قصيدة
ممكنة عن الضاحية
لا أعرف شاعراً كتب
قصيدة عن الضاحية ولا أظن ان قصيدة تغني دمارها ممكنة، سنقرأ
بالطبع قوافي وأوزاناً لكن من ينتبه. العيون التي فتحتها الصواريخ
في المباني ستبقى لفترات طويلة ذات نظرة رهيبة لن يستطيع الشعراء
مقابلتها. لن يعرفوا ماذا يفعلون بضلع إسمنتي مكسور. كيف يرون
جناحاً باطونياً هاوياً. كيف يتأملون تلك المجلدات الحجرية
النائمة على بعضها بعضاً. سيخافون اكثر من هذه الديناصورات
المعمارية التي اختفت بدون صراخ. ولن يستطيعوا بالطبع ان يجدوا
قافية لأوذيسه الردم التي لا تنتهي، لتسونامي الردم وموجاتها
المقلوبة على بعضها. للقلوع المهتزة في اعالي البنايات وللأسمال
الحجرية التي تنازع فوق ولليباب الهائل الذي ظهر فجأة. سيفزعون
اذ يسمعون النداءات التي لا تزال تغرغر والتي تحولت الى نشيد
حجري أصم. سيفزعون لأن الموت لا يزال اخضر هنا ويمكن ان ينفجر
فجأة كربيع جنوني، لأن شيئاً يمكن ان يدب في هذه التجاويف
القمرية، شيئاً من الروح يمكن ان يسري في هذا الكوكب المنهار.
اين نجد قافية بهذا الحجم يقول شاعر اعتاد على ورد الجنائن.
اين نجد وزنا لهذا الزلزال. سيفتش شاعر بحق عن عشبة في الشقوق،
عن منديل وسجادة مهدبة، عن مسبحة وعصا مكسورة، اذ ان حساب
الزلازل والانفجارات الكوكبية وهيجانات الطبيعة امور لا مفردات
لها.
يمكن للشعراء ولغير
الشعراء ان ينتبهوا الى ان هذه المدينة غير المسماة، والتي
تكلمت غالباً بمقاييس وأحجام هائلة، لم يسمعها أحد، ولا نعرف
اذا كانت خاطبت الشعراء او فكرت بهم. هذه المدينة غير المسماة
لم تطلب كلمة من الشعراء وحين كان عليها ان تختار وجدت الكلمة
التي فقدت من قاموسهم. لم تكن المسألة مسألة كلمات. كانت كراهية
الأم الاولى والأم الثانية وانكسار الأب مركب عذاب تداوى خفية
عن الجميع، بالنسيان كانت الغيبوبة العظيمة وفي الغيبوبة وربما
منها ولدت جبال من حجر وإسمنت، وُجدت عمالقة وأطنان من الركام،
قامت مدن بادعاء مدن اخرى ومن أكاذيب مدن اخرى ومن خداع بريق
مدن ثانية. في الغيبوبة وجد واقع متأخر عن نفسه بسنوات ضوئية،
لا لغة بالطبع لأمكنة ولدت من انفصالات لا تحتمل آلامها إلا
بانفصالات ثانية. من تروما لا تداوى الا بقدر من الاختفاء.
كنا غير مسمين على أرض غير مسماة نعيش في هذا اللا مسمى لنكره
مدنا اخرى، لنعبد مدنا اخرى. ليس لنا قبَل بأم ميتة ولا جنة
بدأت كأم، بأب انهار عقاله وشاربه قبل ان يغدو هو نفسه أبا.
كنا فجأة آباء انفسنا ورجال انفسنا وبكراهية لحنان عاجز وعذاب
برجولة مزدراة. الاسم المفقود غدا لا مسمى والعالم المكروه
غدا شاغرا. كنا فائض مدن وفائض حياة وفائض بشر وفائض زحام
وهنا حيث لا سحنة لأحد كان علينا ان نتنقل بلا وجوه في سديم
غير معلم ولا محدود. هنا لا شيء سوى مكان بين امكنة، قامت
اسواق الضرورة ومدارس الضرورة ومآذن الضرورة ولم ننتبه. لم
يوجد شيء لأجل ان نبصره. لم يكلمنا شيء، سوى عشبة في رؤوسنا،
سوى سمندل غريب انتسب لنا من طرف العالم.
لم يكتب شاعر عن الضاحية،
هل يمكن لشاعر ان يقول شيئا عن مساحات مهدمة تحتاج الى توبوغرافي،
الى فلكي، الى مخطط مدن، الى سينمائي، الى كومبيوتر اكثر منها
الى شاعر. إنه ركام على ركام، وسهول ركامية. هل ننحرف فنتكلم
عن جمال هنا، أم ان الركام الحقيقي على لساننا. اذ في هذه
الغيبوبة المديدة لم توجد مفردة ولا سحنة ولا هيئه لهذا الذي
استحال الآن ركاماً. هل نتكلم عن تاريخ مفقود لم نشعر به إلا
ونحن نراه منهاراً. هل نتذكر الآن ما مر بوصفه تكرارا لا يذكر.
هل نفكر الآن بلغة لما لم نعطه اسماً ولا أوصافاً، لنر على
الأقل. لنبصر على الأقل الحياة التي لم نعترف بها، الإنشاءات
الهائلة التي اعتبرناها فقط مضادة للعمران، الأحياء التي مللنا
من ان لا نستطيع مغادرتها وغادرناها دائما بالروح والفكر.
لننظر الآن، من صنع كل هذا الركام الذي لم نتخيله احياناً
كثيرة إلا ركاماً. لننظر لقد كانت هنا بالتأكيد تفاصيل وأوقات
وأشياء صغيرة قبل ان يغدو كل شيء مقاسات جهنمية. لنبحث الآن
وسط كل ذلك عن عشبة بين الشقوق، عن دمية، عن مسبحة، عن عباءة،
عن مكحلة، عن ادوات زينة. كان هذا هنا بالتأكيد، انه يلمع
بالكاد فوق التراب، لا تحسبوه دموعاً، لا تحسبوه خداعاً صيفياً.
كان هنا نساء جميلات وغير جميلات، رجال رائعون وغير رائعين،
اطفال وأطفال تتكرر ضحكاتهم في المنازل، كان هناك بخار شاي
وبخار حساء ومخادع تصيح بالرغبة وصبايا اجمل من العنقود. كان
هؤلاء هنا وقد زالوا الآن فهل يمكن اختراعهم. هل هناك آلة
للذاكرة تعيدهم صوراً أو اوهاماً أو افكاراً أو أغاني أو أساطير.
هل هناك ما يمكن ان نسميه مركب الغياب، مرض الواقع، او مرض
الذاكرة او المخيلة، مرض كراهية الامهات او العجر عن رؤيتهن
كادحات وبائسات، ومرض اللغة نفسها. هل ستقول لنا جبال الاحجار
والركام هذه مزيداً عن انفسنا، هل نجد إلا ركاماً في دواخلنا.
الحياة والزمن واللغة شقع لا غير.
نتعجب ونحن نرى هذا
الركام او لا نراه مجدداً. نتعجب فقط من الهول لكننا لا نبكي،
دمعة الندم اذا وجدت ستكون اكبر من صخرة وستسحقنا. ربما سيكون
لنا، في الألف القادمة درس ان نكون اسوياء. ان نحب امهاتنا
جميلات وغير جميلات، ان نحب انفسنا ولا نسقط تحت نرجسية رجولتنا
المزدراة، ان يكون لنا بيت وموطن وحياة.
مثل كل الناس، الذين
عاشوا في الضاحية او لم يعيشوا كان لي شيء في الضاحية، اصل
ليس له ذكر ولا سحنة ولا يعد بين الاصول. كان هنا الكلام الأميري
والمائدة والمنادمة والمغامرة اليسارية ولائحة الرجال وعبق
دخانهم والحريات غير المسماة وحب الزحام والتيه والدوران في
الشوارع والحارات والناس والضيافة. كان لي شيء هنا، قميص هنا،
جلد هنا، كان مقدرا ان ننسى الضاحية لنغدو رجالا، كان مقدراً
ان نكرهها بدلاً عن أنفسنا، كان مقدراً ان نخجل بأكثر ايامنا
رغبة وحرية وطلاقة كجزء من مرضنا مع الواقع. لم نعد كثيراً
الى الضاحية، بعضنا صار يتكلم عن الزحمة والحفر وأشياء اخرى،
لقد دخلنا في نسيان متبادل وعزلة متبادلة. كانت عدميات تولد
من عدميات، لا داعي للندم. الركام والردم يقعان ايضا في ذاكرتنا
ودواخلنا. لنواصل فقط جرح حياتنا، مرض الواقع هنا حيث يمكن
للبؤس ان يتحول اسلوبا، حيث تعلمنا فكرة صحيحة عن الشفاء.
لا احد يطلب كفارة، لأن الأبواب لا تطرد أحداً، لأن لنا دائماً
شيئاً اول. ليس فقط عندما نموت، ليس فقط عندما يموت اصدقاؤنا.
لنا بريد الوحل وجماليات الزحام، لنا اسماء على الأحجار وأحجار
وقعت كأسماء. لنا فائض الحياة وفائض الباطون، حيث الجدران
لا أم لها، حيث الجدران لا تكون عائلة. لنا البيوت التي لا
تضيق والأبواب التي لا تطرد أحداً. لنا شيء تركناه في وسط
الجريدة، في منتصف الغرفة، في اول الزجاجة. لنا منازل تُصنع
بكرسي وموائد تُنشأ من طبق واحد، لا أحد يطلب كفارة في هذا
المكان الذي هو حياتنا، والأبواب لا تطرد أحداً.
عباس بيضون