حول رواية "يوم الدين" لرشا الأمير قراءة الجسد في الخطاب الديني

بروايتها "يوم الدين" (1)، وهي في جزءين، ساهمت الأديبة رشا الامير في تعزيز النقلة النوعية الجديدة في الكتابة الروائية اللبنانية العائدة الى ثمانينات القرن المنصرم. تركت رشا الامير بصماتها ايضا في الخطاب الروائي النسائي، وما استخدام مصطلح "النسائي" هنا الا تمييز له عن مصطلح "النسوي" الذي توصف به احيانا الكتابة العائدة الى النساء على اختلاف خطبها ورؤاها، حتى من دون التدقيق في المضمون الثوروي او التقليدي للخطاب الروائي حيال قضايا المرأة والمجتمع. لذا آثرت البدء في توضيح هذا الفارق منعا للالتباس الذي غالبا ما تقع فيه بعض القراءات النقدية، باسقاطها مفهوم "النسوية" على كتابة النساء وفقا لمعيار وحيد هو الانتماء النوعي او الجذري للكاتبة. ولئن شكلت "يوم الدين" اضافة نوعية على الكتابة الروائية اللبنانية بعامة، والكتابة النسائية بخاصة فلأنها احتوت على جديد من حيث مستوياتها التركيبية والدلالية واللغوية كافة.

بلغة تراثية مشغولة في مهارة ينهض القص على لسان راو ذكر يشرف على الاربعين يستعرض ولادته الثانية-الثقافية المجازية - من رحم امرأة حبيبة. ولما كان هذا الذكر شيخا ذا اصول ريفية ترك وظيفته في وزارة اوقاف بلده ليستقر في بلد شقيق كامام مسجد وكخطيب ومدرس، غدا استخدام هذه اللغة التراثية مبررا، ولا سيما ان الشيخ الراوي تعدى مسألة السرد الى كتابة ما يرويه.

مع فعل الكتابة هذا، بكل ما ينطوي عليه من تعرية للذات ومراجعة لها تنحو بالكتابة الى ادب الاعتراف، ارتقى خطاب "يوم الدين" بالذاتي نحو الاجتماعي. ولادة الشيخ الشاب التي تمت على يدي المرأة الحبيبة راحت تحيل على بعض عناصر التراث الاسطوري التي تحفظ دور المرأة في انسنة الرجل. ومن ذلك، مثلا، ملحمة جلجامش، حيث عبر انكيدو الصنديد، اله الحرب والصيد، الذي يكسو جسمه الشعر ويجهل الناس والبلاد ويأكل العشب ويتدافع مع الوحوش، "من التوحش الى الانسنة ومن البهيمية الى الحكمة ومن البأس الى الحنو" (2) بفضل المومس شمخة التي اتصل بها انكيدو ستة ايام وسبع ليال متواصلة.

الشيخ، بطل "يوم الدين"، لم يكن متوحشا في المعنى الاصطلاحي للكلمة، بل شخصية منطوية. لكن العشق روضه، قضى على تلعثمه الداخلي حتى اضحى اكثر قدرة على التعبير الشفهي (راجع ج1/ ص30/31)، ومن هنا اكتسابه احدى الخصائص التي تمرست عليها النساء، والمقصود التعبير الشفهي، نتيجة حرمانهن التاريخي من الكتابة وتخصيص الكلام لهن في مقابل تخصيص الكتابة للرجال.

انطواء الشيخ على علاقة بتربيته الريفية الصارمة التي عودته ان يكم عواطفه. عواطفي، والكلام للشيخ بطل الرواية، "اكمّها بما انشئت عليه من رجولة بائسة" (ج1/ص23). اضف الى ذلك حساسية موقعه، لاحقا، كرجل دين، غير ان عشق هذه المرأة، وهي من مواطنات البلد الذي استقر فيه الشيخ، اكسبه سلاسة طباع وليونة خلق لم يعهدهما فيه المقربون منه. عشق هذه المرأة جعله يعي معنى الحرية، اذ لم يكن يدرك قبلا معنى ان يكون المرء مسلوب الحرية لأنه لم يعتد تلك الحرية اساسا، وما شعر بها يوما. مع امرأته احس برجولته المفقودة اذ ادرك معنى المتعة، وهي متعة لا تمت بصلة الى تلك الناجمة عن قضاء حاجة سريعة وعابرة مع نساء يثرن الشهوة او مع مومسات. فباعتراف الشيخ نفسه، لا تعدو هذه المتعة ان تكون متعة من هو في غيبوبة الحواس. اما المتعة الحقيقية فلا تعني "جسدين عاريين في فراش واحد" (ج2/ص166).

ولعل المفارقة الكبرى في حياة هذا الشيخ الورع التقي والمؤمن، انه تقرب اكثر الى الله بفضل عشقه. كأن عشق هذه المرأة علمه الحياة. "علم التوحيد - يقول - سلبني الله الذي رأيته في بديع خلقه واحببته دونما مساعدة من احد، وحياتي قبلك قبّحت لي الحياة وسلبتني الشوق اليها... الله لم التق من يرده علي او يردني اليه بل ما التقيت الا بمن نأيت بنفسي، في سر نفسي، ان اشترك في الله معهم، اما الحياة بمن ردها علي وردني اليها وكان ذلك انتِ" (ج2/ص57_).

ولئن تدرج السرد/الكتابة في وصف تحولات هذا الشيخ، فان هذا التدرج توازى مع وصف سلس وهادئ للتفاصيل العلائقية التي كانت تتوثق عراها بين الشيخ وامرأته. ومن هذا التدرج نهضت رؤية متفارقة عن الرؤية الذكورية الابوية لعلاقة رجل بامرأة. امرأة هذا الشيخ ليست محسوبة على الطبيعة، بحسب المنظومة الفكرية الذكورية، بل على الثقافة، التي تعتبرها الرؤية الذكورية/الابوية نفسها وقفاً على الرجل. هذه المرأة المسكونة بعالم المتنبي الشعري بخاصة وبكل التراث الابداعي العربي بعامة، غرفت من هذا التراث مفضية بهذا الغرف الى تثوير الشيخ وتحريره من كل القوالب الجاهزة والمتزمتة التي كان يحيا ضمن قيودها، بحيث غدت ولادته الثانية على يدي هذه المرأة غنية بدلالاتها النفسية والاجتماعية والثقافية. ولعل اهم ما في هذه الولادة، نهوضها على اساس تشارك العاشق والمعشوقة القراءة الذي سبق تشارك الاجساد. فاذا بتلك الولادة الرمزية، بثراء رموزها ودلالاتها، تحيل على الواقع العربي الراهن المواكب لزمن خطاب الرواية، لانها، ولادة منفتحة على العام.

تزامن اكتشاف الذات والجسد

مع تصاعد موجة الاصولية الدينية

لئن حملت قصة انبعاث الشيخ او ولادته في السياق الدلالي لنص رشا الامير بعدا حداثيا في النظرة الى المرأة، فان تزامن هذا الانبعاث مع تصاعد الموجة الاصولية الدينية يتضمن رؤية الكاتبة الحديثة الى التراث والعالم، رؤية تناقض سكون الفكر الاصولي وجموده اللذين يشتد عودهما اليوم في مجتمعاتنا العربية.

تقول الحكاية ان هذا الشيخ العاشق بات عرضة للقتل بفعل فتوى اصدرها بعض الفرق الدينية المتزمتة، في حين يحملنا الخطاب الروائي الى قراءة عقلانية لحكاية العشق هذه، ترى فيه خلاصة تجربة ذاتية واجتماعية منفتحة على النقد، اذ افضت هذه التجربة بالعاشق الى التوفيق بين الاسلام الحق ومقتضيات العصر من ناحية والى قبول الاختلاف الفكري من ناحية اخرى. فهذه التجربة نهضت اساسا على المشاركة الفكرية الثقافية بين العاشقين، والمتجسدة - كما سبقت الاشارة - بفعل القراءة. تلك القرأة التي اوصى بها تعالى في مطلع سورة العلق من كتابه الكريم: اقرأ باسم ربك الذي خلق/ خلق الانسان من علق/ اقرأ وربك الاكرم/ الذي علم بالقلم/ علم الانسان لما لم يعلم...

انها القراءة/الحيز الثقافي التي حيكت بمناخها لغة الرواية وهي لغة تراثية قرآنية مبنية على ايقاع المناخ الشعري للمتنبي وعلى الاستشهادات القرآنية واستشهادات الفقهاء وبعض احاديث الرسول التي شغلت هوامش واسعة من صفحات الرواية وان على نحو مبالغ فيه احيانا.

القراءة التي اسست لعشق الشيخ مالت الى مراجعة نقدية بدت، في الرواية سائرة نحو تتبع الاشكاليات العالقة في الثقافة العربية، فافضت الى وصل الماضي التاريخي الثقافي بالحاضر، بعيدا عن جوهرة هذا الحاضر او ذاك الماضي. فاذا بخطاب رشا الامير المحيل على واقعنا العربي الراهن يفتتح في الرواية باب التأمل في اشكاليات عديدة لعل ابرزها الفرق بين الدين واشكال التدين او الفرق بين المرأة العورة والمرأة الكيان. بحيث بدا اختيار الكاتبة ان تكون عشيقة الشيخ، هي من يبادر الى طرح الاسئلة واثارة التأملات الصعبة، اختيارا غير ناجم عن عبث. كما انه ليس عن عبث ان يكون اختيار بيت من الشعر او حديث للرسول او اجتهاد يصب في الخطاب الحداثي لـ"يوم الدين" بوصفه خطابا يناصر المرأة والعقل اللذين يكن لهما الخطاب الثقافي التقليدي العداء. فمن التراث الشعري، مثلا، اختارت العاشقة بيتين للمتنبي يلخصان عنصرين رئيسيين من عناصر الاشكاليات العالقة في الثقافة العربية.

يقول احد هذين البيتين الشعريين:

أغاية الدين ان تحفوا شواربكم

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

فيما يقول ثانيهما:

لا شيء اقبح من فحل له ذكر

تقوده امة ليست لها رحم

(ج1/ص159).

واذا كانت ولادة الشيخ تمت على يدي المرأة، فان الجنس اتخذ بعدا دلاليا في هذه الولادة. الجنس في الرواية لم يعن - كما سبقت الاشارة آنفا - مجرد متعة جسدية عابرة. الجنس في حالة العشق الذي ملأ مناخ الرواية، منح الشيخ معنى الحياة. بدا نوعا من الالتحام الجسدي. المتحرر من الزيف ومن اساليب الخداع التي اعتاد الشيخ اتباعها، عبر تغييب رغباته او تحويرها في سلوكه وخطابه اليوميين. في حين ان الجنس (...) كلي الحضور فينا، وان غيابه حضور، وحضوره بداهة (...) (3)، فضلا عن ان معرفته "(...)" تكون هنا خلال معرفة النفس، تكون وتتكون بمعرفة حقيقة تكوينها، وان معرفة تكوينها تقود الى معرفة فعل الاله فينا: تكوينه، لنا، فهو مبتدأ ومنتهى الاشياء فينا (...) ذلك هو الجنس/المعرفة، الجنس/الخطاب، الجنس/اللغة، الجنس/الكلام، الجنس/الحركة (...) انه العلامة الدالة على وجودنا"(4).

في هذا المعنى غدا الجنس، الذي توج الحالة العشقية للشيخ، اللغة التي سوغت له اكتشاف ذاته عبر الاخر، ولاسيما ان هذا الاخر، الشريكة، سبقته الى التعمق في اكتناه البعد المعرفي للجنس في الاسلام، باعتبار ان الجنس تأكيد لوظيفة "(...) الخالق، في فعل المخلوق، وحقيقة التكوين في وجود المخلوق" (5). واعتراف الشيخ نفسه بهذا الفضل واضح، سواء من خلال البناء التركيبي للرواية ككل ام من خلال الاشارة العابرة للشيخ، في معرض مخاطبته الحبيبة قائلا: "لم تدعيني وشأني وجسدي المتهالك فجأة ونفسي التي تتوجسين ان تحل في محل الضمير فتأخذ في مؤاخذتي وتقريعي بل تلقيتني برفق وسرت بنا متعانقين الى فراشك الوثير" (ج2/ص163-164).

في حين ان الاستشهاد بكتاب اصول المعاشرة الزوجية في احد هوامش الرواية يحيل على الادبيات، التراثية وغير التراثية، التي تعمقت في قراءة الحضور الجنسي في القرآن، وفي مراجعته ودرسه كذلك، ما يؤكد وجود "(...) فضاء للحسي، لا يمكن تجاهله، في دراسة الجنسي في الاسلام، وفي القرآن تحديدا. فالرجل يقرأ جسده فيما يقرأ في النص القرآني، ويبحث عن كيفية حضوره، وليس حضور جسده، سوى محاولة للقبض على معنى له، يلتذ به، ليغوص اكثر في حقيقة المقروء، وليشعر بتمامية الحضور في العالم، وان العالم يستحق ان يعاش، بل ان النص القرآني (...) يثبت في جسده كل ما من شأنه الاقبال على الحياة.(...) الاقبال على (تشغيل) جسده، واستثماره لذائذيا، والاندفاع به نحو عالم اخر، هو العالم اللامرئي، العالم الاخر(...) (6).

في هذا المعنى، ايضا، غدا الجنس، عبر مفارقة ولدتها البنية الدلالية للرواية، المطهر الذي حرر الشيخ من كل اشكال القهر التي مارسها على ذاته سابقا، لا بل المطهر الذي دفع به صعودا نحو الله بفعل استجابة العاشق لحكمة الخالق. والقول بان الامر يشكل مفارقة ناتج من ارتباط سلوك الشيخ بالخطيئة في السياق الاجتماعي الثقافي المحيط به، وفي المرجعية الاجتماعية الثقافية للنص الروائي على حد سواء. هذا في الوقت الذي قوضت فيه "يوم الدين" المعادلة المألوفة في سياقنا الاجتماعي، التي تربط الجنس بالخطيئة، جاعلة من العشق المتوج بالجنس ارقى اشكال العلاقات الانسانية المؤدية الى الالتحام بالله. فلم يبق امر الالتحام بالاله والتوحد به مقتصرا، اذن، على الحب الصوفي الذي شغل مساحة في تراثنا الادبي والفلسفي. بل ان الرواية احيت الجانب غير المتزمت من التراث، حيث لم يكن الكلام عن العشق والوصال، على سبيل المثال لا الحصر، على لسان رجل سياسة وفقه وقانون مثل ابن حزم الاندلسي، منذ اكثر من عشرة قرون، يثير اي حرج. اذ بدا الوصل من وجوه العشق: "من وجوه العشق الوصل، وهو حفظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع. بل هو الحياة المجددة، والعيش السنيّ، والسرور الدائم ورحمة من الله عظيمة" (7).

النص المفتوح على تعدد الدلالات عبر ثلاثة اقانيم هي الجنس والمرأة والدين، يغري نص رشا الامير بالتأويل الايديولوجي. كأنها تدعو بنصها الطويل هذا الى صوغ الاجوبة، والى تقويض المفاهيم الخاطئة حول الجنس والمرأة واشكال التدين المسيئة الى جوهر الدين، بقدر ما تشكله من حجر عثرة امام سيادة سلطة العقل. تلك السلطة التي لا بد منها لولادة الحداثة التي تنشدها مجتمعاتنا العربية منذ النهضة الاولى التي نادى بها المتنورون العرب في العصر الحديث. في تركيبة روائية متقدمة، جمعت "يوم الدين" الاقانيم الثلاثة لاثارة الاسئلة حول الحاضر، اذ قام عشق الشيخ اساسا على قراءة مكنته، بحافز من المرأة، من اكتشاف الجسد والذات في الديني. في حين اوحت الرواية - عبر استحضارات كثيرة واوصاف مختلفة كما في مطولات سردية كان يمكن ايجاز فحواها بكلمات - بوقوع الديني بين مطرقة الحركات الاصولية الجديدة وسندان السلطات السياسية التي تستقوي بالدين لاكتساب شرعية الهية، فاذا بانبعاث الشيخ عبر ولادته الثانية يشكل ردا فنيا على مختلف الاوهام والمغالطات التي غرق فيها خطابنا الفكري والثقافي، كخطاب توحي الرواية بتورط السياسي في انتشاره وفي اعادة انتاجه. وكأن خطاب رشا الامير يدفعنا، نحن القراء الى التساؤل عن العلاقة الجدلية بين التحريم والتكفير من ناحية عدم الاستقرار السياسي بعامة والاقتصادي بخاصة للمجتمعات العربية من ناحية اخرى. فندرك، مثلا، ان اندلسا تغنى فيها امثال ابن خفاجة (8)، لما بلغته من ازدهار اقتصادي، قد تبيح لفقيه مثل ابن حزم ان يتناول مسائل العشق والجنس من دون مواربة.

(1) الامير، رشا، يوم الدين ط،1 بيروت، دار الجديد، .2002

(2) غصن، امينة، نقد المسكوت عنه في خطاب المرأة والجسد والثقافة، ط،1 دمشق، دار المدى، ،2002 ص.21

(3) محمود، ابرهيم، الجنس في القرآن، ط،1 بيروت، دار رياض الريس، ،1994 ص.11

(4) المرجع السابق نفسه، ص.11

(5) المرجع السابق نفسه، ص.19

(6) المرجع السابق نفسه، ص19-.20

(7) الاندلسي، ابن حزم، طوق الحمامة (باب الوصل)، تقديم وتحقيق فاروق سعد، ط،1 بيروت، مكتبة الحياة، ،1996 ص.157

(8) من اقواله:

يا أهل اندلس لله دركم

ماء وظل وانهار واشجار

ما جنة الخلد الا في دياركم

ولو تخيرت هذا كنت اختار

 

رفيف رضا صيداوي


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri