حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

فلم طويل جداً

قبل العرض

لا ينفعُ هذا العصر سوى البكاء
البكاءُ على ما جرى وما سيجري
لا ينفعُ هذا العصر سوى المراثي.
هذه مرثية أيامي وأيام من يشبهوني
سأبكي..
سأبكي وأحفرُ بدموعي السواقي وأسدلُ نفسي فيها
سأبكي حتى أزول أو أتلاشى
سأبكي لحمامٍ يورط حماماً ويقودهُ إلى الشبكة
سأبكي لنافذةٍ لا تحبُّ الهواءَ
سأبكي لصفـوفٍ من الورد والتبنِ ، تلّين في شرفـةٍ واحدةٍ
سأبكي لصفِّ من البقرِ الحرِّ وصفِّ من البشرِ المغلقِ الفتحات
سأبكي بلاداً نُهبت بساتينُها وقراها
سأبكي شوارعَها وساكنيها
سأبكي على رفِّ مكياجها الفارغِ
سأبكي على كحلةٍ شاحبة
سأبكي على رملِ أنبذةٍ ودخانٍ
سأبكي على شهوةٍ عاطلة
سأبكي على لسانٍ مثقوبٍ
سأبكي ، على الكون ، متشحاً بسوادِ الهزائمِ
سأبكي لكي أفتـنَ الزهورَ
سأبكي لكي أشتهي الموتَ
لا ينفعُ هذا العصر سوى البكاء.
***
لم أعد أرى ثماراً
أرى صحفاً ممزقةً في سلال البغداديات
لم أعد أرى أفقاً
أرى نهراً تطفو عليه الجثثُ والأوراقُ
لم أعد أرى برجاً
أرى برجَ بابلَ مهجوراً إلاّ من الغربان تنعقُ فيه
أرى النائحينَ حوله يدورون
أرى الغزاةَ يطلقونَ الرصاصَ على قلبِ (نبو) ويدفنون قمرَهُ في الزرائب
أرى القادمين يشيلون ألحاننـا وألواحنا وأساطيرنـا ويعبونها في التوابيت
أرى الناسَ يدفعونَ مراكبَهم المحطمةَ ويهربون
أكل الجرادُ عيونَ السومريين وتركَ بقاياهم مع الحصى
أكلَ الشوكُ قلاعَ البابليين
أكلت النار نينوى
أكلت الأمراضُ والسيوفُ العباسيين
أكلت البنادقُ بغدادَ ثم أكلتها الطائرات.
***
أيديكم ملآنة دماً فاغتسلوا، كان الورد يمـرّ عليها أما الآن فيسكنها الشـرُّ ، صارت البلادُ مسلخاً ، وصارَ الرأسُ مريضاً وكلُّ القلب عقيماً،لا الذبائحَ ولا محرقات الكباش تنفعُ
المساجد تصدّعت وخفتت أصوات المصلين.
بلدي ظلمه صبيانٌ عاقون وشيوخٌ لا يشبعون
بلدي الذي ضاعَ في نزهاتِ الحروب
وفي رماد الأسلحة.
***
ما أعجبَ الأمكنـة .. تكدِّسُ طبقات الزمن واحدةً فوق الأخرى ، هذا المكانُ الفارغُ المسدودُ كان معبداً ثم مخزن أخشابٍ ثم أصبح خاناً للتمر ثم مخبئاً للتعذيب ثم اتحاداً للعمال ثم ثكنة عسكرية ، الجرّةُ باقيةٌ ونباتاتها تتبدل .. الخرافـات تتبدل معها. أسمـع في الشوارع أصوات السيارات وهي تنعطف بقـوةٍ فأُدرك أننا ما زلنا في الغابة.
صوتُ السياطِ وصوتُ البريـة وهي تضربُ الثمارَ ، وهي تمسك الشمسَ وتقصّهـا بالسكين: هذه هي الخلاصة.
***
فيكَ كلّ ماهو طائر وكلّ ماهو مندفعٌ للمغاور في آن
فيكَ النسر والأفعى..
يعلقُ على قلبه السيوف والبنادق .. أراه دائماً خلف شبّاكي ينظرُ إلى أطفالي ويعدّهم كلّ ليلةٍ
هكذا في حقلِ الكرومِ تنضجُ مصابيحُ العنبِ وخلفَ أمسيةٍ هانئةٍ تُقضَم وتحتَ شرشفٍ ظلاميٍّ فاترٍ تُسكر.
أرمي بثلَ الشاي ورائي وألطِّخ به وجـه الذي يعـدّ أطفالي كلّ مساء.
عظامي من شدةِ القصفِ صارت دخاناً .. عظامي صـارت نايـاً .. عظام أجدادي طلعت من التراب
أنا هنا رهينَ درنةٍ أو قلنسوةٍ
الشواء الأعمى.. تاريخٌ يحترق ويتفطر ، تنهارُ أعمدُته وبناياتُه ، مخطوطاتهُ تتناثرُ .. شوارع مزدحمةٌ بالأخطاء ودمىً ودنانير مزيفة وطبول ممزقة ، كم هودج مرّ من هنا؟
يمسك الشمعدان ويفتش في التاريـخ عن مسـرى أجدادهِ المجهولين ، الوردُ الأحمـر في الحديقـة يطلعُ والشظايا. حيّة حمراء شمزية تدخل الدهاليز ، سقطت أحجارٌ كثيرة في البئر.
أعادَ ترتيبَ سلالتهِ وأغمضَ يدَه وعزفَ ، هذا طائرٌ ينفضُ الندى تحتَ عضلاتهِ ، هذه تماثيلٌ تداخلت مع الأشباح.
أحاطت بغداد يدٌ مدمّاة..
قُبرت، على أنهارها، الكتبُ وشدّ الإشراقيونَ أوتارهم وحاولوا الغناء لكنهم لم يستطيعـوا. العنكبوت أمام المرآة والقبور تسير.
لماذا هذه النكات تتكرر؟
لماذا هذا التبغ فاسدٌ ورطبٌ
سمك كثير قرب كراج السيارات
سمكٌ عفن متهدلٌ بائت خاوٍ
سمك مثل الناس ميت أوينتظر الموت.
***
تنطلق جاروشة الرماد
عيونهم محمرّة
وعلى قلوبهم العنف والشراسة
الرجال الغائصون بالوحل الحار حدّ ركبهم
آباؤنا الطيبون الفلاحون في آخر المشهد
سلخ تبغ اللّف نصف أعمارهم
وهدّت قاماتهم المساحي والقزمات.
***
دخلنا الى صالة العرض،كانت أغاني أم كلثوم تصدح، وكان بائعو  العمبة والصمون والكرزات والمشروبات يصيحون:
أغلقت الأبواب
وانطفأت الأضواء
إعلانات عن أحذية ومعجون أسنان
ثم العنوان..
(الولد يدخِّن سيجاراً)

 

خزعل الماجدي


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.