
لا
خير في معرفة
لا تنتهي في
الفراغ (5)
-1-
يا أرْضَ الله
توقَّفي قَليلاً،
أُريدُ أنْ
أنَامَ.
-2-
صَادفْتُ يوْماً
عَصَافيرَ
تُصَلِّي الصُّبحَ.
تَلاَحَظْنا..
تَجَالَيْنا..
فطارَتْ، وحطَّتْ
على كَتِفي.
ثمّ تحوَّلتْ
إلى سَحابة
كبيرة، وتضَاءَلتْ
حتَّى صَارتْ
قطْرةً،
ثمّ قالتْ بصَوْتٍ
واحدٍ \"اشْربْنا\"،
فَشَربتُها...
بعْدَئِذٍ
لَمْ أعُدْ
أتَذَكّرْ.
-3-
أنا شَاعرٌ
عَمُودِيٌّ.
-4-
وُلدْتُ في
مَدْشَرٍ مُحاطٍ
بالجبالْ
كيفَ لا أكونُ
شاعراً عَمُوديّاً
وكلّ صَباحٍ
أجدُ القِمَمَ
في مُقَلِي
مُعلَّقةً؟
-5-
في مُنْقَطَعٍ
منَ الوَقْتِ
تَوقَّفْنا،
فَكَّرنَا،
ودَبَّرْنَا.
رتَّبنا أشْياءَنا،
ورسَمْنا الحُدودَ
ألواناً، وكَلِماتٍ،
وإشَاراتْ.
جَعَلْنا رَأْسَ
أحَدِنا وَسَطَ
دَائرَةٍ،
ولوَّناها
بالأحْمَرْ.
وَضَعْنا أقدَامهُ
في دَائِرةٍ
مُوازيةٍ،
ولوَّناها
بالأخْضَرْ.
وقُلْنا: رأسُكَ
أقْدسُ، ولأقدامكَ
أنْ تدُوسَ
مَا ومَنْ تشاءْ،
مَتى وأَيْنَ
تَشاءْ.
وألْبَسْناهُ
كُلَّ ما عَرَفْنا
فِينا منْ أَسْماء
وصِفاتْ.
وقُلْنا: وُجُودُنا
مِنْ وُجُودِكَ
إنَّما حِرْصاً
وَحَذَراً
نَزَعْنا جناحَكَ
لِكَيْ لاَ
تَطيرَ، لاَ
تَطيرَ أبداً.
وَخِفْنا عليْكَ
منَّا،
فسَوَّرْناكَ
بالكِبريتْ،
وأحَطْناكَ
بدُمْلُج الشَّمْسِ،
وحَصَّناكَ
بعَسَسٍ من
التّعاويذ
لا تُحبطُ أعمالُها
أبداً.
وقُلْنا: إذا
زِغْنا زِحْنا
منْ رَأْسِكَ،
وارْمِنا في
البرّية لتَتَغَذَّى
قُدرتُكَ.
وجَعلْنا في
أُصبُعك كَلمةُ
البحرْ
والهواءْ
والبرّْ
وسَلَّمْنا
لكَ الأمرْ.
وحرْصاً قُلْنا:
حذارِ مِمَّن
لم يكبُروا
قطُّ،
ولنْ يكبروا
أبداً،
حَذارِ منَ
الشُّعراءْ،
فَلَيْسَ عَلَيْهم
بعَزيزٍ
إعَادَة هنْدَسة
كلّ شيءْ.
-6-
أتذكَّرُ الآنَ
قصَّتي وَعَصَافيرَ
صَارَتْ دُخْنةً
ثُمَّ قطْرةً،
فشَرِبْتُها.
بَعْدَئذٍ
وَجَدْتُني
جُثْمَانَ
ثَلْجٍ، فجَسَداً
مَجْلُوداً.
رأيتُ شُعْلة
نارٍ تقْتربُ
منّي.
وكُلَّما زَادَ
قُربُها زَادَ
ذوْبي.
تَسَايلْتُ،
ثُمَّ تَرشَّشْتُ
في الشُّعلة،
فانطفأتْ.
وتملَّكني
شُعورٌ بالقُدْرة،
فبدَأتُ أتلبَّسُ
حالاَت الماءْ:
أسْتَبْحرُ،
أسْتَنْهرُ،
أَتَبَخَّرُ،
أتَفَجَّرُ،
أتصعَّدُ في
الشَّجر، والحجرْ..
مَفْجُوءاً،
\" انْطَوَى
الْمَكانُ
عليَّ \" في لحْظةٍ،
وصِرْتُ في
\" أيْنَ لاَ
أيْنَ \"،
وَمَا عَادَ
الآنُ يَعْنينِي،
وَما عُدْتُ
أعْنيني،
\" انْطَوَى
المكانُ عليَّ
\"،
وخَرجْتُ منْ
زَمَنٍ أبْيضٍ
إلى زَمَنٍ
أسْودٍ،
منْ زمنٍ نابِذٍ
إلى زمنٍ جابذٍ
منْ زَمنٍ بَرَّانيٍّ
إلى زَمَنٍ
جَوَّانيٍّ:
زَمنِ الأعْمى.
أطبقتُ جُفوني
على أوْهام
وأمَاني النَّهارْ.
وقَفَزْتُ
إلى دَاخل الذَّات
في سيرَتِها
الأُولى.
....
....
بعْدَ انْتهَائي
منَ الكَلامْ.
تَسلَّمْتُ
ورَقةً كُتبَ
علَيها: \"حالةٌ
مُسْتعْصيةٌ
وخَطرةٌ\".
-7-
الكَوْنُ كِتابةٌ.
-8-
القَصِيدَةُ
جَحيمٌ، كٌلّما
زادَ عَذَابُها
زادَتْ عُذُوبَتُها.
-9-
العالَمُ مِجْمرٌ،
وأنا جمرُهُ.
-10-
أعُودُ إلى
كُوخ الفِلِّينِ
والتّبْنِ
والطّينِ المَسْنونْ،
وأشيِّعُ جَنازتي
في نِصْفِ الدّائرةِ
المَفْقُودِ
مِنَ النُّونْ.
-11-
ما كُنْتُ أنْصِبُ
الحِبالَةَ
إلاّ لأرَى
كيفَ تموتُ
الرُّوحُ
مسكُوبةً في
بَيْضَة العُصْفُورَة،
في رَحِم المرأة،
في بَحْرة الأَرض،
وفي بيضة الرّأس،
وفي كُلّ شيْء.
-12-
السَّفحُ أغْبرُ،
ونقّارُ الخشَبِ
يُفَتِّشُ
عن دُودةٍ خَضْراءَ
في الشَّجَرة.
* السَّفْحُ
مَوْطِنُ عَابرينَ
بَاحِثينَ
عنِ الدِّفءِ
والأمنْ.
السَّفحُ مُكْتظّاً
بشُعُوبٍ تَسْتَلبُها
التّقنيةُ
يَنامُ.
وَفي الأعْلَى،
أدخلُ إلى الكُوخ،
أنانيّتي الأُولَى
وأنامُ.
-13-
جَنَيْتُ نجمةْ،
وقطَفْتُ زهرةً،
وبدأتُ أبحثُ
عنْ إيقاعٍ
لكنّي لم أجِدِ
النَّغْمة.
أنْصَتُّ إلى
الأنهار،
فما تطرَّبتْني.
أنْصَتُّ إلى
العَصافير،
فما تطرَّبتْني.
أنْصَتُّ إلى
الرّياح،
فما تطرَّبتني.
عِنْدَئذٍ
مَزَجْتُ الضَّوءَ
بالأرَجْ
فسَمِعْتُ
خفقاناً،
وتَرميشاً،
ونَفَساً بميزانٍ،
فرَقصْتُ.
-14-
أُرَاقِبُ
الأعْضاءَ
تَكْبرُ،
والرّأسَ يتَجَلَّحُ،
والأيّامَ
تتآكلُ علَى
الجَبينْ.
أتَرَاقَبُ،
وَأحلُمُ بمركَبةٍ
لا تأبهُ بالتَّيارْ.
كَمْ يبدُو
صَعْباً ضدّ
التَّيار في
نَهْرٍ جبليٍّ،
كَمْ يبدُو
صَعْباً...
إنَّما بِمُسْتطَاعِي
مَا دَامَ شِعَاري
وشِراعِي
لا خيرَ في مَعْرفة
لاَ تنتهي في
الفَراغْ.
محمد
أنوار محمد
/ المغرب -
mohamanouar@yahoo.fr