حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

غزة والبحر

في مدينة غزة تحس أنك في تعيش في مكانين في آن واحد، حيث أنها تقع بين قارتين الآسيوية و الأفريقية، ووقوعها على شاطئ البحر الأبيض المتوسط يعطيها سحرًا، ومذاقا خاصًا.
خُلق التمرد في هذه المدينة، وهنا فقط، ثم انتقل إلى العالم، وصلف وتشدد الطبيعة يجعلك تدرك مالا يمكن إدراكه بالتنظير، فالطبيعة لا تفصح عن نفسها فحسب، بل عن كائناتها. هناك التناقض العميق، بين الهادئ والصاخب، والصامت واللاهج، بين المحكي و المسكوت عنه، هو من يمدها بجذوة التمرد الذي كان غير معلن لما قبل الانتفاضة، مع أنه كاد أن يكون مرئياً. بلدة مسكونة بالاحتدام والصراع، أضفت طبيعتها على سكانها رائحة تمشي قادمة ومعها الموت. عالم متخم بالرعد، والاهتزاز، يتشبث بهويته، فهو لا يعرف إلا لوناً واحداً، وجسداً واحداً، وكأن البشر في هذه البقعة قطعة نسجت من مادة. في هذه المدينة أرحام النساء تتفجر عناقيد أطفال، فالنساء هنا أكثر نساء الأرض خصوبة، ولعل الطبيعة حبتهن هذه الصفة لتحفظ هذا الشعب من الفناء.
سحر الطفولة
للطفولة سحرها الخاص، ورائحتها التي تبعث فيك الحياة من جديد كلما أعدت شريط الذكريات. ولجدتي النصيب الأكبر فيها. ثوبها الأسود المطرز،شالها الأبيض، زنارها المعقود حول خصرها النحيل، خصلات شعرها التي تلامس جنبيها، تجاعيد وجهها التي تحمل كل كسرة فيه نكسات السنين الغابرة، فرنها الطيني الذي نتحلق حوله في الشتاء، أرغفتها الشهية التي تنبعث منها رائحة الحب. قهوتها الصباحية، ونساء الحارة يلتففن حول موقدها يتلذذن بطعم القهوة الساخن وأنا متشبثة بثوبها أشتم رائحة الأرض فيه ، بيارتها التي يكسوها اللون الأخضر، أشجار التين والزيتون التي حفرت على جذوعها مولد أمي، كرم العنب الذي يحتضن سقف بيتها ليتدلى منه عناقيد تضيء لليل ظلمته. هنا أوصتني جدتي: لا تخف، كن صلباً، أنت للحق جندي. ودثرتني بدموعها، وخفق قلبي، وأحسست ببرودة قدميها العاريتين، مكثت غير قادر على البكاء. انتظريني جدتي. سآتي، لأمضي معك.
غزة والبحر
صورة الليل والنهار سواء، عبر الفضاء الخالي من الناس في ليالي (حظر التجوال) الذي تفرضه آلة العدو. لا ترى غير أموج البحر التي لا تكف عن الحركة، متحدية هذا الحظر، وكأنها تثأر لحال قاطنيها. لا سفن ولا أشرعة. يخلو الشاطئ إلا من مستعمرات لشقراوات كشفن عن أجساد غضة، وافترشن الرمال الصفراء ينشدن أشعة الشمس علها تكسو أجسادهن بالون البرونزي،كان البحر يزفر زبداً أسوداً، وهن يضحكن منه، فالشاطئ ملك لهن، ولهن فقط.
أصبح الشاطئ مهجور، ورياح باردة تهب عليه،تضرب الأمواج برمتها مذعنة لنبرات الأرض. عند التقاء البحر باليابسة تجد أكوام الهموم متناثرة، كلٌ يحمل قصة صراع. أي غضب ينهمر على هذه المدينة.
للمكان سطوة على الكائن
لا ينام أطفال هذه المدينة الساحلية حتى يسمعون صوت القنابل المدوي وكأنه نذيراً ينبأهم بموعد النوم
وتهدهد أجسامهم الصغيرة دكات الدبابات التي تجوب الشوارع الخالية.
تجد البشر هنا بركاناً يغلي، لا يحتاج من يثيره، فهو مثار مسبقاً، لمس هذه الكائنات هنا أصعب من لمسة الحجر. في الساعات القليلة التي يسمح فيها للمدينة بالتجوال، ترى التزاحم على أشده، والعيون مملوءة برغبة الانتقام من الوقت. ليست لديهم قبة تقيهم شر القنابل المسيلة للدموع المنهمرة من السماء. في ساحة غزة تسمع أصوات الباعة المتجولين مختلطاً، ولا تعرف من أين بُعثوا في هذه اللحظات القليلة. على حافة الطريق تلاصقك أكوام لإطارات عربات محروقة، وحفر متعاقبة بانتظام تحفر في نفسك ذكريات غريبة، والطرق المغلقة ب (متاريس) صهيونية كتب عليها (ممنوع الدخول) بالعربية والعبرية، وبطون الشوارع المبقورة، والتي تتهاوى فيها العربات فلا تكاد تخرج منها. وهؤلاء الصبية المتسابقون يهرولون إلى الموت باهتمام بالغ مالئين أكياسهم بالحجارة، اجتمعوا في لحظة، فلا تعرف أي رسائل أو لغة يملكونها فيعرفون أين من يريدون؟. أو ربما الإحساس الفطري لديهم هو الذي يوجههم
في هذا المكان تحس أنك عارياً، تفتقد إلى الخصوصية، فلا صروح ولا بروج مشيدة تسترك، فكل شئ أمام هذا العدو مباح ومتاح. هنا شيء واحد يفرض نفسه: (النقد والاستياء) فإن لم يجد سكان هذه المدينة أحداً ينقدونه نهشوا أنفسهم. إن خلاصهم الوحيد يكمن في تحرير حواسه من الاحتدام، وتحرير عقله من سيطرة قوالب فكرية مهترئة، عفا عليها الزمن، ونفض التراب عن عيون أعمها التعب.

 

نعيمة حسن - شاعرة فلسطينية / الإمارات -
nana_alnjjar@hotmail.com


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.