حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

جراد الموت يقضم رموز الفن والأدب

إعدام الصورة ليس إعداما للحقائق.

لنقل ذلك في بداية حديثنا عن مأساة الفن عند العرب.

وموت الكاتب  ليس موتا للكتابة. لنعترف بمثل مقولة من هذا الطراز، فندخل عالم الشجن الأدبي الذي يتحدث عن  موت كتّاب وشعراء وفنانين من هذه الأمة التي ننتمي إليها.

في هذا الكلام العاجل عن صورة الفن داخل دائرة الموت، نحاول تظهير بعض الصور

التي باتت تظهر على السطح بشكل واضح وعلني، لتكشف عن ظاهرة موت الفنانين والكتّاب والأدباء جوعاً . وفاقة. وإهمالا في عالمنا العربي.

إهمال متعمد أو غير مقصود. ليس هو المهم. الأهم هو الدفاع عن حياة الأدباء والفنانين قبل أن يقضمهم جراد الهلاك تحت سلالم النسيان والإهمال في المجتمعات العربية.

لا تخسر الدول بعلاج مبدعيها من المرضى، ولكنها تخسر شعوبهم في حال التخلي عنهم.

هل ثمة خلط في هذه الصورة أو خطأ في هذا الذي نقوله؟

لا نعتقد بأن الدفاع عن الأدباء والفنانين ممن تتهدد حيواتهم الأمراض والفاقات ومقصات الموت،هو لعبة ممنوعة. الممالك البشرية دولا وشعوباً ، ومنذ قدمها التاريخي تحاول تأسيس مسيرتها الحضارية على سيرة الأدباء والفنانين ممن تفتخر بحبر عقولهم وإبداعاتهم.

الأمة التي لا فن لها، لا مستقبل أمامها، لأنها أمة ستعيش على الفراغ دائما. أمة مزعزعة مفلسة وتافهة، لأنها أرض مدافن لا منصات فوانيس أو ما شابه ذلك.

فالإنتاج الأدبي فنا كان أو أدبا لا يأتي من الغيب ولا يقدمه لنا العدم  فكما الأرض بحاجة إلى سقاية ورعاية   ومستلزمات الماء والضوء والهواء كذلك الإبداع بحاجة إلى المجاهدة والتحصيل والانكباب والمثابرة وهنا يأتي السؤال:

ما بالنا إذن نترك الأديب أو الفنان في أسوأ حال؟؟؟

ما بالنا ننكر عليهما العيش المستقر الذي يوفر لهما المناخ المناسب للعطاء؟

ما بالنا نترك حياتهما رهينة ديكتاتورية الحاكم وقمعه رهينة الاحتكار المالي المؤدلج؟؟

إن التاريخ مليء بقصص شعراء وأدباء قضوا نحبهم نتيجة مواقفهم الفكرية

مثل ابن المقفع  وبشار بن برد وغيرهم كثر  حيث تتسع الدائرة لتشمل العديد من أصحاب الفكر والفن كان الحاكم فيها  قاتلا أو ظالما غامطا للحق  حائدا عن طريق الإنصاف

ولشد ما تطالعنا من قصص لشعراء بذوا بأجوبتهم الحاكم وسخروا من سلطته وتسلطه  حيث سئل احد الشعراء على سبيل المثال  وكان المقصود بالسؤال الحط من شأن الشعر والشعراء  وانتقاص لقيمتهما معا سئل لم يقف الشعراء على أبواب الملوك ولا يقف الملوك على أبواب الشعراء؟؟ فأجاب إنما ياتي ذلك نتيجة فهم الشعراء وادراكهم لأهمية دور الملوك وجهل الملوك لدور وأهمية   الشعراء

وما جاءت مثل هذه الأجوبة إلا كشفا لزيف الحاكم   وريائه بل فضحا لفساد الحكم وسوء تقديره بل لجهله

إذن فالأدوار تتبادل أنخابها  لكل منهما دوره وأهميته ونصيبه من العطاء  كي تكتمل دورة الحياة

ويستحضرني في هذا المجال الحوار  الذي كان قد تم ما بين الروائي السوري المعروف فارس زرزور وابنته التي سألته يوما عن عملك؟؟

وعندما أجابها: أكتب

أعادت طرح السؤال عليه مستفسرة:  اعرف  بأنك تكتب  ولكن ما هو عملك ؟؟

بهذه الطريقة العفوية أشارت لنا الابنة  إلى حقيقة النظرة السائدة لمهنة الكتابة التي كانت ولا تزال على الصعيد المادي والمعيشي مهنة الفاقة لا مهنة الترف لا تسمن ولا تغني من جوع ولأسباب لشد ما هي بحاجة الى بحث وتمحيص

فالكاتب  ضمن  حركيته الاجتماعية ومعاييره القيمية وأبعاده الثقافية العامة يقيم الجسور على صفحاته  البيضاء  ويرفع  الرايات ويحقق الانتصارات  يحرر الأوطان ويسكب السعادة بين أحضان المتلقي؟

أليس من الحري به أن يبحث أيضا  في حاله وأحواله  وهو  القلق الحائر المليء الهادئ المتفهم الحريص الحارس الأمين؟؟

وإلا ما معنى أن يقضي الكاتب أو الفنان نحبه  نتيجة المرض والإهمال؟؟؟  وما معنى أن يمضي مهملا حزينا يتسول لقمته أو قرص علاجه؟؟

لماذا لا توفر الدول الرعاية الصحية الكافية وفق برامج تنموية مدروسة ؟؟

لماذا لا تعي السلطات الحاكمة  دور هذه   الصفوة من المفكرين  والشعراء والفنانين في المجتمع والحياة  بل دورهم في الترقي والازدهار؟؟ 

أن وضع الفن والأدب في وضعنا الراهن تخل دون أدنى شك بالمعهود القيمي ولطالما باتت تتكرر على مسامعنا قصص وفاة  هذا الشاعر أو الفنان تحت طائلة المرض أوالفاقة والعوز لثمن الدواء. ولعل من أخر هذه القضايا تلك التي عرض بها  الفنان عادل أمام على الفنانة  نوال أبي السعود الإنفاق على علاجها طبعا  قبل أن تودعنا تاركة بالقلب حسرتين: حسرة إهمالها من قبل ذوي الشأن الحكومي  وتأخرهم في صرف مستحقات علاجها، وحسرة فقدان فنانة محبوبة بذلت الكثير من وقتها وحياتها لترفع من شان الفن. وكذلك الأمر بالنسبة للشاعر أسامة الدناصوري أو قضية علاج الكاتب الروائي الكبير إبراهيم أصلان المعلقة أو موت الشاعر العراقي عقيل علي في الشارع جائعاً .

وكلنا يتابع فصول قصة سندريلا الشاشة سعاد حسني مع المرض والعلاج والإنتحار الذي حدث لها في لندن والذي بقي ضبابياً مثل طقس لندن عاصمة الضباب!!

في هذا الإطار ثمة التفاتات لا يمكن نسيانها كموقف الرئيس السوري بشار الأسد الذي أمر بمعالجة بعض الأدباء والفنانين على حساب الدولة ومن آخرهم التعهد بصرف راتب شهري مقطوع ومجانية علاج الفنانة الكبيرة صباح وابنتها طيلة الحياة. 

بعد كل ما تناولنا عبر هذه المقتطفات المختصرة،.. نؤكد بأن حاجة  الأديب والفنان  والعالم لقرص الدواء أو لرغيف الخبز، مؤشر دامغ على  سلبية الدولة وفشلها على الصعيد الحضاري والإنساني.

فالبلاد التي لا تضمن للأديب أو الفنان رعاية صحية كاملة وعلاجاً مجانيا، بلاد تعاني من خلل في بنيتها الحضارية والإنسانية. هي بلاد  تتبنى التعايش الشمولي مع الحديد وحده!

أخيراً..

على الاتحاد العام للأدباء العرب ونقابات الفنانين العرب صياغة ورقة مشروع عربي وطرحه على الجامعة العربية لإنشاء مستشفى عربي عام يتبنى علاج كل الأدباء والفنانين العرب، على أن تقوم الجامعة العربية نفسها بتشكيل لجنة خاصة للمشروع بهدف استحصال ميزانيته الخاصة من الدول الأعضاء.

 

فاديا الخشن / شاعرة من لبنان تقيم في الدنمارك -
fak_001@hotmail.com - www.fadiakhechen.com



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.