حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

تـرويـض الـمــــــوت

خصصت مجلة "لو كورييه انترناسيونال" ملفاً حول خلود الحياة الإنسانية في أحد أعدادها الأخيرة (الرقم 806)، والتقطت مجلة "لو نوفيل اوبسرفاتور" الخيط نفسه، في عدد خاص (لشهري نيسان وأيار 2006)، لتفتح نقاشاً فلسفياً حول موضوع القدرة على العيش المديد، وربما الى ما لا نهاية. حمل العدد عنواناً لافتاً عن "تدجين الموت" يتضمن رأياً للفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري، الذي يرأس "مجلس تحليل المجتمع"، يعتبر فيه ان الفلسفة انما عملت دوماً على قهر الخوف الانساني المشروع من الموت. الآن، ماذا يمكن أن يقال عن هذه المسألة التي تشغل الألباب منذ نشأة البشرية، بل التي تشغل الآلهة والأنبياء والشعراء والروائيين والفنانين والفلاسفة والعلماء والأطباء والمخترعين، وأيضاً كل هؤلاء الذين يريدون أن يفوزوا بلحظة خلود واحدة، لحظة تكون هي الخلود بالذات؟

فكِّر كما لو كنتَ ذرّةً، لا يطاولها الفناء، تأتي الى الوجود، ربما منذ زمن الانفجار الكبير، "بيغ بانغ"، الذي يعتقد البعض انه لحظة ولادة الكون، ثم لا تزول. لماذا تدوم الذرّات (الا اذا فُجّرت) الى الابد تقريباً، فيما تفنى الأجساد المصنوعة من ذرات أيضاً؟ فكِّر كما لو كنتَ ذرّةً: لا متناهياً في الصغر، لكنك ممتد الى اللانهاية في الزمن. ليست لحظة الولادة سوى قدوم الى عالم لا فراق عنه، إلا بعد ألوف السنين، أو ربما أبداً. ليس البلوغ سوى لحظة امتلاك لجسد يستمر في عيشه، ويجدده الطب، ويدرأ عنه أثر الشيخوخة والمرض، لكي يعيش آجالاً طوالاً. فكِّر في أرض لا يشبه إنسانها كل ما عرفته الانسانية في تاريخها من بشر وبشرية: يعيش مَن عمره مئة عام أو الف (أو ألوف الأعوام) في الجسد نفسه الذي يمتلكه صاحب المئتي عام أو ابن العشرين. كيف يمكن العيش في ظل تزاحم تلك الأجيال؟

لنترك الأفكار البسيطة، كالقول ان انتفاء الموت، أو التباطؤ في مسيرته، يؤدي الى اختناق الارض بالمتكاثرين عليها، والمتزاحمين على ثرواتها ومصادرها المحدودة، كأنهم أسماك تتكاثر، من دون موت، في حوض ماء صغير، فتموت اختناقاً من تزاحم الاجيال. لنفكِّر في أمور أخرى: كيف تكون حال النفس والفكر، لـ"إنسان الخلود"، وكذلك المكبوت واللاواعي، حين الصبوات كلها تُعاش ليس كتوهج، بل كاستمرار لا نهاية له؟ نعرف الحب في اعتباره نقيض الموت، فإن زال الموت هل يزول الحب؟ تعاش الحياة كلحظات توهج، قبل البرود الأبدي، وتعاش السعادة كزمان يمضي، فكيف يكون العيش إذا انقلبت قواعد العيش فيه؟ كيف يفكّر الانسان الذي عليه ان يديم السعادة، وان يجعل الحياة نيراناً لا تكف عن التوهّج؟ هل يقبل الإنسان بذلك، أم تصبح النيران لظى يتآكله، بمعنى ان ينوء بالثقل الناجم عن تطلّب التوهج باستمرار وباستمرار، ابعد كثيراً من فكرة العيش الابيقوري، الذي يستبطن ان الموت آتٍ لا محالة ليضع حداً لشراهة تطلّب الملذات. إذا اختلت الموازين الإجتماعية للإنسان، هل في امكانه فعلياً ان يتكيّف معها؟ الى أي حد يمكن تحمّل الفقر لمئات من السنين، أو الكآبة مثلاً. ثمة تركيب نفسي فكري ثقافي مرشحّ للانقلاب، لأن فكرة موت الانسان الفرد هي بديهة راسخة ومنتشرة انسانياً وحضارياً. أيّ معنى لعيش يوم واحد في حياة مداها ألوف السنين؟ في روايته "11 دقيقة" يستغرب باولو كويلو ان يبذل البشر جهداً هائلاً، للوصول الى وصال جسدي لا تدوم لذته سوى 11 دقيقة، ولا تحيا ارتعاشات ذرواته سوى لحظات خاطفة؟ كيف يغدو ذلك، اذا تقزّم بلا نهاية، قياساً الى حياة بلا حدود؟ ثمة تفكير بشري هائل عن فكرة "الشباب": ماذا لو اختفى الشباب، لانه سيستمر مئات السنين؟

ليست هذه الاسئلة سوى نزر يسير من الآفاق التي تفتحها النقاشات عن احتمال هزيمة الشيخوخة، وتالياً الموت. ليس انها فكرة جديدة، فلطالما خايل هذا الامل - الوهم عقل الانسان، كما سيرد لاحقاً. لكن النقاش تجدد أخيراً بفعل ما يعلنه أوبري دي غراي، منذ فترة، عن احتمال توصل علوم الجينات الى هزيمة الشيخوخة، وربما الموت.

احتمال العيش المديد يحمل إخلالاً ببديهيات الوجود الانساني على الأرض، وحضاراته بكل مناحيها، بما في ذلك البعد الميتافيزيقي. يبدو الأمر كأنه عودة الى المكانة القديمة المبجّلة للموت في الحضارات السابقة على الأديان، مثل الإحيائية في افريقيا وحضارات الاميركتين القديمة وديانات الشرق العميق مثل البوذية. تقف تلك المكانة المبجّلة، المرتكزة على اعتبار الانسان امتداداً مستمراً للوجود نفسه، مقابل الموت الديني عموماً، الذي يرى الموت مصيراً حتمياً. لربما لم يتحوّل الموت الى اندثار وفناء الا مع المجتمعات الصناعية الحديثة، التي تستبطن بقوة الموت الحديث البارد والمنعزل. انها المجتمعات التي تركّز على إعلاء عيش اللحظة والشباب.

مع فكرة الجسد الممتد في الزمن، تبدو مجتمعات ما بعد الحداثة كأنها تعود الى ثقافة الحضارات القديمة، لكن على نحو مقلوب تماماً، بمعنى تقليص علاقة الانسان مع الماوراء الميتافيزيقي الى الحد الاقصى، ولتتمسك، بتطرف كبير، بوجود مادي محدود صار فجأة بلا نهاية.

الموت الانوريكسي يستدرج الجسد الخالد

الارجح ان اللحظة الراهنة تحمل تمازجاً بين أكثر من ثقافة للموت. تسود ثقافة الجسد المعاصر، التي ترتكز على دفع حدود الشيخوخة ما أمكن، كما تعكسه ظاهرة "رمدنة" البلدان الصناعية، أي زيادة أصحاب الشعور البيض فيها. انه جسد بصري بامتياز، ورياضي بامتياز. في المقابل، هو يعيش تناقض صورته الأخرى في اعتباره خاملاً، متمسكاً بالكسل، وشديد البدانة أيضاً.

يلفت ان مجتمعات الشبكات الرقمية تكاد تكرس صورة الموت الأنوريكسي (من انوريكسيا Anorexia أي عُصاب الطعام والامتناع عنه)، كما يظهر من إفراط الهُجاس بالرشاقة متمازجاً ومتناقضاً مع شيوع البدانة على نحو لم تشهده البشرية قبلاً. في الموت الأنوريكسي، يدخل الجسد الى شيخوخته وقد أضناه اللهاث خلف الحميات الغذائية التي تحاول مدّ شباب الجسد بالجوع وبالحرمان من السعرات الحرارية، وبالاخلال بالرضا النفسي، سعياً وراء جسد تفرض معاييره مجتمعات الشاشات المعاصرة، التي تضرب العيون بصورة الرشاقة المرفوعة الى ذروتها. هل يمثّل أوبري رداً على الموت الانوريكسي المستمر الحضور في الاعلام البصري المعولم؟

يصعب عدم القول ان انتشار الكومبيوتر يترافق ايضاً مع اشتطاط صراعات الهويات في ظل العولمة. الارجح ان هذا الامر يمثل أحد التناقضات البارزة راهناً. هل يمثل الموت الانوريكسي حدوداً جديدة لجسد الفرد، بحيث تتصارع عليها الثقافات والحضارات، كتصارعها في شؤون ما بعد الموت والميتافيريقيا؟ أليس الصراع بين الحضارات على هوية الجسد وصورته، هو ما يحضر في قضية مثل الحجاب؟

هكذا تبدو البشرية كأنها تعبر من الموت في حضارة ما قبل الكاميرا والسينما، أي الموت المترهل والمطمئن للمجتمعات ما قبل الصناعية، الى الموت المدخن للجسد الممتلئ في مجتمعات الصناعة والسينما، الى الموت الجائع والانوريسكي (والعدواني الهوية) في المجتمعات الرقمية.

ثقافة الحياة

أي عمر يسيطر حقاً على المجتمعات المعاصرة؟

تشهد أميركا راهناً انبعاث خطاب ديني إنجيلي شديد المحافظة، يهدّد جذور القيم الديموقراطية فيها عبر ما يسمّى تيار "ثقافة الحياة". ويرى كثير من المثقفين الاميركيين، وخصوصاً من مفكري مدرسة شيكاغو (ارثر كروغر مثالاً)، ان هذا التيار الفكري، الذي تصالح بسهولة مع عقلية الليبيرالية المتوحشة عند المحافظين الجدد، يستولد خطاباً استعمارياً عالمياً متشابكاً، يرتكز على القوة العسكرية كأداة في استمراره، وعلى هيمنة فكرة الموت على الثقافة السائدة في المجتمعات ما بعد الصناعية.

الموت الطالع من الأبراج المضروبة بالأجساد الساعية الى الموت (بصيغة دينية)، يولّد خطاب المحافظين الجدد، الذي يجعل الموت في صلب السياسة الاستراتيجية للدولة العظمى الوحيدة كونياً، عبر مفهوم الحرب الاستباقية. يستولد الموت المزدوج المعولم في حدث نيويورك (موت الارهابيين مترافقاً مع مصارع مدنية في عاصمة العولمة) خطاباً فائق الإغراق في الموت. يصير الموت اسلوب عمل يومياً لتنظيم "القاعدة"، ومن ينضوي تحت مظلتها المتوسعة باستمرار.

ولّدت عقلية الموت لدى المحافظين الجدد، وتحت الشعار المتناقض، "ثقافة الحياة"، حروب افغانستان والعراق، التي أدخلت الموت الى قلب الحياة اليومية. ثمة "استدجان" عراقي سوريالي للموت، حيث يستمر العيش اليومي في ظل مطحنة الموت اليومية. وقد صاغ المحافظون الجدد خطاباً يمكن اعتباره نموذجاً آخر من حضور الموت في السياسة، إذ ينعقد نسيجه من خيوط عدة: عقلية القوة المخلّصة ذات الأفق الديني الامبراطوري (شعار الحرب الاستباقية نموذجاً)، وهيمنة شركات العولمة المتشابكة الكترونياً على الاقتصاد العالمي، ومقولات عن تفوق منظومة القيم المستولدة من تصالح "المولودين مجدداً" مسيحياً مع العهد القديم، وشعارات "مشروع القرن الاميركي الجديد" عن المهمة الرسولية لاميركا في صنع العالم على صورتها، ومعاداة الحريات الجسدية، ومناهضة تجارب خلايا المنشأ، والترويج لنصوص العهد القديم (بالضد من العلم) عن أصل الكون (نقاش الخلقية Creationism مثالاً)، ومقولات فرنسيس فوكوياما عن العصر الافتراضي ودخول عصر ما بعد الانسان وغيرها.

تستطيع الجثث الميتة للأفراد ان تُحدث انقسامات ونقاشات قوية في المجتمعات المعاصرة. تعطي هيمنة جثة شارون على السياسة في اسرائيل مثالاً قوياً على ذلك الأمر. تطلّب انتصار حزب "كاديما"، الفريد من نوعه في اسرائيل، استمرار "حياة" تلك الجثة المعلّقة في الغيبوبة. واستمر البابا في "جثمان" آيل الى الموت سنوات طويلة، وظلت أجيال الكومبيوتر متعلقة به، فيما نحت الاقسام الأشد تعلقاً بالموت للانتماء الى جماعة "أوبوس دي" الكاثوليكية المتطرفة، التي لا ترذل شيئاً أكثر من العيش، ولا تعلي شأناً لشيء أكثر من الخطيئة. انها الشكل الأقصى للحياة في اعتبارها خطيئة لا يغفرها الا دم المخلص الالهي.

في المعنى الفلسفي، تبدو "ثقافة الحياة" كأنها نقيض تام لفلسفة نيتشه، الذي رفض بقسوة فكرة ان حياة الانسان هي مجرد خطيئة، ودعا الى "الانسان الأسمى"، حيث الوجود صيرورة، قوامُ زمانها العودة المستمرة. تلوح ظلال الانسان الخالد في فكر نيتشه. ألم يتصارع نيتشه مع فكرة المرض، في اعتباره علامة على الوهن المفضي الى الموت، ومدخلاً لفهم صيرورة الانسان، ولقدرته على الصراع مع الموت؟

ليس عبثاً ان يرتبط نيتشه بفكرة الخلود، أو الجسد المتفوق الذي يقهر المرض ويطيل عمره لآجال طويلة. فبحسب ما لخّصه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، يمكن القول ان الانسان الاسمى (حلم نيتشه) تُنتجه صيرورة من ثلاثة تحوّلات. باستخدام المجاز النيتشوي، يمكن وصف الأول بينها بأنه "الروح التي تتحوّل جملاً"، للتعبير عن إمكان الانسان المتعدد وصيرورته. في الثاني، "يصير الجمل أسداً"، حين يجرؤ الانسان على تحقيق نفسه بنفسه، فيصير المتعدد متعدداً حقاً، والصيرورة صيرورة حقاً. في التحوّل الثالث، "يعود الاسد طفلاً". انه الوعد الهائل بالخلود عبر العودة المتكررة، لمن يجرؤ على أن يكون: ذلك هو الانسان الأسمى المتفوق على مصيره، أي المتمرد على ما فرضته الآلهة كنهاية محتومة للحياة البشرية.

لم تكن أفكار الخلود الفيزيائي المادي للجسد، قد لاحت في آفاق العلم أيام نيتشه، الذي وُصف بأنه صانع فكرة الانسان السوبرمان. ولم تكن تلك الأفكار بعيدة ايضاً، إذ يمكن اعتبار فكرة الانسان - الفرانكنشتاين نموذجاً لإدعاء علمي بإمكان عودة الانسان المتجددة، ولو ان الرواية كُتبت كنقد لتلك الفكرة. لاحقاً، نهض عالِم الوراثة فريدريك جالتون، من أحفاد داروين، بذلك الإدعاء، فدعا إلى التحكّم بالنسل، لاختيار الافضل، وللوصول الى إنسان كامل يقهر المرض والضعف، كمقدمة للتحكم بمصير الجسد الانساني وعمره. حينها، قبيل الحرب العالمية الثانية، بدت افكار جالتون كأنها الوجه العلمي لفكرة الانسان السوبرمان عند نيتشه. ذلك نقيض مباشر للانسان الديني، الساعي حثيثاً الى الموت في اعتباره خلاصاً من خطيئة ملازمة للوجود. وأيضاً، فإن الانسان السوبرمان نقيض للانسان اليومي في المجتمع الصناعي، المقبل على الحياة، في اعتبارها حباً وملعبَ ملذات، والذي يرفض أيضاً وصف الحياة كخطيئة وكفّارة. لذا فإنه لا يقلق كثيراً من الموت، بل يقبله كجزء من مصير حتمي للانسان. يبدو انسان المجتمع الصناعي على اتصال بإنسان الفلسفة اليونانية، وخصوصاً لجهة رفضه الخلاص المحمول بموت الانسان - الإله، في المعنى الذي يقوله المسرد الانجيلي عن فكرة فداء الجنس البشري.

من يجرؤ؟

ثمة أنواع من الموت لا يجرؤ أوبري على مقاربتها، كمعطى فردي، ويسلّم بها تسليماً. انه الموت العنيف في استمرار ملحمته الخالدة: من الحرب الى الانتحار اختياراً. حتى الفيلسوف الفرنسي لوك فيرري تجاهل هذا الموت، كمصير مخيّم على حياة الأفراد، وكأنه لا يحدث الا استثناء. من قال ان العنف استثناء في البشر؟ من قال ان الحرب ليست مصيراً فردياً أيضاً؟

يصعب ختام نقاش الموت، من دون الاشارة الى انواع مقيتة منه، أيضاً وأيضاً يتهرب منها كثير من الأدمغة المعاصرة، مثل الموت الفقير الذي يحضر في صورة الأوبئة الساحقة. تعيش الكرة الارضية لحظة يلفّها الموت بحزام من فيروس انفلونزا الطيور، الذي يهدد، في كل لحظة، بالتحوّل الى شبح موت هائل لملايين البشر. لم تستثر الفلسفة الحديثة كثيراً لأن الموت الوبائي الفقير، عاد ليضرب بقوة في قلب مصير الانسان.

في المسرد الفرويدي، ثمة تبادل بين الموت والجنس. يبدو الليبيدو كأنه "ثمن" لوجود وجيز للانسان. تتكرر هذه الترسيمة الفرويدية كثيراً في الفكر الحديث، من لوحات دالي السوريالية الى فيلم "زاردوس" لجون بورمان، الى ما لا يُحصى من الأعمال الفنية، وصولاً الى أفكار فرنسيس فوكوياما عن ضجر الانسان الأخير، في اعتباره الشاغل الوحيد المتبقي في مجتمعات تسحقها الرأسمالية المنتصرة لتحيلها حبات متشابهة كالرمل. كل ذلك التفكير يستبطن الليبيدو كمعادل للموت. كيف يبدو الليبيدو، مثلاً، في جسد لا نهاية لوجوده الزماني؟ كيف تتراكم الأعصاب التي تؤدي الى النشوة والرعشة، على سبيل المثال؟

من يجيب عن هذه الأسئلة؟ أوبري؟ لِمَ لا. وغيره كثر، لكن كلٌّ على طريقته. فليحلم الجميع على الأقل بحياة تحيا الى ما لا نهاية... لكن بسعادة!

من هو مروّض الموت؟

هو أوبري ديفيد نيكولاس غاسبر دي غراي. يعمل في جامعة كامبريدج. طويل القامة نحيلها، مع لحية طويلة وكثّة تغطي معظم صدره. ترعرع وحيداً لأم فنانة. في الثامنة، ظهرت عنده فكرة انه جاء إلى هذا العالم ليصنع فارقاً مهماً. متزوج من أدليد كاربنتر، التي تكبره بعشرين عاماً. تعمل اختصاصية في علم الجينات، وتدير المختبر الذي يعمل فيه أوبري. يصف نفسه على طريقة فيلم "ماتريكس"، بانه "يعمل نهاراً كمبرمج" في مصنع للجينات في جامعة كامبريدج. للتوضيح، فان الشخصية الرئيسية (كيانو ريفز) في الجزء الاول من أفلام "ماتريكس"، هو شاب يعمل في شركة كبرى لبرمجة الكومبيوتر، يبدو مطيعاً ومنضبطاً وملتزماً النظام الشامل الذي يهيمن عليه الكومبيوتر. في الليل، يدخل ذلك المبرمج سراً، تحت اسم نيو، إلى عالم الشبكات الرقمية المعقدة، ويبدي آراء ثورية رافضة للنظام الرقمي الشمولي. وسرعان ما يقتنع بأنه "مختار"، وأنه ليس كالآخرين، وأن قوة قدرية اختارته ليصبح مخلّص الأرض من هيمنة النظام الشمولي للكومبيوتر. الارجح ان الموضوع ليس مجرد ألفاظ وتشابه سطحي. فعبارة "أعمل نهاراً كمبرمج كومبيوتر" ليست الشبه الوحيد مع شخصية المخلّص نيو في فيلم "ماتريكس"! خلال حديث مطوّل مع مندوب مجلة "تكنولوجي ريفيو" الاميركية، الدكتور شيروين نولاند، استاذ الجراحة في جامعة يال الاميركية، لم يُخف أوبري اقتناعه الراسخ بأنه مختار بين كل البشر للتوصل إلى حل لمعضلة طالما فكر فيها الجنس البشري كله: الموت. الطريف ان نولاند نفسه وضع كتاباً في العام 1994، ذاع صيته لاحقاً، عنوانه "كيف نموت"، شرح فيه تفاصيل الاسباب الطبية الأكثر شيوعاً للموت، كما تساءل عن امكان تجنب تلك الاسباب أو علاجها بأساليب مجدية، مما يساهم في زيادة العمر المتوقع للبشر.

أوبري ليس اختصاصياً في علوم البيولوجيا. بدأ اهتمامه بالبيولوجيا بعد العام 1991، اثر زواجه من أدليد كاربنتر. في العام 1995، شرع بالاهتمام بعلوم الجينات، وخصوصاً ما يتعلق بظاهرة الشيخوخة. بعد أشهر قليلة، كتب مقالاً يفسر فيه بعض الطفرات الجينية ذات الصلة بعمليات الطاقة وانتاجها في الخلايا. نشر المقال في العام 1997، في مجلة "بيو اساي" فكان نقطة انطلاق شهرته وأساسها. في تموز من العام 2000، وصل إلى لحظة "الإكتشاف" التي يصفها بأنها استبصار ذاتي مفاده "ان الهرم يمكن وصفه كمجموعة من التغيّرات الصغيرة التي تتراكم لتصبح حالاً مرضية لأجسادنا... وتلك التغيّرات قابلة للإصلاح، مما يوصل إلى نفي الهرم عن الجسم".

يفضّل ان يصف نفسه كاختصاصي كومبيوتر علّم نفسه البيولوجيا. يثير هذا الامر الكثير من الاسئلة. والحال ان معظم الذين قابلوا أوبري لاحظوا ذكاءه الجم. سجّل نفسه في شركة "ألكور" التي يتلخص عملها في تجميد أدمغة زبائنها (وأحياناً أجسادهم)، باستخدام النتروجين السائل، في انتظار توصل العلم مستقبلاً إلى طريقة تمكن من "إعادة تشغيل" تلك الأدمغة المجمّدة (أو الاجساد) وبعث الحياة فيها مجدداً. يكرّر أوبري بعض العبارات التي تدلّ على شدة تمسكه بفكرة انه أوتي من القدرات الفكرية ما لا يملكه الآخرون. إذ نقلت مجلة "تكنولوجي ريفيو" عنه: "ان ما أفعله هو أن أرى ما لا يراه العلماء في العلم، ثم أطلب منهم البحث فيه"! ونقلت عنه المجلة عينها عبارة تلخص ما يدعو اليه، والطريقة الواثقة التي يعرض فيها أفكاره: "إذا تمكنت من العيش 110 سنوات، سيصبح لديّ الفرصة، بنسبة خمسين في المئة، لبلوغ عمر الألف سنة وأكثر".

يميل بعض المراقبين الغربيين إلى إدراج أوبري ضمن ظاهرة "المستقبلية"، التي تضم، كحال الكثير من الظواهر ذات الطابع السوسيولوجي والثقافي المركّب، أصواتاً شديدة التفاوت والتنافر. فمثلاً، يُدرج في تلك الظاهرة أسماء مثل مارفن مينسكي، عالم الذكاء الإصطناعي من معهد ماساشوستس، والاستاذ في جامعة كاليفورنيا جورج ستوك، ومجموعات هامشية مثل "انسان أفضل" و"ايكزوتروب"، وجاي أولشانسكي الاختصاصي في الجينات من جامعة شيكاغو، واختصاصي التغذية الاميركي تيري غروسمان، وراي كورزويل، الذي أطلق "الميدالية الذهبية للتكنولوجيا" في أميركا وغيرهم. والحال ان كورزويل كان أول من نادى بإمكان إطالة حياة الانسان لمئات السنوات وأكثر. ويدل الأمر على وجود تيار فكري عام، له علاقة بمسار المجتمعات المعاصرة، بمعطياتها ما بعد الحداثية والالكترونية.

ما الذي يقوله أوبري حقاً؟

الاسباب السبعة

يرفض أوبري اعتبار الشيخوخة جزءاً طبيعياً من حياة الانسان وتطوره. ويصرّ على وصفها بأنها مسألة أو مشكلة، يمكن ايجاد وسائل لحلها، مؤمناً بإمكان إصلاح ما تخربه يد السنين، منذ طفولته المبكرة. في العام 1991 تمكّن من الحصول على موافقة مجلة علمية للبيولوجيا على نشر مقال أول له، رغم عدم كونه إختصاصياً في ذلك العلم. وبعدها، نشر مقالات علمية عدّة، بمشاركة أسماء مرموقة، مثل بروس ايميس من جامعة كاليفورنيا، وليونيد غافريلوف وجاي أولشانسكي، وهما اختصاصيان من جامعة شيكاغو. انشأ أوبري لنفسه موقعاً على الانترنت gen.cam.ac.uk¡ سرعان ما تحوّل إلى نوع من المنتدى الدولي لتبادل الاراء والأفكار الجريئة عن إمكان الخلاص من الشيخوخة، في اعتبارها مرضاً، والوصول بالانسانية إلى حياة تدوم آلاف السنين، وربما... إلى الابد. في السياق نفسه، أسس برنامجاً سمّاه "استراتيجيات لأجل هندسة هرم قابل للحذف"، يعكس اعتقاد أوربري الراسخ بأنه توصّل إلى حصر مسببات الهرم، في 7 مكوّنات بصورة تامة وناجزة، ويقدم "رؤية" لحلها. ويمكن عرض تلك الأسباب السبعة وحلولها على النحو الآتي:

فقدان الخلايا واضمحلالها تدريجياً. ويرى الحل في حقن هرمونات نمو لإعادة تنشيط الخلايا، أو إجراء عملية حقن دورية لخلايا المنشأ، بعد تعديلها جينياً بحيث تنتج ما يُفقَد من الخلايا أو يهرم. لم يتوصل العلم إلى مثل تلك الآليات، بالنسبة الى خلايا المنشأ، فيما يثير استخدام هرمون النمو لمقاومة عوارض الشيخوخة اسلوباً معروفاً، لكنه يثير تحفظات علمية شتى، وخصوصاً لجهة آثاره الجانبية التي قد تتضمن تحفيز نمو خلايا سرطانية.

تراكم خلايا مضرة في الانسجة، مما يؤدي إلى هرمها، مثل ظهور التكلّس في المفاصل. ويرى الحل في احتمال توصّل العلماء مستقبلاً إلى طريقة ما تمكّن من التحكم في جهاز المناعة في الجسم بحيث يستطيع ان يخلص الجسم من تلك الخلايا المضرّة.

حدوث طفرات في الكروموزومات. يعبّر السرطان عن المظهر الأقوى لهذا النوع من الطفرات الجينية المرضية، حيث تؤدي إلى تكاثر منفلت للنوع من الخلايا، فتتحوّل سرطاناً. ويرى الحل في التحكّم بدورة حياة الخلايا، بحيث تكبح جماح تكاثر الخلايا السرطانية، فتتصرف كأنها طبيعية. وفي خطوة تالية، يجب استبدال خلايا المنشأ في الجسم كله، والتلاعب بهندستها الوراثية بحيث لا تنتج الجينات التي تتسبب بالطفرات المتصلة مع السرطان. من الواضح ان كل جزء من هذا الحل يبدو بعيد المنال، وأقرب إلى صيغ الأمنيات.

حدوث طفرات في الجينات التي تتحكم بالطاقة في الخلايا. وتظهر تلك الطفرات في بعض التركيبات الجينية الموجودة خارج النواة. ويقترح أوبري نوعاً من "نسخ ولصق"، على طريقة عمليات الكتابة في الكومبيوتر، بحيث تُنقل تلك التركيبات من جوار النواة إلى داخلها، من أجل حمايتها.

تراكم مواد مضرّة داخل الخلايا، كما يحدث في حال تصلّب الشرايين. ويقترح أوبري استخدام الهندسة الوراثية لانتاج جينات معدلّة تُحقَن في الجسم، بحيث تعمل على التخلص من تلك المواد.

تراكم مواد مضرة خارج الخلايا، وخصوصاً في السوائل التي تحيط بالخلايا. ويرى الحل في ان يكتشف العلماء مستقبلاً لقاحاً ما، يستطيع ان يجعل جهاز المناعة قادراً على تخليص الجسم من هذه المواد.

حدوث تشابكات بين أنواع من البروتينات خارج الخلايا، بحيث يصبح النسيج الذي تعيش الخلايا فيه قاسياً وغير مرن، مما يولّد أمراضاً مثل ارتفاع ضغط الدم. ويرى الحل في احتمال توصل علماء المستقبل إلى صنع مواد كيميائية تقدر على فك ذلك التشابك، من دون إحداث أضرار جانبية لخلايا الجسم وأنسجته.

وتأسيساً على ما يدعيه من حصرية تلك الاسباب وشموليتها، وكذلك إصراره على أن مقترحاته النظرية، أو تأملاته، كفيلة إعطاء البشرية جمعاء الوسائل التي ربما تعين البشر على العيش آلاف الأعوام، أو ربما الخلود، وإذ لا يراوده أدنى شك في صحة آرائه، يعتقد جازماً ان تلك الوسائل يمكن ان تتحقق خلال الـ25 سنة المقبلة. هل مجرد "مصادفة" ان تلك الفترة التي يضعها أوبري نصب عينيه، هي المرحلة التي ستشهد وصول الموجة الأولى من جيل الكومبيوتر في الغرب (نموذج بيل غيتس) إلى خريف العمر، حيث يصبح الهجاس بالشيخوخة هائلاً، كعنصر نفسي؟ من الملاحظ ان هذا الجيل يحوز ثروات كبيرة، لانه عايش فورة العولمة وشارك في صنعها. ويتمثل الشق الآخر من تلك "المصادفة" عينها ان الربع قرن المقبلة هي الفترة التي سيعبر فيها جيل "أطفال النهوض الاقتصادي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية" (نموذج بيل كلينتون)، الذي يسمّى بالانكليزية "بايبي بومرز"، إلى سن الشيخوخة المتأخرة و... الموت. جيل "بايبي بومرز" هو الأول في البشرية المعروفة، أظهر مقاومة عالية للجسد الشائخ، مع التمسك الهائل بالجسد الشاب. مرّ الجيل نفسه بكل ما تحفل به اللحظة الراهنة من ثقافة استمرار الشباب وديمومته، ومن أمثلتها التمارين الرياضية للحصول على الجسد الدائم الشباب (جين فوندا، كانت أول من صنع شرائط الفيديو عن الرشاقة للحفاظ على شباب الجسد، في ثمانينات القرن العشرين)، والهُجاس بالرشاقة والأنظمة الصحية (نموذج الإنتشار الذريع لأساليب التنحيف، مثل حمية إتكنز، وذيوع صيت بعض الاطباء لمجرد القول انهم توصلوا إلى حميات تضمن شباب الجسد مثل الطبيب الاميركي الهندي تشوبرا) والاستعمال المتوسّع لوسائل تقنيع شيخوخة الجسد، كحقن البوتكس والكولاجين وغيرهما من وسائل إزالة التجاعيد، والتسييد البصري للأجساد الرشيقة لعارضات الأجساد (نموذج الشهرة الضاربة للثلاثي كلوديا شيفرز وسيندي كراوفورد وناعومي كامبل). ويمكن إعطاء تلخيص مكثّف عن الثقافة السائدة لجيل "بايبي بومرز"، وميله لاستخدام علوم الطب في درء شيخوخة الجسد وملاحقة شبح شبابه، بـ... الفياغرا، تلك الحبّة الزرقاء التي تكثّف التقاطع بين علوم البيولوجيا ورواج ثقافة الخوف من الشيخوخة، أو بالأحرى محاولة استدجانها في جسد يستمر في شبابه أطول زمن ممكن. في هذا السياق، يغدو لافتاً قول أوبري لكثير من محدّثيه: "إذا حصلت على تمويل مقداره 100 مليون دولار، في امكاني التوصل إلى طرق لجعل فأر ما يعيش ضعف عمره الاعتيادي... يحتاج ذلك مني إلى عمل لعشر سنين أو أكثر، لكن أقل من عشرين سنة". ويعتقد ان انجازاً كهذا يمكنه إعطاء دفعة قوية لعلم دحر الهرم والشيخوخة، والتوصّل للخلود.

أسئلة أساسية

إلى أي مدى يعكس أوبري التغيير الكبير الذي يمارسه الكومبيوتر على الأنماط العلمية؟ إمكان الوصول إلى المعلومات، التي يُعاد انتاجها لكل من يصل إلى قواعد البيانات المطلوبة، يطرح سؤالاً عن مدى قدرة الأفراد على اتباع وسائل غير تقليدية للتعلّم. في الوقت نفسه، تثير تساؤلاً: هل يؤدي الامر أيضاً إلى تفاقم ظاهرة "الادعاء العلمي"، بفعل القدرة على الاتصال بعملية إعادة انتاج المعلومات والنصوص؟ وما هي المرجعية في هذه الحال؟ هل باتت موضع اهتزاز، كما يوحي تشابهها الكبير مع عمليات المحاكاة وإنتاج النسخ المطابقة في الكومبيوتر، أم ان مسألة المرجعية قيد عملية إعادة تعريف؟ في المقابلة المطولة التي أجراها نولاند معه، وتضمنت 6 ساعات من النقاش المتواصل، لم يتردد أوبري في وصف نفسه بأنه رجل أفكار، مشدّداً على انه متفرّد، يملك قدرات خاصة تتيح له قراءة مجريات العلم، والتوصل إلى استنتاجات يرى انها يجب ان تصبح أساساً لعمل علماء العلم، الذي لا يشارك في انتاجه أصلاً! لم يجد نولاند، رغم إعجابه بذكاء أوبري، بدّاً من القول إن حججه تبدو متماسكة ظاهرياً فقط، وانها تفتقر إلى الأدلة المنطقية والعلمية والعملية، وقارنها نولاند بالخطب التي يروّج لها دعاة الأفكار الخاصة. يسهب أوبري في التدليل على تمكنه مما لم يتعلمه بصورة أكاديمية. ويلاحظ نولاند انه ينظر إلى الجسم البشري كآلة ميكانيكية، يمكن استبدال قطعها التالفة، فيما تدل البداهات الأولية في علوم البيولوجيا (وكذلك الطب) إلى بُعد الجسد الانساني عن صورة الآلة الميكانيكية. غني عن القول ان ظاهرة الحياة البيولوجية أعقد كثيراً من الآلات الميكانيكية، إضافة إلى انها غير مفسرة علمياً أصلاً. يجدر التوقف عند هذه النقطة: غموض ظاهرة الحياة. فالعلوم عموماً تميل إلى القول بصعوبة فهم ظاهرة الحياة وتفسيرها. يمكن إعطاء ما لا ينتهي من الأدلة على ذلك. وكمثال، يمكن الرجوع إلى المؤتمر الشهير الذي استضافته كلية ترينتي في جامعة دبلن (1993)، "ما هي الحياة؟"، وجمع اختصاصيين عالميين من علوم شتى، من البيولوجيا والجينات إلى الرياضيات والفيزياء والكيمياء، ناقشوا ظاهرة الحياة، انطلاقاً من التقدم في علم الجينوم البشري. صدرت أعمال المؤتمر في كتاب حمل عنواناً فرعياً له دلالة: "تأملات في مستقبل البيولوجيا"، وحاول تلمس موقع أولي في التفكير العلمي: أي التأمل في موقع الأفكار العلمية بالنسبة الى موضوعها. في العودة إلى آراء أوبري، يلاحظ انه غير متنبّه الى هذه النقطة التي تعتبر أولية. لا يفكر فيها، على الأرجح لشدّة تمسكه بأفكاره نفسها واستغراقه فيها. ثمة نقطة مقلقة في أفكار أوبري: تجاهلها سيولة العلم نفسه ومتغيّراته. لنأخذ مثلاً، فكرته عن الاسباب الحصرية السبعة للهرم. لنضرب صفحاً عن التفاصيل العلمية، وعن أن للهرم والشيخوخة والموت أسباباً أعقد مما يورده في نقاطه تلك. لنتجاهل موقتاً ان وصفه لتلك النقاط يميل إلى تبسيط هائل، والى تعميم تفاصيل جزئية على الصورة العامة. لنفترض جدلاً انها صحيحة، يصعب علمياً وصف شيء ما بأنه صحيح، من دون وضع حدود لمدى صحة تلك المعطيات. يميل العلم إلى التغيير. يدلّ تاريخ العلوم على التبدّل والحركة أكثر بكثير من الثبات. أقل شرط ممكن للمعرفة العلمية هو القول إنها أفضل ما نعرفه راهناً والآن. لنأخذ مثالاً معاصراً من علم البيولوجيا: الجينوم البشري. عندما يبيّن العلماء الخريطة الكاملة لتركيب الجينات البشرية، سيبدو واضحاً انها تتضمن أشياء كثيرة لم تكن في حسبانهم، أي أن المعطيات التي عرفوها طويلاً ووثقوا بصحتها، بل واستعملوها في التعرّف إلى الجينوم عينه، أُحبطت بسبب الجينوم عينه! فالمعروف ان العلماء قدروا عدد الجينات بأكثر من مئة الف، وأحياناً قدّروها ببضعة مئات. وعند التعرّف فعلياً على تركيب الجينوم، فوجئوا بأن عدد جينات البشر هي ضمن حدود الثلاثين الفاً. لم تصمد المعطيات العلمية عن الجينات أمام الزمن والاختبار. كيف يمكن الوثوق ان ما نعرفه راهناً عن علاقة الجينات بظاهرة الشيخوخة، وهي معطيات لا تزال في بداياتها، لن يثبت انها ضعيفة، إن لم نقل مخطئة، في هذه النقطة أو تلك؟ كيف نضمن ان الزمن والاختبار لن ينالا مما نعرف عن الآليات الجنينية للشيخوخة ولوهن الجسم؟ فضلاً عن ان الشيخوخة جزء من ظاهرة الحياة، وخصوصاً كما لدى الكائنات العليا المعقّدة التركيب، فإذا كان العلم غير واثق من معرفته سر الحياة، فكيف يمكن الاطمئنان إلى ان ما نعرفه عن جزء منها، يمثل حقيقة لا تهتز ولا تُنقَد ولا يطاولها التغيير؟ ليس من المستغرب، والحال كهذه، ان يعبر الاختصاصي في علم الجينات، جاي أولشانسكي عن رأيه بمقولات أوبري بعبارة ذات دلالة: "انها ليست من العلم، انها تعالٍ". خارج مجال البيولوجيا، يميل الرأي إلى القول بأن العلم متغيّر دوماً. لا تصمد النظريات العلمية طويلاً، الا بمقدار ما تستعمل لتثبت انها قابلة للنقد والنقض. يحضر إلى الذهن القول الشهير للفيلسوف الالماني كارل بوبر: "العلم قابل للنقض، ما لا ينقض ليس علماً". لماذا استحضار هذا المنحى في نقاش أفكار أوبري؟ لأن افكاره واقتراحاته تبدو مقذوفة إلى المستقبل، بطريقة شديدة القوة، كأن تلك المعطيات لن تتغير ولن تتبدل في ذلك المستقبل! ههنا، تغادر الأمور تفاصيلها، لكي تصل إلى التعالي، بالمعنى الفكري، عن الحاضر وعن الملموس والمعيش وعن المغامرة الكبرى للعقل الانساني في اكتشاف الكون، بما في ذلك الانسان وعقله ونفسه أيضاً. من قال لأوبري ان العلم لا يتغيّر، وان ما نعرفه الآن سيبقى كذلك بعد عشرين سنة أو عشر، أقل أو أكثر؟ يحضر أيضاً ان النظرة المتعالية للعلم، كثيراً ما قادت إلى... الموت المريع للانسانية. أصر العلماء الالمان، في مطلع القرن العشرين، على انهم يستطيعون انتاج "الانسان الكامل" (تلك اللعنة المنقولة من هيمنة فلسفة نيتشه)، فأعطت آراؤهم سنداً للنازية، لمحارق أوشفيتز وداخاو بدعوى التخلص من الأجناس الضعيفة والسيئة. يجدر التفكير بتلك الامثولة، التي يعرفها الغرب جيداً لذا يصفها باسم "العقلانية المتوحشة". ثمة مثال آخر، يأتي من المسار المؤلم لأفكار كارل ماركس عن المادية العلمية. فرغم الجهد النقدي، أوصل التمسك بفكرة ان قوانين العلم أُكتشفت عبر المادية العلمية والديالكتيك، إلى مأساة تحوّل الفكر الماركسي إلى ايديولوجيا شمولية. ثمة "ايديولوجيا" منتشرة في التفكير المعاصر: الجسد الشاب، لعل مقولات أوبري من الأدلة عليها، بل لعلها من إنتاج انتشار تلك الايديولوجيا المثقلة بالوعد - الوهم عن الشباب المطلق والحياة الخالدة.

