حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"قطارات بولاق الدكرور"

لسيف الرّحبي: عندما يحتفي متخيّل القصيدة بخرائب الكائن والمكان

1.
يمثّل سيف الرحبي من أبرز الشعراء العُمّانيين والعرب ممّن انزاحوا إلى قول المختلف وغير المجمع عليه شعريّاً داخل القصيدة العربيّة الحديثة، وهو الّذي ما فتئ يرسّخ، منذ عقدين ونيّف، تجربةً شعريّة ذات أضلاعٍ بلّورية يستحيل اختزالها إلى ثنائيات ومتواليات محدودة،ويبقى قطاعاً منها معتماً خارج التصنيف لأنّها تنتسب، شأن تجارب أخرى،إلى مستقبلها،ويشغل كاتبها، بالدرجة الأولى، رؤيا تتوق إلى اكتشاف المجهول عبر لغةٍ تستأنف مجهول المعنى.
ويأتي كتابه الشّعري الجديد \"قطارات بولاق الدكرور\" في سياق هذه التّجربة الحيّة والمتحرّكة وهو يجسّد وعيها بالعمل الشّعري على طرفي الإتّصال ــ الإنفصال، من حيث إنّه يواصل ترسيخ المشروع الجماليّ والكتابيّ للشّاعر الّذي لا يكلّ من السّير فيه ومواجهته من جهة،ويعمل، من جهة تالية، على القطع مع بعض المفردات الّتي تهدّد بأن تتكلّس في \"معتقد جماليّ\" يضع المشروع أمام مآزقه.
في نصوصه الثّلاثة والأربعين ،المتأرجحة بين القصيدة الطويلة المقطعيّة والقصيدة اللّقطة، يسافر ديوان سيف الرّحبي فيي الأشواق، والمشاهدات،والمراثي سواء مراثي الأحبة أوْ مراثي أمّة على حافة الإنقراض\"، والبورتريهات، والعزاءات، والرسائل ممتحّاً إشراقاتها من ذاكرة المكان، ومن متون الشعر والتّاريخ والأسطورة والخرافة والواقع المعاصر، وهو ما يتيح،في نهاية المطاف، إمكاناتٍ هائلة تجعل التّخييل الذّاتي يقارب محتمله في سيرورةٍ من بحث المعنى لا تنتهي.

2.
ترسم القصيدة الإفتتاحيّة \"عواء الذّئب\"، في زعمي،أفق الدّيوان، وتوجّه كثيراً من مستحقّات السّفر في متخيّلها وعبره بين المكان والزّمان، الوجود والعدم، الذّاكرة والمعيش،الصّحراء والبحر، النّفق والشّرفة من غير أن يعني ذلك ارتهانه ب\"تقاطب ثنائيّ\"، بل يتعدّاه إلى احتضان العالم في أشيائه المتحرّكة المسكونة بمعرفة الشّعر واقترابه:
الذئب الناعسُ على السفوح الملتهبة
يفتح عيناً كي يرى العالم الدامي
فيغلقها ليدخل فردوس أحلامه وبهاء رؤاه.
في القصيدة من احتجاجها بعضُ \"عواء\" ألن غنسبرغ، ومن اختلاجها بعْضُ \"ذئب\" قاسم حداد،يدمغهما سيف الرّحبي برؤيته الشّعرية إليها فيسحب على \"عواء ذئب\"ه مسحة شفيفة من العزلة والكبرياء والتّيه وهو ينادي على الأعالي وفي الأعماق بكثير من الحبّ والرّغبة والسّؤال الشّهواني:
على رِسْلِك يا ذئب أعماقي
يا تيه القطا
ويا جناح المسافة
شقيق أحشاءٍ بعثرتها الريحُ
فالتأمتْ في صرخة وديانك الحصينة
تتناسل مفردات القصيدة، وتتشعّب فيما يلي من القصائد حيث يتّخذ الشاعر من الذّئب\"النّاعس\"و\"الرّائي\"و\"الرّاكض\" ذريعةً، وقناعاً،ورمزاً إستعاريّاً يتأمّل من خلال ترحاله الأشياء والموجودات، ويرتفع بها إلى مرتبة الميتافيزيقي الّذي لا يبرح الأرضي، عبر رؤيةٍ وجوديّة وقياميّة ترثي في عبورها الفجائعي وجوه الذّاكرة وصورها الأليفة،وتقارب حالات الخراب التي ترهن شرط الذّات الإنساني.لهذا تحتشد في نصوص القصائد عشرات المشاهد والأمكنة واللّحظات والأسماء والشّخوص التي يستقيها الشّاعر من سيرته في الحياة والكتابة، ويعالج أوضاع تشظّيها مُعيداً تشكيلها، وأنسنتها، التّفكير فيها وابتعاثها شعريّاً داخل متخيّل موسوم بقلقه وضجره وألمه حيناً، وبتهكّمه ومفارقته السّاخرة حيناً آخر، وبانحيازه إلى الغناء الّذي لا يعدم شفافيته رغم بعده الدرامي حيناً ثالثاً.هكذا يعبر بنا \"كمن فقد ضالّته التي ضاعت إلى الأبد\"(ص.96).
عبر هذا المتخيّل الملتبس،المتعدّد والمثخن بجراحاته وأسئلته القلقة يحوز العمل الشّعري طاقاته وإمكاناته الهائلة في توليد الصّور والمجازات، وإنتاج الدّلالية في مسار يجذّر انقطاعاته و مكابداته للمعنى كوْنُ الذّات الرّؤيوي، بدون أن يستنفد قدرته على تفجير تداعيات الذّاكرة، وتجريدها من علاقاتها الحسّية وزوائدها الإعتيادية مّدمجاً إيّاها في حيوات من الروائح والأصوات والألوان جديدة تنتهي في بعض إحالاتها إلى حدّ التّراسل و التشويش.
المطر الذي يهطل طوال الليل
يذكرني بأنينك المحتدم على السرير
رائحته التي تخضّب الحقول الغائرة
في الذاكرة
وأقواسه المتدفقة من قرب لا مرئية
قرب سماء مفتوحة على ملائكتها
وهي تطير بأجنحة خضراء
كما في رسوم عصر النهضة. (قصيدة \"مطر\"، ص.33)
نفهم، فيما بعد، أنّ جزءاً مهمّاً من مادّة المتخيّل يتغذّى على شرط الشّاعر، وطقوس عيشه وحاجاته، وأسفاره التي لا تهدأ،وعبوره الهامس بين الأمكنة رهن امّحائها المتحرّك:
\"البيوت الّتي هجرتها
طفْلاً
تعود إليها كهلاً
تصغي في ردهاتها
إلى نحيب الآباء والأمّهات (...)
أنت الوحيد الغائب عنْها إلى الأبد\". ( قصيدة\"مشاهد بحرية\"،ص.128).

3.
إنّ قطاعاً لافتاً من عمل الذّات في سيرورة الدّيوان يتشكّل داخل ذاكرة المكان التي تكشف لنا عن كثيراً من تجربتها الحسّية، سواء في علاقتها بنفسها، بالآخر وبالعالم.وبما أنّ مكان/أمكنة الدّيوان تعبّر، في انْبنائها، عن أوجه الحراك المتفاعل، والتّململ الجوّاني الذي يتمّ بين ذات الشّاعر وعالم الأشياء والموجودات فإنّها تخرج عن تاريخها الكرونولوجيّ القارّ لتدخل في تواريخ جديدة ومتحرّكة، وتتداخل مع كائناتٍ أخرى مادّية وروحيّة، متوافقة ومتناقضة معها تتمّ في المتخيّل الّذي يعيد صوّغها، ويعمل على شعرنتها فتتخلّص، نتيجة ذلك،من زوائدها وعوالقها، وتتورّط في في تكوينات غامضة ومركّبة: الروغ، سمائل،جبرين، إشبيلية، الدارالبيضاء، دمشق،القامشلي، القاهرة وحيّها الشعبي بولاق الدّكرور عدا عشرات الإحالات الموحية من الذّات والطبيعة والعالم.
كما في أعماله الشّعرية السّابقة، لا مكان أكثر تعبيراً وتبئيراً في ديوان سيف الرّحبي من الصّحراء بوصفها بؤرةً تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة العابرة والمعبور منها وإليها،ومحرقيّةً لافتة من سيرة الذّات وذاكرتها التي تكشف الإرتباط الوجْداني والرّوحي الناشئ بينها وبين الشّاعر، بلا هدنةٍ وانقطاع.
تبدو الصّحراء، هنا، عنصراً عضويّاً في كيان الشّاعر الجسدي وتجربته الرّوحية والشّعرية، وهو يقاربها ويستنطق مفرداتها الصّارخة وجوديّاً وروحيّاً، ويدفع بها إلى تخوم ثانية، غير مألوفة.لأنّها تتمّ في الشّعر وعبره:
ومن النّافذة نفسها
يمكن للشّاعر ووحيد القرن
أنْ يحدّقا في الصّحراء المترامية
ويرقبا قطعان الجمال تبتلعها الرّمال
حتّى تسود السّكينة الحبلى من جديد. \" (قصيدة\"وحيد القرن\"،ص.61).
هذا الإيحاء الصّارخ بفضاء الصّحراء ينشأ عن متخيّل الإستشراف الّذي يستأنف معنى قيم الحياة، وينثر متتالياته الطّافحة بالصّور الواقعيّة والأسطوريّة عبر موشورٍ إستعاريٍّ ورمزيّ وصوفيّ في نصوص\"كان يا ما كان\" (ص.14)، و\"فارس من العصر الجاهليّ ينتحب على ظهر حصان\" (ص.19)، و\"على مشارف الفجر\" (ص.50).وإن كان يزحف على أمكنتها ومسالكها اليباس والخوف والضّياع والنّسيان، وتزنّرها الحرب والأوجاع والأوبئة فإنّ المتخيّل يغزوها بالماء، من ماء البحر إلى ماء الحبّ 2).
في هذه النّصوص وغيرها،غالباً ما يقترن البحر بفضاء الصّحراء لدلالاتٍ شعوريّة ولاشعوريّة يرفدها سيف الرّحبي من ثقافته المكينة بالمكان،ومن وعيٍ حادّ بإرثها الّتي تشذّره الذّاكرة في تداعياتها وتكويناتها الغامضة.ولا يعمل، هنا، التّناقض الظّاهر بينهما إلّا على الإيحاء بمعاني التحوّل الشبيهة بنهر هيروقليطس في بهجته الأبديّة،كمافي قصيدته اللّافتة «على حد الصيف: عن البراكين والموتى والحيوانات» (ص.79) التي تنهي إيقاع خطابها الضّاجّ بالحياة وتفاصيلها اليوميّة المتناقضة برؤية عبثيّة:
«هكذا يتابع العبث دورته متناسلاً
على شكل بشر وأنهار، صحارى وحيوانات».(ص.95).
كما في قصيدة \"مشاهد بحرية\" (ص.117) يستأنف المتخيّل، غبّ هذه الدّورة المرهقة من العبث وأخلاطه، مسافة تأمّله الإنسانيّ الشّامل باستئناف مجهول المعنى وغيابه،محتفياً بخرائب الزّمان والمكان،ومؤنساً للكائنات التي فقدت ضالّتها في تيهها المرتهن بغياب البوصلة. هكذا يصير البحث نفسه الغاية الّتي يعوّل مشروع القصيدة المعرفيّ والجماليّ في النهوض من ركام الخرائب واستئناف طقوس العيش،فيما هي تدفع بالمتخيّل إلى أقصاه،والذّات إلى أقصاها في طريق ذلك:
لقد توارت الشّمس المرهقة للأعصاب
وعليّ أن أفكر أنها غابت إلى الأبد
كي أعيش سلام هذه اللحظة
زارعاً في تخومها عشبة الحياة
والحبّ بعينيه الدامعتين مطلاً
من بين أكمات الأشجار(قصيدة\"حديقة\" ص.43)
كما يستغرق ماءُ الحبّ ،بنداواته وروائحه العطرة، ضلعاً وازناً في بلّور المتخيّل عندما يحيي \"الحقول الغائرة في الذّاكرة\"، ويصير جسد المرأة \"حقل زهورٍ\" وسرّتها الدّافئة \"مركز جذبٍ وأشْواق\" للشّاعر نحو\"عالم الضّفاف السّفلية\"،لأنّ لا شيء أحفز له على استئناف الحياة من الحبّ بمعناه الّذي يفيد دلالات الخصب والولادة:
تتأوّهين
كأنّ بك مسّاً منْ برْق وجنون
حين لامسَكِ الهدهد،
وقبل أن يتيه في غوْرك العميق
أشرقت بالبكاء
كما الأرض العطشى
الموغلة في الحدب
حين يرويها المطر
ينشقّ من رحمها خيطُ بركان\"(قصيدة\"كمن فقد الّته التي ضاعت منذ الأزل\" ص.96)

4.
لا يهتدي الشّاعر سيف الرّحبي إلى تشكيل دلالات وأطياف متخيّله الشّعري المثخن بجراحاته وتكويناته التّجريديّة الغامضة،وتوصيله إلى القارئ إلّا بأسلوبه الشّخصي الّذي يسم خطابه بالبساطة والعمق. وخلف الشّكل هناك جهد إبداعيّ لافت يبذله الرّحبي لتمتلك قصيدته دلاليّتها،أي كلّ القيم الخاصة التي تميّز خطابه، وخطابه النّوعيّ والمفرد فحسب.
بدءاً من استعمال لغته الّذي يمنح كلمات قصيدته طاقاتها الدّالة التي تنحو الى التّكثيف واختصار أغلب زوائد الفكرة، والإنتقال بين ضمائر المتكلم والمخاطب، ثم المزاوجة بين السّرد والوصف والمونولوغ بوصفها صيغاً وتنويعاتٍ أسلوبيّة تستدعي الخبر والتّاريخ والأسطورة، وتفتح القصيدة على تعدّد الأصوات والشّهادات، واعتماد أسلوب اللقطة الشعرية الّذي يركّز على تفاصيل من الهامش والمنسيّ اليومي الّذي يرفع من منسوبيّة الحدث الشعريّ العامّ، إلى الإيقاع الذي يتخلّق من مكانٍ آخر يعمل على بنينة التكرار والتشذير والتّفضية المحايثة للدّلاليّة في مسار إنتاج المعنى وتنظيمه داخل الخطاب لا يتوانى الشّاعر في أن يمنح نصوص الدّيوان قراءة وجودية وروحيّة معبّأة بإرْثٍ معرفيّ يرتقي بتجربته الشّعرية من ركام الخرائب إلى أوج اللّحظة الرّاهنة من سؤال الذّات.
لا شكّ أنّ قارئ \"قطارات بولاق الدكرور\" يكتشف جانباً كئيباً ويائساً،لكنّ سيف الرّحبي، شأن شعراء الأرض الكبار، لا يخدع لمّا يطلب منه تغيير العالم، لأنّ قصيدته وهي تتّهم ،وتحتفي بخرائب الزّمان والمكان إنّما تتوجّه إلى المستقبل.

هامش:
1. سيف الرحبي \"قطارات بولاق الدكرور\" (عن \"منشورات الجمل\"، كولونيا /ألمانياــ بغداد، ط2007.1 )
2. كما يشير إلى ذلك مفيد نجم في «أرض الأبدية – قراءة في تجربة الشاعر سيف الرحبي» (دار الجمل، 2007) عندما يؤكّد أنّ الصحراء لدى الشاعر سيف الرحبي تأخذ معنى التحول والتغير كمثل المعنى الذّي يوحي به البحر.
وفي عمله الموالي «سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الإعصار» (دار النهضة، بيروت، 2007) يقول أيضاً: «أنتم يا من تحتلون كل شيء/ على هذه الأرض المحتشدة/ بالذهب والرغبات/ نصبتم أعلامكم الحمقاء/ على كل تلة ومدينة/ فوق كل بحر أو صحراء».

 

عبداللطيف الوراري / شاعر وناقد من المغرب -
el_ouarari@yahoo.fr


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.