حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

قصيدة البداهة التي تشبهنا
قراءة في شعر رياض الصالح الحسين

ما يشبه المقدمة:
تنتمي قصيدة الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين، إلى اتجاه أسميه بشعر البداهة، أي ذاك الشعر الذي ينتمي إلى الحياة اليومية، بكل تفصيلاتها، وحميمياتها، وهي تلك القصيدة التي تتسلّح باللغة الواقعية المعيشة، بعيداً عن الترف البلاغي، والتحصينات المعجمية التي تنتمي إلى عصور خلت، باختصار هي القصيدة التي تعتمد لغة عصرها، دون تغرّب، أو اغتراب، وتحدثنا بما نعيه، فنشعر ببساطتها، وعمقها في آن، دون أن توسم بالابتذال، لذلك نشعر أنها تشبهنا، وتعبر عن ذواتنا، ولاشك أن الشاعر جاك بريفير، هو من أهم مؤسسي هذا النمط الشعري، في الشعر الأروربي عموماً، دون أن ننكر تأثيراته اللاحقة على شعراء العربية، وقد برز شعراء عرب كثيرون، ينتمون إلى هذا الاتجاه، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، أورخان ميسر، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج في بعض نتاجه، ثم سيبدو الاتجاه نحو هذا النمط الكتابي في نهايات السبعينيات، وما تلاها، أكثر وضوحاً واتّساعاً، مع رياض الصالح الحسين، ومنذر المصري، وغيرهما، إلى أن يصبح هذا النمط مرجعية فكرية، وثقافية لكتاب قصيدة النثر تحديداً منذ فترة التسعينيات وحتى الآن.
وتشكّل مرحلة الشاعر رياض الصالح الحسين مع بعض مجايليه (1954-1982)، المرحلة الانتقالية لهذا النمط، لينتقل من ملكية خاصة بالماغوط، تماشياً مع الشائع، إلى أن يصبح اتجاهاً عاماً لشعرية البداهة، والحق أنّ الشاعر الحسين يمكن أن يعد من الناحية الفنية استمراراً للنمط الماغوطي سواء من حيث تقنيات التعبير، أو من حيث البنية الفنية لتشكيل الصورة، ولكنني أزعم أنه يفترق عنه بأمور كثيرة تمنحه خصوصية تميزه عن الماغوط، لعل أهمها، أن شعرية الماغوط تنتمي إلى شعرية الصعلكة الساخطة ذات الضجيج العالي، والتوتر الصاخب الذي يصل في بعض الأحيان إلى التدمير بالمعنى الصاخب والجمالي، في حين أنّ رياض الصالح الحسين ينتمي سخطه على العالم، إلى السخط الهامس الذي لا يثير ضجيجاً، فالشاعر يهمس، ويذهب إلى مناطق الذات الغائرة ليفكر، ويكتب، وربمّا نعمة الهمس والإصغاء في شعر رياض فد جاءته من داء الصمم الذي كان مصاباً به، فولّد ذلك تعاملا خاصاً مع اللغة، ومع البناء الفني ذي النفس القصير، ومن هنا يمكن أن نشير إلى ثلاث نواحٍ يجب أن تراعى عند دراسة هذه التجربة: أولها: أن الشاعر أنتج قصيد الدفعة الواحدة، التي تبلورت واتضحت في مجموعاته الأربع التي أصدرها، مع الإشارة إلى أنّ مجموعته الأخيرة (وعل في الغابة) قد صدرت عن وزارة الثقافة السورية بعد وفاته(صدرت عام 1983)، وهذا يدل على موهبة عالية، ومتوفزة، وربما يدفع ذلك إلى التحسر على وفاة الشاعر قبل الأوان(توفي في عامه الثامن والعشرين)، وربما من مصادفات القدر أنّ المبدعين الذين تولد قصائدهم دفعة واحدة لا يعمرون طويلا، وهذا يذكرنا برامبو، والشابي، وعبد الباسط الصوفي، و(ابن المقفع على اختلاف حرفته)، وغيرهم كثير، وهذه القصيدة، تختلف عن النمط الثاني الذي تتشكل فيه القصيدة على دفعات يتيحها لها الزمن المديد للشاعر، فقصيدة رياض الصالح الحسين تنتمي إلى النمط الفني المكتمل الذي يمكن التوقف عند ملامحه الفنية التي لا تتاح لتجارب عاشت في نفس اللحظة الزمنية (يمكن مقارنة ما أنتجه الشاعر مع مجايليه، ولا سيما شعرهم المنشور في بدايات الثمانينيات للوصول إلى هذه النتيجة).
والناحية الثانية التي يجب أن يلفت الانتباه إليها، هي دراسة هذا النتاج في مرحلة إنتاجه، ليبرز لنا الدور التجديدي لقصيدة الحسين، فقد أنتج هذا الشعر في مرحلة كان الشعر يعوّل فيه على القارئ، ويستمد منه الشرعية، فالمرحلة كان فيها المد القومي في ذروته، فكان لا يزال الشعر يؤدي دوره في شحذ الهمم، وتأجيج العزيمة، والصمود والمواجهة، وهذا ما لم ينج منه الماغوط نفسه الذي اندمج في السياق العام، سواء في كتابه (سأخون وطني) أو في مسرحياته(كأسك يا وطن، وضيعة تشرين، وغربة)، ولذلك لا غرابة أن ينشب خلاف نقدي في تلك الفترة حول شرعية قصيدة النثر، مايزال غباره حتى يوم الناس هذا، وكذلك لا غرابة أنّ تصدر البيانات ضد هذه القصيدة، من شعراء ما زالوا يعيشون بيننا، وأن تكال التهم الكثيرة التي لا تخفى عن المتابع،وربما كان مصدر الاحتجاج الأساسي هو احتفاء هذه القصيدة بتفاصيل الحياة اليومية، في الوقت الذي كان يطلب منها هؤلاء أن تدجج بالصراخ والزعيق السياسي المباشر، ومن هنا عندما قلت أن قصيدة الحسين هي نقطة تحوّل نحو اتجاه شعر البداهة، كنت أريد هذه الناحية الفنية المقاومة لذاك النمط الإلغائي، والبحث عن شعرية النص بعيداً عن الضجيج الذي واجهه الشاعر بصمم جميل.
والناحية الثالثة التي تجدر الإشارة إليها، هي تأثير هذا النمط وهذه التجربة على تجارب شعرية كثيرة نهلت منها، وحاولت استنساخها، وغالباً لم تنجح، إذ وقعت في مطب التكرار والاستنساخ، باستثناء من رحم ربك، والشعر هو في كل الأحوال إبداع استثنائي، ولكن تأثيراتها في تعزيز شعر البداهة، والتنظير لأهميته في المنتج الشعري مازال ساري المفعول.
ملامح التجربة الفنية:
وهنا سنتوقف عند الملامح الفنية من خلال المجموعة الأخيرة الصادرة للشاعر، وهي مجموعة (وعل في الغابة).
تتوزع المجموعة على خمسة أقسام، هي: القسم الأول (قصائد)، وفيها يحتفي الشاعر بالمكان(الغرفة).والقسم الثاني (رغبات)، والثالث( مفارقات)، وفي هذين القسمين يبرز احتفاء الشاعر بالجزئي واليومي، وعلاقة الشاعر بالأشياء والكون، وعلاقته بذاته، ونسمع هنا همس الذات، وفي القسم الرابع (قصائد عن الموتى) ستبرز مقولة الموت التي يبدو أنها هنا ستشكّل هاجساً خفياً للشاعر، وفي القسم الأخير المعنون ب(حب) سنلمح حديثاً عن الأنوثة مختلفاً، وهنا لا بدّ من تسجيل ملاحظة هي في غاية الأهمية، وتتمثل في غياب الأنوثة عن هذه المجموعة، فإذا استثنينا القسم الأخير الذي نلمح في احتفاء غير مباشر ومختلف بالأنوثة، فإن الأنوثة كمقولة وكتقنية تعبيرية ستغيب تماماً عن بقية أقسام المجموعة.
أما التقنيات الفنية المعتمدة في المجموعة فهي تقنيات قصيدة النثر ذاتها التي نجدها عند الماغوط، التي تقوم على تقنية التكرار المعجمي للمفردة التي تصبح مركز الدلالة، الذي تشع منه تفرعاتها، كما نجد في قوله في قصيدة (عتمة):
// أشعل سيجارة للصديق/ أشعل القلب البارد/ أشعل الضوء ليمرّ الثوار/ أشعل النار في التماثيل/ أشعل شمعة من أجل المسيح/ لا تطفيء حياتك//
فالفعل (أشعل) تحوّل إلى نواة دلالية تتفرع عنها الدلالات الكثيرة الدالة على تضحية في سبيل الآخرين، ولكن النهاية تكون بلفت الانتباه إلى الذات، والفكرة ذاتها قد بنى عليها محمود درويش قصيدته( فكّر بغيرك) من مجموعته كزهر اللوز أو أبعد.
وقد يعتمد الشاعر على تكرار عبارة كاملة تشكل مفتاحاً أو لازمة دلالية، يعود إليها للانطلاق إلى دلالات جديدة، كما نجد في قصيدة (الذئب)، التي تقوم فنياً على تكرار عبارة(الذئب الذي افترسني) لتوليد دلالتين متناقضتين يقوم النص عليهما هما (الذئب/ المفترس، الذئب/ الشاعر)
وقد يكرر الشاعر بنية نحوية متشابه مع إردافها بوحدات معجمية مختلفة في سبيل الاحتفاء بالمتضادات والنقائض، وهذا ما نلمحه في تكرار صيغة (أريد أن أذهب إلى القرية) في قصيدة (رغبات)، هذه الصيغة المؤلفة من (فعل مضارع + حرف ناصب + جار ومجرور) إذ سيشكل تكرار هذه البنية إيقاعية عالية في النص تتناسب مع حالة التوهان التي يعبر الشاعر عنها، فنلمح تكرار صيغ مثل (أريد أن أعود إلى المدينة) و (أريد أن أغتسل في النهر)و (أريد أن ابني غرفة)...، وترد هذه البنى في سياق حوار المتضادات في الذات، فالذهاب إلى القرية بكل ما يحمله من عودة إلى البداءات، متناقض مع العودة إلى المدينة بكل ما تحمله من صخب، وعلى ذلك يبني بقية المقاطع، ومنها قوله:
//أريد أن أضع بحراً/ في الزنزانة/ أريد أن أسرق الزنازين وألقيها في البحر/...أريد أن أملك مسدساً/ لأطلق النار على الذئاب/ أريد أن أكون ذئباً/ لأفترس من يطلقون النار...//
ويعتمد الشاعر في بناء نصه على التعداد التفريعي المعتمد على النعت في تصعيد الدلالة، كما نجد في نص(مقاطع) الذي يقول فيه:
//من أكاذيب الكلام/ من أكاذيب الروائح/ من أكاذيب الأصوات/ من أكاذيب العالم/ الكذبة الوحيدة التي تستحق التصديق/ هي الحب/ في حصار الماضي/ في حصار الحاضر/في حصار المستقبل/ لا منفذ للحياة/ سوى الحياة/ الكلمة الجميلة/ الكلمة اليائسة/ الكلمة الحزينة/ الكلمة المرحة/ الكلمة العاشقة/ الكلمة البسيطة/ الكلمة الحية/ كلها تنتفض في قاع صمتي//
فالتعداد التفريعي للفظة (الكلمة) وتنويع النعوت الواقع عليها، ثم صدمة النهاية المتمثلة في انتفاض هذه الكلمات في قاع الذات الشاعرة بكل ما تحمله كلمة القاع من دلالة على العمق، كل ذلك هو ما سيمنح النص شعرية عالية تحمله، والحقيقة أن قصيدة البداهة تعتمد كثيراً على هذه التقنيات إن لم نقل إن شعريتها أساساً قائمة على هذا التلاعب اللطيف بالمفردات،مع وجود الحرفية العالية في تحسس هذا النوع من البناء الفني، وهذه تحديداً ما تحمي النص من الوقوع في داء البرود والمباشرة.
ويلفت الانتباه في تجربة الشاعر صالح الحسين، أنها تجربة تنتمي،غالبا، إلى ما يسمى بقصيدة الومضة، فالشاعر ميال غالباً إلى التكثيف، والاقتصاد في اللفظ، لذلك قلما تجد هدراً لغوياً في نصه، وهذا النمط من القصائد، أي النمط الوامض هو نمط يعتمد على الفكرة الواحدة، والدفقة الشعورية الواحدة، وبذلك فهو نمط محكم،لا يعتمد التطويل، ويقوم على التكثيف، وهذا ما نلاحظه في قصيدة (عتمة) المذكورة أنفاً، وهو ما يمكن أن نلحظه في أغلب نتاج الشاعر، ومنه قوله في قصيدة (الراية):
//انظروا إليه/ انظروا إليه فقط/ لقد تفسخ جسده/ منذ زمن بعيد/ ومازال يحمل راية الحرية//
وقد تقوم الومضة عند الشاعر الحسين على اللقطة الطريفة،التي نراها يوميا ولا نلتفت إليها، والتي نعيشها دون أن نشعر بها،أو تلفت انتباهنا، فيأتي الشاعر بذكائه، ليلتقط ذاك الجانب المهمل ويعيد صياغته، فيلفت انتباهنا إليه، كما نجد في قصيدة (روتين) التي يقول فيها:
// القهوة مع الحليب في الصباح/ قبلة الزوجة السريعة/ الطريق إلى العمل/ الطريق إلى البيت/ الطريق إلى السرير/ ومن ثم../ القهوة مع الحليب في الصباح/ إنه حيّ تماماً المسه ولا تخف/ فالموتى لا يخيفون//
فبطرافة فنية ينقل روتين الحياة من الواقع ليصوره في القصيدة، عبر اختيار تفصيلات الحياة المكرّرة التي ستجعل من الحياة موتاً بطريقة ما إذا اعتراها الروتين وسيطر عليها.
وقد تقوم القصيدة الوامضة على النزعة الساخرة، التي تحقق المفارقة من خلال الثنائيات، كما نلحظ في قصيدة بلادنا الجميلة التي يقول فيها:
//الحياة حلوة/ يقول العصفور/ ويرتمي ميتاً قرب حذاء الصياد/ الحياة حلوة/ تقول الوردة/ وترتمي ميتة في يد الولد الوسيم/ الحياة حلوة/ يقول/ ويطلق على رأسه النار/ الحياة قبيحة، كريهة، فاسدة، شريرة/ يقول الطاغية/ ويقضم قطعة من البسكويت//
فالبساطة في الكلمات، لا تمنع من تشكيل دلالات عميقة، عن طريقة المفارقة التي يقدمها النص بين ثنائيات (الحياة حلوة/ الحياة قبيحة)، والمفارقة الحاصلة تأتي من جمالية الحياة في عين الضحية، في مقابل قبح الحياة في عين الجلاد، فمن سخرية القدر أن ترى الضحية الذاهبة للموت (العصفور، الوردة (كدلالة على الجمال)، ضمير الغائب في يقول (كدلالة على الإنسان)، والعلاقة القائمة على موت الضحية دائماً هي علاقة ستجعل من الجلاد المسترخي، يرى الحياة، قبيحة، يحكمها رتم واحد وروتين واحد. وفي هذا انحياز من الشاعر للحياة، ودفاع عن قيم الحرية، وهذه الدلالة سنجدها في نصوص كثيرة عند الشاعر، ومنها نص (بلادنا الجميلة) التي يقول فيها:
// ثمرة ثمرة/ تقطفين أيامي/ يا بلادي الجميلة/ فأستمع:/ لا أحد يغني/ سوى الساطور//
وقد يعبر الشاعر عن هذه المقولة ملتفة بحالة من الضياع، المعبر عنه بتساؤل العارف الخبير الذي يظهر عدم المعرفة احتجاجاً على الواقع غير المرضي كما نلحظ في قوله في نص (فصول):
// الصيف سينتهي/ الربيع انتهى/ الخريف سيأتي/ والشتاء مازال بعيداً/ في أي فصل نحن؟//
ثنائية الموت/الحب:
يحتفي الشاعر رياض في مجموعته المدروسة بمقولات عدة، أهمها، إضافة إلى الاحتفاء باليومي، مقولتا الموت و الحب، والشاعر يتعامل مع هاتين المقولتين بطريقة خاصة، فتعامله مع الموت لا يخلو من درامية مفرطة، وطريفة، فالموت لديه يولّد الحنين إلى الحياة، ويظهر مفارقة الموت الذي يصيب أولئك الذين لا ينتظروه، فيغتالهم بغتة، بطريقة مجانية وهذه الدلالة نلحظها في قصيدة (كم هي لذيذة) التي يقول فيها على لسان الأموات:
// الموتى الذين ماتوا/ في الحروب والأوبئة/ في السجون والطرقات/ الموتى الذين ماتوا/ بالخنجر والرصاص والديناميت/ بالفأس وحبل المشنقة/ الموتى الجميلون/ ذوو الأسنان البالية/ والوجوه الناتئة/ تذكروا وهم في قبورهم/ ضوء القمر وخضرة المراعي/ تذكروا أنهم لم يعيشوا كما ينبغي/ لم ينتبهوا إلى الأصوات والألوان/ تذكروا:/ كم قبلة أضاعوا/ كم ضوءاً أغمضوا عيونهم كيلا يروه/ كم زهرة لم يزرعوا/ كم كلمة طيبة لم يقولوها/ الموتى عرفوا/ ربما للمرة الأخيرة/ كم هي لذيذة حياة الأحياء//
فالمفارقة في اكتشاف جماليات الحياة جاءت بعد فوات الأوان، وكأنّ الشاعر بذلك يذكّر الأحياء بتلك الجماليات، ويدعوهم إليها، فخطاب الأموات هو وسيلة مخاتلة لخطاب الأحياء؟
وخطاب الموت عند الشاعر هو دائماً خطاب الميت، وتصوير لذاته في علاقتها مع الموت وهذا ما يكسب هذا النمط من الخطاب طرافة وخصوصية، متأتية من كون خطاب الميت هو خطاب حنين إلى الحياة، يقول في قصيدة (الخنجر):
// الرجل مات/ الخنجر في القلب/ والابتسامة بين الشفتين/ الرجل مات/ الرجل يتنزه في قبره/ ينظر إلى الأعلى/ ينظر إلى الأسفل/ ينظر حوله/ لاشيء سوى التراب/لاشيء سوى القبضة اللامعة/ الخنجر في صدره/ يبتسم الرجل الميت/ ويربت على قبضة الخنجر/الخنجر صديقه الوحيد/ الخنجر/ ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى//
ولا تخفى أهمية القص والسرد في تصعيد درامية النص، وتعزيز التشويق الذي يقفل بجملة النهاية،وهذه من التقنيات الأثيرة لدى الشاعر.
أما مقولة الحب التي يخصص لها الشاعر القسم الأخير من مجموعته، فقد أشرنا إلى غياب المرأة/ الأنوثة في نص الشاعر، وهذه من الحالات النادرة في الشعر العربي،إذ لا ترد الأنوثة إلا في القسم المعنون ب(حب)، ووردها فيه هو ورود، غالباً، تقليدي، مع خصوصية أحياناً على صعيد الاحتفاء الطقسي بالأنثى، فمن الحضور التقليدي الذي يذكرنا بنزار قباني، نقرأ:
// أنا الهواء في رئتيك/ والأزرار في قميصك/ أينما كنت ستجدينني/ براحتي الدافئتين/ وقامتي القصيرة/ أنتظرك في العمل/ أنتظرك فوق السرير/واثقاً بأنك ستأتين...//
فحضور الأنوثة في هذا النص وأمثاله هو حضور تقليدي، دون أن ننكر بروز بعض الصور القليلة في ثنايا هذا النصوص، كما نلحظ في قوله:// أتدحرج مع الماء على وجهك//
أما الحضور الطقسي للأنثى على قلته في المجموعة فيعيد الشاعر إلى تألقه، وهذا ما نلحظه في قصائد، (يدك) و(مشاهد يومية) و(دائما)، ومن الصور المتألقة في هذه القصائد نقرأ:
// تطيرين كفراشة/ وتتبددين كعطر//
// تعالي/ لنلغم/ صقيع العالم/ بديناميت القبلات//
// شعرك الذي كقطيع من الماعز/ يرعى في برية القلب//
بقي أن نشير إلى اعتماد الشاعر كاف التشبيه بكثرة في تشكيل صوره، وهي ميزة وسمت الصورة في شعر الماغوط كاملا، ويبدو أن تأثيراتها ستبقى إلى زمن ليس بقليل.
ما يشبه الخاتمة:
أخيراً لابد من الإشارة إلى القصور النقدي الكبير في دراسة جيل الثمانينيات، وما تلاه، ولاسيما النقد الأكاديمي،إذ اقتصرت دراسة الأدب الحديث عند بعض معلمي الصبيان (العبارة للجاحظ) في جامعاتنا على رواد الحداثة فقط، ولم تغادرها حتى الآن وكأنّ الحداثة قد توقفت عندهم، وهذا ما يعني أنّنا نعيش كلاسيكية نقدية جديدة، استبدلت الجلباب بالبنطال فقط، ومن هنا لا غرابة أن لا يسمع طلابنا بشعراء كبار كثر ومنهم رياض الصالح الحسين؟؟؟ ربما سيخفف من هذا القصور، أن تقوم وزارة الثقافة السورية بإعادة طباعة الأعمال الكاملة للشاعر، وبذلك تسهم في ردم الفجوة في ذاكرتنا المثقوبة؟؟؟

 

د. هايل محمد الطالب -
hael73@yahoo.com


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.