إلى أي مدى تتأثرت أفكار أوبري، سواء في ظهورها أصلاً أو في تطورها لاحقاً، بزواجه من الاميركية أدليد كاربنتر، التي تبلغ راهناً الستين من عمرها؟ يثير الأمر اسئلة عما "تزوج" في ذلك الزواج: الحب، الذي في امكانه عبور الحواجز بين الأجيال، أم شيء آخر؟ كيف يمكن ان نصف لقاء شاب متصلب التفكير، يملأه زهو داخلي مكبوت، كما يظهر من ترسخ فكرة امتلاكه "قدرات خاصة" (بمعنى التفوق) لا يملكها غيره، مع انسانة تسير الهوينا إلى شيخوخة باردة، ملؤها الوحدة؟ ما الذي تبادله هذان الشخصان؟ كيف تفكر انثى حيال رجل من نوع أوبري، يملك طموحاً هائلاً، واعتداداً بالنفس شديد الضخامة، وميلاً للاستهانة بالآخرين واستصغار شأنهم؟ ثمة تعال هائل في شاب يبحث عما يعتقد راسخاً انها مهمة قدرية له وحده، وأنه استثنائي في وجوده. كيف تتصرف من فارقت عمر الشباب والكهولة، عندما ترى فرصتها الأخيرة في شاب من نوع أوبري؟ ما الدور الذي لعبه ذلك الزواج في الوضع الراهن لأوبري؟ هل انه سار نحو الزواج بدافع من التقاط "فرصة ما" لصنع شهرة مدوية؟ هل استعملت خبرة سنواتها الطويلة في العلم، لتدله إلى الامكنة التي ستصبح معبراً لصبواته؟ هل وضعت يده على "الخاصرة الرخوة" في علم الجينات الذي أفنت عمرها، وشبابها وكهولتها، في مختبراته؟ وفي تلاشيها خلف إدعاءات زوجها، تبدو كأنها "الظل القاتم" للصورة المتوهجة التي نجح في صنعها. انها نقيضه: تعرف العلم الذي تتحدث عنه، تعملته بطريقة أكاديمية قوية، تمرست طويلاً في العمل المباشر بين العلم ومادته، كما تعكسها التجارب العلمية العميقة. هل مثّلت يداً خفية في المقالة الأولى التي أرسلها زوجها الشاب إلى مجلة علمية مرموقة، ليبني عليها لاحقاً معظم شهرته؟ ما الذي حدث ولا يزال يحدث بين هذين الزوجين؟

 

أحمد مغربي - (ملحق النهار)



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri