حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مجذوب القرية

تمتد الربوة من مدخل القرية إلى حدود الغابة الكبيرة على اليمين... أرض قاحلة جرداء تذ كرك بالسنوات العجاف القاسية... لا تكاد تلمح فيها إلا

نباتات شوكية أو أعشابا برية أصبحت مرتعا لمختلف أنواع الزواحف و الحشرات، و صخورا ذات نتوءات و تجاويف تتخذ أشكالا غريبة

و مختلفة تظنها نحتا و ما هي بنحت...

ينتصب أعلى الربوة كوخ صغير الحجم مربع الشكل... أكثر ما يميزه مدخنته الصغيرة التي تنفث دخانا قاتم اللون يمتد عاليا ليعانق السماء

قبل أن تذروه الرياح في أيام الشتاء الباردة. يسكن هذا الكوخ مجذوب القرية " عيسى " ذي الأربعين خريفا... لايتذكر أحد متى وفد إلى القرية... و

لا سبب وجوده هناك... كل ما يتداو له سكان القرية أنه أصبح واحدا منهم... تراه يقطع القرية مشيا حينا و هرولة حينا آخرمتكئا على عكازه

الكبيرالذي لا يفارقه أبدا بينما السبحات السبع المعلقة في عنقه تتمايل ذات اليمين و ذات الشمال مرددا كلمات لا يعلم معناها سواه... لا يكاد يستقر

على حال.

يروج وسط أهل القرية أن لعيسى المجذوب كرامات و رؤى... دعاؤه مستجاب و تمائم الورق الصغيرة التي يصنعها تشفي مختلف الأمراض و

تزيل آثار العين.

ذات خريف بارد ـ يتذكر أهل القرية ـ صعد عيسى شجرة تمتد قرب المسجد الصغير و راح يهذي بكلمات غامضة لم يفهم منها إلا أن مصيبة

كبيرة ستلحق بيت الحاج إدريس.. كبير أعيان القرية و رئيس مشيختها... نهره الناس فنزل غاضبا يجري لا يلوي على شيء... عكازه الطويل على

كتفه و السبحات ذات الألوان المختلفة تتمايل في عنقه كما تتمايل أغصان الأشجار في يوم خريفي عاصف... بعدها بأيام لا يتجاوز عددها عدد

أصابع اليد الواحدة تناقل الناس نبأ سقوط الابن الأصغر للحاج إدريس في قاع بئر كان يرمم جنباته المتداعية للسقوط...

انتشلوا المسكين جثة هامدة لا حراك فيها... منذ ذلك اليوم و كل سكان القرية يطلب ود عيسى... عيسى الذي لا يأبه لأحد و لا يهتم لشيء... تراه إذا

أعياه المشي و الجري يركن إلى ضريح الولي الصالح " سيدي عبد السلام" في أقصى مضارب القرية من الجهة المقابلة لكوخه الصغير

فيستسلم لنوم عميق واضعا عكازه أمامه مستقبلا القبلة.

.... ما صدر اليوم من عيسى المجذوب سرى خبره في القرية سريان النار في الهشيم....

وقف عيسى أمام كوخه الصغير... أشعل نارا كبيرة يتوهج لهيبها كالجمر... أحضر كرسيا مهترئا، صعد عليه و شرع يرفع عصاه ملوحا بها اتجاه

القرية.رآه بعض شباب القرية فهرعوا يستطلعون الأمر: عيسى المجذوب يتوعد الناس بقرب الآخرة و يحثهم على الاستعداد لها.

نشر الشباب حديث المجذوب في القرية الصغيرة... بعد صلاة العصر اجتمع الناس في صحن المسجد يتجاذبون أطراف الحديث في لغط و هرج...

-.. مسكين عيسى... لقد جن المسكين. قال أحدهم.

- إنها تخاريفه اليومية... دعكم منه.أردف شاب متعلم

- لايعلم الساعة إلا الله... قال فقيه الجامع في موقف حسم به الأمر.

.... من بين الجموع تسلل الحاج إدريس خلسة إلى منزله، أمر زوجته بجمع بغض الأغراض الضرورية للسفر استعدادا لمغادرة القرية في أقرب

فرصة...

باكرا صباح الغد، كانت السيارة تقل الحاج إدريس و عائلته إلى المدينة، التي تبعد عن القرية بأربع ساعات، حيث يقيم أخوه منذ زمن... اعتاد

زيارته من حين لآخر خصوصا عندما يشتد المرض بزوجته فيبقى عند الأيام ذوات العدد.

لم يعر الناس أدنى اهتمام لمغادرة الحاج إدريس القرية... فقد تعودوا سفره إلى أخيه بالمدينة من حين لآخر... و الكل على علم بمرض

زوجته... لكن ما لفت انتباه الجميع هو عيسى المجذوب... لم يعد له أثر... غاب منذ دلك الحادث الذي أصبح شغل الناس في القرية... بحثوا عنه عند

ضريح " مولاي عبد السلام" حيث ألفوا أن يجدوه مستلقيا بأسماله المهترئة و عكازه الطويل، لكن دون جدوى... قصدوا كوخه الصغير أعلى

الربوة... الباب مفتوح تلعب بها الريح ذات اليمين و ذات الشمال... لاأثر له إطلاقا... كأن الأرض انشقت و ابتلعته.

يوم اختفى عيسى المجذوب لاحظ سكان القرية شيئا غريبا لم يألفوه من قبل... كثرت صياحات الديكة و نباحات الكلاب و نهيق الحمير.ظن السكان

أن مرضا ما قد أصابها... و يا لكثرة الأمراض التي تصيب الحيوانات و حتى الناس في هذه القرية....

قبل أن تصل السيارة التي تقل الحاج إدريس إلى المدينة بقليل، جاء خبر عاجل على مذياع السيارة يخبر بوقوع زلزال كبير كان مركزه إحدى

القرى النائية... شعر الحاج إدريس بقشعريرة سرت في بدنه و هو يسمع الخبر... لاشك أنها قريته... أوصل عائلته إلى بيت أخيه ثم عاد على

الفورالى القرية ليجد جمعا غفيرا من الناس في مدخلها يمنعون الزوار من الدخول... استقصى الأمر فأخبر أنها ركاما في ركام... أتى الزلزال

على كل ما فيها من دور و منازل و بنايات... وكثرت الإصابات و الوفيات... و لم يسلم من الزلزال - على زعم أحدهم - سوى كوخ صغير يوجد

في أعلى الربوة التي تمتد من مدخل القرية إلى حدود الغابة الكبيرة على اليمين.

 

عبد الوحد سحنون / الناظور (المغرب)


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.