حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

حانة القص والهذيان

على عادته

على عادته استيقظ باكراً متأبطاً عدة الصيد من صنارة، خيط، عصا طويلة، طعم للسمك

"خبز معجون بالماء".

على عادته انتظر طويلاً لعل وعسى وقدر وأجاز وأراد وشاء وأمر أن تعلق ولو سمكة

بالطعم.

على عادته لعن مهنة الصيد والصياد والمصيدة والشبكة والصنارة وكل أدوات الصيد..

على عادته فكر بقوت الأولاد واليوم تحديداً وقبل مغادرته البيت أيقظته طفلته مادة

قدميها أمامه كتبت على الأولى (بدي صباط). وعلى الثانية (جبلي فلافل).

على عادته تعود على كل العادات.

فجأة استغلت السمكة انشغاله بعاداته وسحب الصنارة والطعم.

على غير عادته مشى على سطح البحر مسرعاً باتجاه معاكس لطريق البيت.

لحظة

أنا اقرأ في كتاب، زوجتي تتابع التلفزيون، طفلانا يلعبان وسط الشارع، سعاد

ابنتها الكبرى تستمع إلى إذاعة الـ FM.

فجأةً صوت مكابح سيارة على الإسفلت.

سعاد كانت الأقرب إلى الشرفة، سارعت بإلقاء نظرة على مكان الصوت.

أنا وزوجتي انكبحنا في أمكنتنا ومصير طفلينا متوقف على رد فعل سعاد.

هل ستصرخ.. أمْ …

فيما بعد عادت سعاد إلى سماع الـ FM وزوجتي لمشاهدة التلفزيون وعدت أنا لمشاركة

سعاد بالاستماع إلى الـ FM كي لا تشعر أنها أصبحت وحيدة.

فراش واسع

طيلة عشرين عاماً عاشا ضمن غرفة ضيقة وعلى فراشٍ واسعٍ و..

لم تحظَ منه حتى بقبلة

الأعين المتلصلصة على نافذتهما قالت: حب روحاني أو…

فيما بعد وُجِد محترقاً بسعير لهاثها.

حُمل نعشه فوق جبلٍ من النهود وسهولٍ من التنهدات وأصبح قبره مزاراً للعشاق.

هذا اليوم كانت تزور ضريحه، دُهشت لكثرة القبلات التي تلقاها من شفاهٍ صبغت

بالأحمر لتنال ما تحلم به.

ازدادت غيرتها واشتعلت دون نار.

انتظرت حتى أبَ العشاق إلى مخادعهم وانفردت به ليلاً…

استيقظت المدينة عن بكرة أبيها على أصوات اهتزاز صندوق القبر.

مع اقتراب الناس من المكان دهشوا لمشاهدتهم جثتين متعانقتين تهتزان بجنون.

من تحت

من تحت أطل (صرصور) مندهشاً لما يشاهده…

اتسعت عيناه وأخذت حجم الكون.

- يتجول في الشوارع مستمتعاً بوهج الشمس وإذا بحذاءٍ يلاحقه محاولاً سحقه.

- هرب من بعد أن اكتشف أن رجليه تساعدانه على الفرار.

- الحذاء يلاحقه كظله..

- اختبأ في إحدى الزوايا، تنفس الصعداء، أحس بالزهو لتلك الملاحقة.

لأنه ولأول مرة يكون في المقدمة.

- اقترب الحذاء منه لمحاصرته في أقصى الزاوية.

- لجأ إلى زاوية أخرى، لا ليكون في المقدمة هذه المرة بل هرباً من موت مؤكد.

- التفت (الصرصور) يمنةً ويسرةً فبدت الزاوية الرابعة بمثابة المعقل الأخير.

- نَزَحَ إليها معتمداً على صغر حجمه قياساً برأس الحذاء المفلطح.

- الحذاء فوق (الصرصور) تماماً لا يفصله عنه سوى فعل السحق.

- جال ببصره في الجهات الست فتأكد أن العالم الذي يعيش فيه كروي الشكل لا توجد فيه

زوايا للاختباء.

- قرر المواجهة…

- ……

مرآة

وقفتُ أمام المرآة طويلاً فلاحظت انتشار التجاعيد في وجهي وأن شعري أصبح أكثر

خشونةً من مكنسة زبال.

زوجي من خلال المرآة هوّن الأمر عليَّ

- تريدين أن تأخذي دورك ودور غيرك، ثم أن حفيداتك صبايا جميلات ولهنَّ ملامحك.

قلت لزوجي صاحب الوجه المجعلك كالورقة:

- هل أرسل لك حفيدك الحبة الزرقاء من أمريكا.

ومن خلال المرآة لاحظت خجله، فقد احمرت وجنتاه وكم تمنيت أن تبقى حمراء دون خجل.

لم أكمل أمنيتي حتى عادت تجاعيده لتشكل وادٍ سحيق كدت أقع فيه.

قال: حفيدك الغبي يقول: \" إن جسمي لا يتحمل مثل هذه الحبة \".

ومن غير أن أنظر إليه ارتميت بين أحضانه، همست في أذنه بصوت عذب لم يسمعه منذ

أربعين عاماً

\" ولوو.. ولا حتى ربع حبة ؟! \"..

حكاية البغل الذي رفس رجل

... ربما اختارك لطول قامتك، ليتثنى لك مراقبة كل من في القاعة المخصصة لجمعية

رعاية المكفوفين.

أمّا أن يختارك لمراقبة وفهم وتدوين كل، ما.. (وفي، وعلى، ومن، وإلى)!؟..

كل ما يجول، ويحدث وسيحدث وحدث في الأمسيات الثقافية فهذه ورطة لا يحسدك أحد عليها

وخصوصاً معرفته بأنَّك لم تكمل المرحلة الابتدائية وبكرهك للكِتاب والكتّاب.

- نفذ ثم اعترض ياحامد

- أنفذ.. أمرك سيدي. أمّا أن اعترض فـ... أمرك سيدي...

- اقرأ كل ما يقع بصرك عليه من قصص وشعر وقصاصات جرائد. أمامك ساعتين للقراءة قبل

موعد الأمسية.. مفهوم...

يتصفح حامد عناوين الكتب ويركزّ بصره على تلك العناوين وقد وضع أسفلها خط أحمر.

- تجاوز الخط الأحمر يا حامد..

ما بين فعل تجاوز واعترض قرأ خلسة بعض العناوين (وليمة لأعشاب البحر – شرق المتوسط

\"غداً\"- قصر المطر) وبعض إشارات التعجب لبعض العناوين...

- تجاوز الخط الأحمر يا حامد.

يقرأ فوق الخط المسموع فان كوخ. يقطع أذنيه ويهديهما لحبيبته بسبب إفلاسه. بيكاسو

يستعمل زيت علب السردين لعدم تمكنه من شراء الزيت المخصص لمزج الألوان...

- أمام سر.

يسير باتجاه مكان مخصص للأمسية الأدبية.

- باتجاه الهدف تابع تقدمك.

يتجاوز كل الإشارات المرورية.

- مكانك في المقعد الخلفي.

يجلس ويدير المسجل.

- استعمل القلم والورقة للتذكير بأنك موجود... (مفهوم).

مفهوم.. مفهوم. هكذا تمتم حامد. لكن الذي لم يفهمه من القاص وقصته أشياء كثيرة

اختلطت عليه بالأوامر. فالقاص صاحب القصة عنونها بـ *(حكاية الرجل الذي رفسه

البغل).

حاول تقريب (الرفسات) فاستحضر بغل قريته وكيف أنه نَزَعَ الحاجبان من أمام وجهه

ورفس كل من ركبه منطلقاً صوب البراري الخضراء. لكن بغل القاص أو قاص البغل لم

ينتبه من رفس من!

في (اسطبله) حاول مراراً استرجاع ما قاله القاص مرة من خلال المسجل وأخرى من خلال

ما كتبه على الورقة ومرات من خلال استنتاجاته.

فالمسجل وبصوت القاص يقول (الرجل رفسه البغل).

وبخط يد دون البغل رفسه الرجل.

وبغل قريته رفس كل من ركبه.

هكذا بقي طوال الليل يرفس البغل والبغل يرفسه وبغل قريته يرفس كل من حرض مؤخرته

وكأنها دعسة بنـزين إلى أن (شهنق) الصباح.

ذهب إلى عمله مقدماً لمديره ولأول مرة قصة من تأليفه بدلاً من التقرير عنونها (قصة

قصيرة جداً لحالة طويلة جداً جداً)...

أمّا محتواها (من منّا البغل)...

يوم عادي

يوم أقل من عادي والذي جعله كذلك ليس وهج الشمس التي كانت تختبئ خلف قضبان ثلاثة

فصول.

ولا المسافة الطويلة التي أمشيها من مكان عملي إلى الطريق العام.

وليست تلك الشمس التي فجرت العرق من مسامات جلدي وأنا أصعد الباص.

ولا تلك المرأة الجميلة التي جلست على المقعد أمامي وبحضنها طفل أخذت أقل من حصتها

من المقعد وتنازلت عن القسم الآخر لرجل جلس بقربها، معتدياً على جزء من حدودها.

لم تعره اهتمامها بل زادته لطفلها.

هو : يا الله ما أحلاها لو أن مساحة المقعد أقل حجماً، آه لو أني طفلها.

وأصرخ من جوع قديم دالقاً صدرها بفمه… آه…

هي: لو كنت رجلاً لكنت صاحبة القرار.

أنا: لو أني مكان أمنياتهما…

هو يقترب منها أكثر يلامس قدمها بقدمه… فتتسارع عجلات شهواتهما ويتجاوزان

الإعلانات التي تحذِّرْ من السرعة الزائدة ولوائح المنع.

- ممنوع الضوء الكاشف.

- انتبه منحدرات… مطبات… منعطفات…

صفارات الشرطة كبحت أحلامهم مع عجلاتهم.

وعند الوصول إلى الكراج، حيث أصوات الباعة وحركة السير والبشر والعيون المفتوحة.

أخرجت المرأة من حقيبتها قطعة نقود كي تحاسب السائق فسبقها بالدفع قائلاً له:

الأجرة عن اثنين.. وهو يتخيل سريراً مزدوجاً يتسع لأثنين وكأسين من الخمر ويوماً

حلواً لغد مرٍّ.

قطع أحلام يومه الحلو زعيقها المر. قائلة له:

ومن أين تعرفني يا ابن الكلب حتى تحاسب عني؟!.

تسمّر في مكانه مثل سرير مزدوج تحول إلى سجن، بلع ريقه كمن يبلع لتر عرق مغشوش.

هي: يا الله ما أوقح هذا المكان، كل شيء جميل يتحول إلى قباحة،

آه لو أنه ليس للناس عيون.

هو كل المقاعد الخلفية فارغة لو جلست…

أما أنا بعد أن تنفست الصعداء حاولت إنقاذ الموقف قلت للسائق وللناس الذين تجمهروا:

يقصد أن يحاسب عني وليس عنها.

فنهرني بعنف مفجراً بوجهي ما بداخله من عرق مغشوش قائلاً: ومن أين أعرفك يا ابن الكلب حتى أحاسب عنك.

 

علي صقر / قاص من سوريا -
ali-saker9936@mael.sy



© Copyright 2003- All Rights Reserved Alimbaratur.com.