حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

بنيةُ الصورة بين الشعر والسينما

يبدو الاختلاف بين الشعر, والسينما من حيث هما بنيّتان صوريّتان واضحاً, ليس في الفارق النوعيّ بين الحقلين, ولا في طبيعة تكوين كلّ منهما فحسب، بل, هو في الأساس إختلافٌ في البنية, والتلقي أصالة.

بحسب تفريق (ياكوبسن) بينهما, تبدو بنية الصورة الشعرية مؤسّسة على علاقة تجاورية/كنائية, وهذا يعني اختلافا مُتأصلا في طبيعة التركيب الإشاريّ لكلتا الصورتين, بوصفهما لغتين, أو نظامين إشاريين.

وعلى الرغم من حدة الفصل التي يمكن إنتقادها في هذا التقسيم "الياكوبسوني", إلاّ أنّ إمكانية التداخل بين البنيتيّن تكاد تكون شبه ممتنعة, وإن بدا الأمر ممكناً في الظاهر, فالإ ستعاريّ, والكنائيّ شكلا علاقةً, يمكنهما التداخل, والاشتراك في تحقيق أيّ نظام لغويّ, ولكن إشتراكهما يفضي إلى ذوبان الخصوصية الشكلية للحقل الإبداعي, وقد يؤدي إلى توجيه قراءته توجيهاً غير مناسب, ولكن هذا الذوبان ليس عيباً في ذاته, بل هو في أحيان كثيرة طابع أصيل في أيّ نظام إشاريّ, وأصالته هذه, لاتلغي هيمنة أحد شكليّ العلاقة على الشكل الآخر, بما يفضي إلى تصنيف الحقل بحسب الشكل المُهيمن, وهي ملاحظة (ياكوبسن), وإن لم يُشر إلى فكرة الهيمنة, وبدا الأمر عنده, وكأن الفصل متأصلٌ في البنية, وأنها أُحادية الشكل أصالة.

إنّ تركيب الصورة الشعرية يخلو من الوسيط التقني, رغم حيادية الإبداعي, وهذا الخلوّ يجعل من الصورة الشعرية أقرب إلى طبيعة الإبداع من حيث هو حرية مشروطة بوجودها, أما تركيب الصورة السينمائية, فهو مبنيّ على تقنية الوسيط (الكاميرا, والمعاملات الكيميائية, وطبيعة الضوء, والآلا ت, وماإليها), ويفضي هذا البناء لزوماً إلى تقييد الإمكان الإبداعيّ, مهما كانت الآلة مُحايدة, فالوسيط بوصفه عائقاً مادياً للإبداع, يقطع الطريق على حرية الخيال, أو يقيدها, وهو مايمكن أن يتوهمّه القارئ حتى في الشعر, ولكنّ الحقيقة, أن الطبيعة المادية للتركيب الشعريّ (الأصوات, ورموز الكتابة, والبياض) ليست خارجية, ولا هي مختلفة عن الصورة(فالأصوات والحروف المكتوبة, ليست وسيطاً, وإن بدت كذلك.

