشاعر وضع ضربتها الدلالية في الجملة الأخيرة. فهو يعرض
لنا وببهاء جميل وفاتن صورة لجندي ينام على عشبٍ يتسلى
باللون الأخضر حيث نهرٍ جارٍ يحاذيه والشمس من جبل أشم
تلمع.. وهناك:
جندي شاب، فاغر
الفم حاسر الرأس / والعنق مستحمَّة في الجرجير الندي الازرق
/ يرقد
إنه ممدد في العشب،
نحن الغيمة / شاحب في تخته الاخضر حيث يهمي الضياء.. /
قدماه
في السوسن، يرقد،
مبتسماً مثلما / يبتسم ولد مريض، إنّه يأخذ غفوةً: أيتها
الطبيعة!
هدهديه بحرارة:
إنّه مقرور.. العطور لا تحرك منخريه / إنّه ينام في الشمس،
يده على /
صدره المطمئن. في
جنبه الأيمن ثقبان أحمران
الشعر
العربي الآن.. قصيدة النثر وفعل السرد
توخَّت قصيدة النثر - وهي
تتولى التعبير كمنحى حداثوي عربي دخل في حالة تنافس مع
قصيدة الشعر الحر في بداية ظهور الأخيرة - التعامل مع
الحياة بمختلف أوجهها ، وجاءت كحاجةٍ لتقلل من حمّى احتراقِ
الشاعر والنأي به عن المتاهاتِ التي تنتصبُ أمامه في عالمٍ
تتراءى أمامه دروبُ الفوضى ويوشكُ التغييرُ المتسارع أن
يوقِعَ به في هوّة عدم الاتزان حيث التسارعُ الكبير في
آليةِ تطوّر العالم المتحضّر وسط ركودية العالم الذي يقترن
اسمُه بالثالث كتصوّرٍ تصنيفي وضِع ليكون تصنيفاً يأخذُ
طابعَ التوزيع البشري وفقَ الخارطةِ الإنسانية الحضارية
وطبقاً لطريقةِ الحياة اليومية الذي يعيشها مواطنُ هذا
العالم الذي نُظِر إليه على أنّه يعيش في القاع البشري.
وقد تحرك بهذا الاتجاه من أولى التوجّهات الساعية إلى
التغيير شعراء من مثل ادونيس ويوسف الخال وانسي الحاج
ومحمد الماغوط بعدما نظروا إلى ضرورة التعيير والانتقال
بذائقة المتلقي العربي إلى آفاق جديدة ليست كتلك التي
بقيت واستمرت لقرون طويلة تجتر ذائقتها وتعيش على هيكيلية
بحاجة جوهرية إلى التغيير. ومما يميِّز قصيدة النثر التي
جاء بها الماغوط أنها ولدت متمخضة من أنفاس ومشاعر وتراكيب
شعرية محلية على عكس التي جاء بها أدونيس والخال وأنسي
الحاج الذين كتبوا على غرار وتوجهات قصيدة النثر الغربية.
ومن هنا نجد أن تفاعل المتلقي مع فحوى القصيدة يكون أكثر
وأشد عند الماغوط من الشعراء الآخرين. كما أن النمط السردي
يكون أكثر تجلياً في نصوصه بحيث تنمو حميمية ظاهرة وتعاطف
واضح يتنامى كلما أوغل القاريء في سهوب القصيدة وكلما
دخل منطقة من البوح الذي يغدو أرضاً براحاً وغنّاء:
وكنتُ أحبّكِ يا
ليلى / أكثر من... والشوارع الطويلة / وأتمنى أن أغمس
شفتيك بالنبيذ /
وألتهمك كتفاحة
حمراء على منضدة / ولكنني لا أستطيع أن أتنهد بحرية /
أن أرفرف بكِ
فوق الظلام والحرير..
إنّهم يكرهونني يا حبيبة / ويتسربون إلى قلبي كالأضافر
/ عندما
أريد أن أسهر مع
قصائدي في الحانة.. شعرُكِ الذي ينبض على وسادتي / كشلال
من العصافير / يلهو على وسادات غريبة يخونني يا ليلى /
فلن أشتري له الأمشاط المذهّبة، بعد سامحيني أنا فقير
يا جميلة /
حياتي حبرٌ ومُعلّقات
وليل بلا نجوم / شبابي باردٌ كالوحل / عتيق كالطفولة /
طفولتي يا ليلى.. إلا تذكرينها ؟ كنتُ مهرّجاً / أبيع
البطالة والتثاؤب أمام الدكاكين / ألعب الدحل / وآكل الخبز
في الطريق / وكان أبي لا يحبني كثيراً / يضربني على قفاي
كالجارية / ويشتمني
في السوق / وبين المنازل المتسلخة كأيدي الفقراء / ككل
طفولتي /ضائعاً.. ضائعاً / أشتهي منضدة وسفينة.. لأستريح
/ لأبعثر قلبي طعاماً على الورق الآن.
وإذا كانت قصيدة
النثر عالجت بفحواها ومضمونها الحالات الآنية التي يعيشها
الشاعر لكونها أبنة اللحظة الآنية فإنَّ سعدي يوسف يوظفها
في مضمار آخر إذ يدخلها إلى عالم الاسطرة والتصوف وينقلها
لتصوير الزمان الاندلسي حيث قرطبة والمساجد والنوافذ والقباء
والجياد والصبايا وكل الإكسسوارات التي تشير لزمن تخصّه
شخوصه وأحداثه وأمكنتها اعتماداً على تقنيات قصيدة النثر
لعرض رؤياه مبتعداً عن قصيدة الشعر الحر ما اكسب القيدة
صفة سردية نثرت عطراً جمالياً على النص فاتاحت للقارىء
الاطلاع على توجّه شعري مؤثر:
على بابِ جَيَّان
في قرطبه / رآه الندى يدخل المسجد المتوحِّد، في آخرِ
الليل / كان
الندى خِصلاً في
جبين المسافر، والليل / اغماضة في عيون الجواد، وكانت
نوافذُ /
قرطبة المشرئبة
بالورد تنتظر الخطوةَ الملكية.
ألقت نوافذُ قرطبة
الوردَ.. غطَّت به غبرةَ السفر / المستديمة فوق قباء المسافر
، والتعب /
المَّر في لفتات
الجواد.
وفي لحظتين رأيناه
يخرج من باب مسجدنا / أغلق الباب. سمَّرها دوننا، تحت
إغضاء عينيه /
ثم اعتلى صهوة الفرس
المتمايل بين غضون الصباح / المبكرة الطير، والنسوة المسرعات
/
وكانت ورود المسافر
تهطل.. والنسوة المسرعات / يخبئنها في صدور الصبايا.
ذهبتُ إلى السوق،
كنتُ غريباً به، متعباً، والتجار / يدورون حولي.
يقولون لي : نشتري
منك هذا القميص / وكانوا يمدّون أيديهم نحوه : نشتري منكَ
هذا القميص الملطَّخ.
لكني رايةٌ لبستني
غداة الهزيمة.
زيد الشهيد / كاتب
من العراق