أمريكا
العصور المظلمة..
رؤية
متجهمة عن أمة في آخر أيامها
هذا نوع من الكتب التي
تتسبب باطلاق اسماء سيئة على اليسار ففي كتابه "امريكا العصور
المظلمة: الطور الاخير للامبراطورية"، يقدم المؤرخ الثقافي
موريس بيرمان بتقديم خطبة ذم طويلة من طراز خطب سينغلر، وهذه
الخطبة تجعل من مايكل مود مطلق الهتافات الامريكي. وتصف امريكا
بانها "ارض قاحلة" ثقافيا وعاطفياً، وانها تعاني من "موت روحي"،
ومصممة على تصدير قيمها الزائفة الى مختلف نواحي العالم بفوهة
البندقية. وهي جمهورية انقلبت الى امبراطورية دخلت في عصر
ظلامي جديد ووصلت الى حافة الانهيار في صورة مشابهة للامبراطورية
الرومانية.
ويرى السي بيرمان ان
الهجوم الارهابي في 11/9 كان مأساة، لكنه المردود الذي لابد
منه لسياستنا الخارجية. ويقول عنه "ما يدعى بالهجوم على الحضارة"
ويتساءل ان كانت امريكا حقيقة النموذج المثالي الذي يحمل الحضارة
الاصلية مثلما كانت قبل ستين عاماً". ويمضي الى القول الى
ان الامريكان شعب احمق وجاهل وقاس وطماع ولذا فانهم "حصلوا
على الحكومة التي يستحقونها". وهذا كله تكملة لنمط الكتاب
الذي اصدره السيد بيرمان عام 2000 "غسق الثقافة الامريكية"
الذي وصف الشعب فيه بانه مجتمع يعاني من اختلال وظيفي عال
ومبتلى بعدم الاكتراث ويشك بوجود الخير ويميل الى الانعزالية
والنزعة الاستهلاكية العالية.
ويبدأ كتاب "امريكا
العصور المظلمة" بنبوءة متجهمة من الانحدار والسقوط، ذاكراً
اربع سمات تشترك فيها الولايات المتحدة الحالية مع الامبراطورية
الرومانية الاخيرة. وهذه السمات هي: "انتصار الدين على العقل"
و"انهيار التربية والتفكير النقدي" و"اضفاء الشرعية على التعذيب"
واخيراً "فقدان الاحترام والقوة المالية على المسرح العالمي".
وبدلا من تفسير الحالة
بتحليلات عقلانية متمهلة، فان السيد بيرمان يسمح لروايته بالانزلاق
الى التبجحات ضد كل ما هو امريكي. ابتداء من السياسة الخارجية
الى عشق الامريكان السيارات والوجبات السريعة والتلفزيون والهواتف
الخلوية والمجمعات التجارية. ومن قرار بوش بالذهاب الى الحرب
في العراق الى احتفالية الامة الامريكية بالفردية والمشاريع
التجارية الحرة. ان كتاب "العصور المظلمة" قد انقلب من نقاش
متماسك الى توثيق مجموعة من الشكاوى (بعضها يستند الى ارضية
صلبة، وبعضها الآخر مخادع مثير للشفقة) ويعتمد على جني كتاب
وذوي خبرة آخرين.
وكثير من اجزاء الكتاب
تقرأ وكانها تلخيصات او تعليقات تخص كتبا اخرى وبضمنها كتب
تعتمد النقاش ككتاب روبرت بوتنام "لعب البولنغ وحيداً" وكتاب
صمويل هنتنغتون "صدام الحضارات واعادة صنع النظام العالمي".
اضافة الى كتب اقل شهرة مثل كتاب "تراجيديا الدبلوماسية الامريكية"
لمؤلفه ويليام ابلمان ويليامس.
وفي هذا الجزء من الكتاب
اعتمد بيرمان نبرة المنافق المتظاهر بالتقوى، عارضاً تنازله
وكرمه وكان بعض المتنورين فقط سيفهمون ما يقول. وهو قدري معتد
بنفسه، ويصدر تعميمات غير مبالية بالنقاش السياسي داخل البلد.
وقد كتب "ان الفارق بين الولايات الزرق والحمر لايعني الشيء
الكثير" ويضيف "لان انتخاب جون كيريما كان ليبدل من نهج الامة".
واغلب كلماته اللامبالية
تتحفظ فيما يخص الرئيس بوش، لكنه في الحقيقة لا يجد فارقاً
كبيرا بين السيدين بوش وكلينتون، فهو كما يرى ان سياسة كلينتون
الامبريالية كانت اكثر رحمة ومن النوع المهذب. ويبلغ فشل السيد
بيرمان ذروته في عدم تفريقه عند ادانته كل ما جرى "للعرب والسوادانيين
والافغان وصدام حسين بالطبع" على اعتبار انهم اناس "نحن لا
نحبهم" وقد تمت معاقبتهم باستخدام القوة الامريكية. ويصل السيد
بيرمان الى اوسع عمومياته عند شجبه الثقافة الامريكية مستنداً
الى ادلة نادرة الحدوث. فهو يستشهد ببعض الامور المتفرقة التي
تعرض على التلفزيون او تذاع من الراديو وربما يسمعها ككلمات
محلقة في الحانات. وكل ذلك لدعم اصراره بان "النقص في المعرفة
الاساسية قد وصل الى حدوده القصوى في الولايات المتحدة، حتى
ان المرء ليعجب ان كنا نتكلم عن الجهل او عن الغباء الواضح".
وبهذا الصدد يستشهد السيد بيرمان بواقعة الموظفة في طاقم البيت
الابيض التي نامت مع عدة رجال في نفس الوقت ثم قامت بعرض تسجيل
لمجونها على شبكة الاتصالات، مجسدة بذلك "مزاجية الشعب العلمانية
المسيطرة على الولايات المتحدة المعاصرة، والتي تنشد المتعة
فقط.
وكتب السيد بيرمان
"الميزان صاعد نازل في الولايات المتحدة، نقص في التعاطف،
والعجز الفطري في تصور مقدار الم وحقيقة الآخرين يحز في العظم"
ويشير الى ما يسميه "الكره الامريكي للحرية".
ويصر على ان "نظام القيم
لدى 90% من الشعب الامريكي (وفق تقديرات محافظة) والذي هو
في مرحلة الانحدار منذ عقود، قد استبعد عددا من الخيارات الاساسية
بالنسبة لمجتمع صحي، وعلى صعيد معين فان المرء قد يقول ان
امريكا سلبت الحب من مواطنيها واعطتهم بدلا من ذلك مجموعة
من الادوات الصغيرة وهو ما يعتبره اكثرهم صفقة ممتازة".
وكم هي جزافية وتنم
عن سوء مزاج شكاوى السيد بيرمان التي تحط من صلاحية النقاط
حول الدور في حرب العراق والذي ساهم في اثارة الارهاب، اضافة
الى الاثار الاخلاقية للتعذيب في ابي غريب ومخاطر تفاقم العجز
الاقتصادي والتوسع الكبير للقوات المسلحة. لكن هذا الكره الواضح
لكل الاشياء الامريكية، سيجعل الامريكان يعطون منظري الجناح
اليميني من امثال بيل اوريلي وان كولتر فرصة كي يقوموا بمعاقبة
المواطنين (بطليهم بالزفت ثم تثبيت الريش فوقه) من الذين لا
يشاركون السيد بيرمان احتقاره هذا البلد، لكنهم يشاركونه القلق
بسبب الحرب في العراق وسياسات بوش الاخرى.
- تأليف: موريس بيرمان
- عرض: ميشيكو كاكوتاني
- ترجمة: عبد علي سلمان
(نيويورك تايمز)