وإنما هي الصورة الشعرية ذاتها, بمعنى, ثمة تطابق في تركيب الصورة الشعرية بينها وبين أدواتها, ووسائطها المادية, أما الصورة السينمائية, فثمة مفارقة كبيرة بين الأداة, والوسائط, وماينشأ من صور من خلالها, وهو ما يفضي إلى إختلاف مُتأصل بين الصورتين, ويؤثر في المُحصلة على طريق المقارنة بينهما في حال السعيّ إلى سينمة النص الشعريّ). . تنبني الصورة الشعرية أصالة على المتن الشفاهيّ للوعيّ, ونقصد هنا أنّ تحققها اللغويّ شفاهيّ, حتى عندما ندونها, وهذه الشفاهية, تعني التأسيس السمعيّ للتلقي, وهو مايفضي بالصورة الشعرية, أياً كان نوعها, إلى نهاية سمعية, إذّ أنّ الصورة, وهي بصرية الأصل, حتى في شكلها التدويني,ّ تعود إلى الحيز السمعيّ في تلقيها, إذّ أنّ القارئ يقرأ ذهنياً, وبصوت مسموع, هذه المعطيات البصرية, وهذا التحول من بصرية الأصل إلى سمعية الغاية, هو أكبر وجوه الإختلاف بين الصورتين الشعرية, والسينمائية, فالصورة السينمائية, بحكم تأسيسها على الضوء علمياً, وتقنياً, تبدو بصرية مطلقاً في الإبداع, والتلقي, وهو مايفقدها دهشة المفارقة, وحرية الخيال التي تمتلكها الصورة الشعرية, بحكم إلتباسها بين البصريّ, والسمعيّ, وهذا الخط المُمتدّ من البصريّ أصلاً إلى البصريّ غايةً, ليس خياراً إبداعياً في مُجمله, بل هو من إفتراضات الوسيط التقني المفارق الذي يفرض شكل التلقي, كما فرض شكل الإبداع, لأنّ السينما فنّ يعتمد الآلة الصانعة, لا الآلة الحيادية, كما هي حال القلم في الكتابة.

إنّ الوسيط التقني الذي يسهم في تشكيل الصورة السينمائية, ويكاد لا يؤثر إطلاقا في تشكيل الصورة, هو الذي يحدد إمكانيات الإستبدال, والتحويل التي يسعى إليها المهتمون بسينمة النصّ الشعري, فعلى العكس من (شعرنة النصّ السينمائيّ), والتي تبدو عملاً إبداعياً يتجاوز محددات الوسيط من خلال التحايل عليها, أيّ أن المبدع يستثمر إمكانات الوسيط في صياغة شعرية للنصّ, فإن نقيض ذلك يبدو صعباً, أيّ أن سينمة النصّ الشعري سوف تفضي إلى تقييد الحرّ, وتحجيمه تحت سطوة التقني, فالصورة السينمائية المُحولة من صورة شعرية, أيّ المنقولة من نصّ شعريّ, سوف تقع تحت وطأة تحويل السمعيّ/ الخيالي إلى البصريّ/الحسي, بكلّ وضوحه, وفجاجته, وفقره الإيحائي, ووضوحه الدلالي, وسوف تستعين للخلاص من هذا, بشعرية النصّ السينمائي, أيّ أنها سوف تعوض خسارتها بالوهم, لأنّ شعرية السينمائي خصوصية قرائية للمُبدع /المخرج, فيما سينمة الشعريّ, تبدو محكومة بخصوصية مفروضة من خارج حقل القراءة الذي هو السينما, بعبارة أخرى, إنّ حرية الفنان السينمائي الإبداعية في التعامل مع قسرية التقني, والتحايل على سطوته, تفقد كثيراً من إدهاشها, وبراعتها في حال سينمتها لما هو خارج عنها, وهو الشعريّ, لأنّ حرية الشعريّ في ذاته, عندما كان قصيدة, بإطلاقها, وثرائها, لاتجد إلاّ صياغةً تعبيريةً واحدة, هي الصورة المرئية المحسوسة الواجب توافر معطياتها الدلالية وفق محددات الوسيط من إضاءة, وديكور, وطبيعة ألوان, وحركة كاميرا, وما إلى ذلك من قيود, ومن هنا تبرز بجلاء صعوبة سينمة الشعريّ, بوصفها مغامرة ابداعية معاكسة لمفهوم الإبداع, ومفارقة له في أصلها, فإذا كان الإبداع مشروطاً بالحرية أصالة, فإنّ سينمة الشعر تسعى عكس هذا التيار, عندما تنطلق من الحرّ المُطلق المفتوح, إلى المقيد, المغلق, الأسير داخل الطبيعة التقنية لوسيطها التعبيريّ.

ثمة مفارقة أخرى في هذا الباب, وهي وهم الحركة, فإذا كانت الصورة الشعرية متنوعة في ذاتها بين السكون, والحركية, بحسب قصدية المُبدع, وما يعبر عنه, فإنّ أقسى مفارقات الصورة السينمائية أنها ساكنة أصالة, وأن حركتها, المُفترضة إبداعياً, هي خديعة بصر, وهي وهم حركة, فالشريط السينمائي, كما هو معروف, مكوّن من مجموعة من اللقطات الساكنة, وهو ما يشبه الفيلم الفوتوغرافي, ولكن آلة السينما (ووسيطها التقني) تحرك صور هذا الشريط بسرعة 24 صورة في الثانية, فتبدو الصورة متحركة, وهي في الشريط ساكنة, وإنما الحركة بنت التقنية, لا بنت الإبداع, ومعنى هذا, أن التنوع الأصيل في الصورة الشعرية, بين السكون المطلق, والجمود, وبين الحركة, وتدرجاتها ضعفاً, وقوةً, ليس أصيلا ً في السينما, وإنما هو خديعة بصر, تقوم بها الآلة بمعونة عيوننا, كي يبدو ماهو ساكن في ذاته, متحركاً أمامنا, وبمجرد معرفتنا بذلك, تفقد الصورة السينمائية, المبنية على الحركة, مشروعيتها في التلقي, ويجعل مسافة التعويض الإبداعي بين سكونية الشعري, في أقلّ صورها, وبين حركة السينمائي في أعلى تجلياتها, ليست كافية في المحصلة, مضيفةً صعوبةً أخرى لمحاولات سينمة الشعر.

إنّ السؤال الأهمّ في سينمة النصّ, وفي دراسة بنية الصورة في الحقليّن, هو كيف يتمّ الإستبدال, والتحويل؟

كيف يتاح للسينمائيّ أن يحوّل الشعريّ إلى حقله, وأدواته, ومامدى الخيارات التي يمكن التحرك في حدودها في هذا التحويل؟ وماهي مساحة الإبداع في عملية التحويل ذاتها؟ يبدو ساذجاً القول بأنّ على السينمائي كي يجد معادلاً بصرياً موفقاً للغويّ, الذي هو الشعريّ, لأن مجرد المعادلة سوف يجعل من عملية التحويل ضرباً من الكارثة, فكيف يحول السينمائي, حرفياً إلى مُعادل بصري, كثيراً من صور المبالغة الشعرية, وكيف يحول, بمعادل بصريّ تامّ, كثيراً من الصور المبنية على علاقات تجريدية ليس لها معادل بصري مستقر, فالعدالة في اللغة الشعرية لفظة, ولكنها في المعادل السينمائي لايمكن أن تكون لقطة, وقد لاتكون مشهداً حتى, إنّ إختزال الشعريّ لايجد مقابلاً في الفنّ السينمائي, وهذا التفاوت في العناصر الإشارية, واللغوية, يجعل من تحويل اللغويّ/الشعري إلى مُعادل بصريّ/ سينمائيّ, نقلاً ساذجاً, وغير ذي قيمة, وهو مستحيل أحياناً, ولذا, فإنّ شعرية السينمائي تتدخل في سينمة الشعريّ لإعادة صياغته صياغةً مركبة,ً لعلها أخطر من الشعري, والسينمائي كلاً على حدة, وهذه الصياغة المُركبة تُبنى على علاقة مفادها: الشعريّ.

فراس عبد الجليل الشاروط

* فراس عبد الجليل الشاروط: مواليد بغداد 1967، خريج كلية الفنون الجميلة(بغداد) / 1996، ماجستير إخراج لسينمائي عام 2002 عن رسالته (توظيف الوعيّ الإيروتيكي في بُنية الفيلم الروائي, ودلالاته السينمائية).

له تحت الطبع: سينمة النصّ القرآني، له مخطوطة: (السينما العراقية: الذاكرة, والتاريخ الـ (99) فيلماً الأولى), و(الإخوة كارامازوف يُبعثون من جديد)- دراسة في الفكر الديني عند دويستوفسكي.



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri