عن
الترجمة
في
الستينات من القرن الفائت، ازدهرت حركة نقل الشعر الحديث الى
العربية، من الفرنسية والإنكليزية، وحيناً من الأسبانية والبرتغالية
والألمانية. وكانت مجلة "شعر" الرائدة الأساسية في هذا الباب
الوسيع حين ترجمت قصائد وأعمالاً ما كان يمكن حركة الأدب العربي
الحديث أن تكون إنسانيةً لولاها. وكان ثمة عدد كبير من القرّاء
والكتّاب العرب لا يحسنون سوى العربية، ولا يستطيعون قراءة الأدب
من مصادره اللغوية الأصلية. وقد شكلت تلك الترجمات على أيدي
الشعراء والكتّاب، رافداً مهماً من روافد الثورة الأدبية، ومفصلاً
مهماً في حركة تطور الشعر العربي الحديث.
وإذا
كانت تلك الترجمات ركزت على النقل من الفرنسية والإنكليزية فلأنهما
اللغتان اللتان كان يحسنهما الأدباء المترجمون. قام ذلك الجهد
غير المسبوق في نوعه على أيدي الشعراء والكتّاب والمتأدبين،
ومنهم جبرا ابرهيم جبرا وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا ويوسف الخال
وأدونيس ورينه حبشي وسركون بولص وعصام محفوظ وفؤاد رفقة ومصطفى
الخطيب ونذير عظمة ومنير بشور وجورج خوري وفواز طرابلسي وهاني
أبي صالح ونديم نعيمة والياس عوض وآخرون. وقد ردموا هوة عميقة
وفتحوا جسراً من التواصل الشعري بين الأدب العربي والأدب العالمي،
فصار أهمّ الشعر الفرنسي ــ وهو الأساس في حركة قصيدة النثر
العالمية ــ في متناول أيدي المهتمين وجزءاً من تراثهم الأدبي،
وعنصراً يساهم في إضفاء دينامة جديدة على اللغة الشعرية العربية
وتقنيات التعبير فيها. ثم تابع المهمة بول شاوول وعبد القادر
الجنابي وعبده وازن وبسام حجار واسكندر حبش وآخرون.
المسألة
التي أودّ أن أثيرها هي هل يكفي ما نُقل من شعر أجنبي الى العربية
في الستينات وما بعد لإلقاء السلاح، أم أن هناك حاجة منهجية
ماسة لترجمة منظمة ومبرمجة لروائع الشعر العالمي الحديث بكاملها،
أو حتى إعادة ترجمة هذه الروائع وغيرها؟
أعتقد
أن الجواب حاسم: لا بدّ من القيام بذلك، والآن. إلاّ أن هذه
المسألة تستلزم، في جملة ما تستلزم، موجبات وجهوداً أكاديمية
ومنهجية وتقنية، كما تفترض مواهب أدبية ساطعة لإدراك روح القصائد
وتحديات الترجمة من جهة، مثلما تفترض ــ أولاً وأخيراً ــ النقل
من اللغة الأصلية لا من لغة وسيطة.
فثمة
في سوريا ولبنان ومصر وغيرها من البلدان العربية، حركة واسعة
لنقل الشعر والرواية من دون أن يمتلك الناقلون ــ أو بعضهم ــ
المواهب الأدبية ونواصي الموجبات الأكاديمية والتقنية الدقيقة.
وثمة في الوقت نفسه من ينقل الشعر والرواية من لغات وسيطة. وهذه
طامة كبرى في زمننا المعولم هذا. فإذا كان مقبولاً في لحظة محددة
من تاريخ الحداثة العربية حصول مثل هذا الأمر، فإن استمراره
إنما يسيء الى الأدب المنقول والى الأدب المنقول إليه على السواء.
والأمثلة لا تحصى.
فإذا
كانت الترجمة في رأي الكثيرين، وخصوصاً أهل الشعر، هي فعل خيانة
للنص الأصلي في معنى ما، أفلا تكون الترجمة عن الترجمة فعلاً
خيانياً مزدوجاً؟ فكيف إذا زيد على ذلك، ما يُشاع هنا وفي الجوار
عن ترجمات تشوّه معنى النصوص الأصلية وروحها ولغتها، وتسيء الى
اللغة العربية في آن واحد؟!
يطرح
هذا السؤال المزدوج نفسه بإلحاح عظيم، لأن الكاتب والقارىء يحتاجان
الى معرفة الأدب من مصادره. فإذا كان الناقل لا يملك موهبة الأدباء
ولا يتقن اليابانية أو الاسبانية أو الإيطالية أو الألمانية،
أفيجوز أن يتنطح الى نقل أدب هذه اللغات من لغة وسيطة هي الفرنسية
أو الإنكليزية لأنه لا يتقن سواهما؟
هذا
بالتأكيد خطأ جسيم. وإذا كان مقبولاً في الزمن الذي فات أن يحصل
هذا الأمر لضرورات أدبية وتاريخية و"ثورية"، فلم يعد من المقبول
اليوم الاكتفاء بذلك والاستمرار في عملية النقل من غير اللغة
الأصلية.
إن
إتقان اللغات بات أمراً ملحاً، وفي غياب هذا الاتقان يتعرض الادب
لانتهاكات خطيرة وسؤ فهم لمعانيه ومبانيه.
وهذا
يوجب عدم نقل الأدب الا من مصادره مباشرة، لا من لغة وسيطة،
رغم أن العولمة اللغوية تفرض الانكليزية كلغة أممية شبه وحيدة.
وهذه ديكتاتوريه فاشلة لأنه يغيب عن بال هذه العولمة اللغوية
ما يُرتكب باسمها من جرائم وفضائح عندما "تفرض" نقل الأدب عن
غير لغته الأصلية.
لهذا
تستوجب الترجمة أن تأخذ مجراها كنشاط أدبي وأكاديمي كامل، كالكتابة
الأدبية بالذات، وأن تُفرض فرضا في الجامعات وفي دور النشر وفي
الجرائد والمجلات والدوريات الأدبية، وأن تواصل الدور الأول
لمجلة "شعر"، وأن تطوّره وتمنهجه لتجعل منه ركناً صلباً من أركان
اللحظة الأدبية الراهنة والمستقبلية. وبيروت هي اليوم في أشد
الحاجة الى مثل هذا الدور بعدما تراجعت فيها عملية النقل الأدبي
ــ مواهب وتقنيات ــ تراجعاً خطيراً قد يؤدي في المستقبل القريب
ربما الى "إغلاق" بيروت أمام الترجمة بسبب السيول الجارفة من
الكتب المنقولة عشوائياً والمتضمنة في الكثير من الأحيان أخطاء
جسيمة وخروجاً فاضحاً على المعاني والمباني.
لاجل
ذلك يجب وضع خطة شاملة تكون بيروت مقرّها لقيام حركة ترجمة واسعة
من خلال مترجمين موهوبين ومتخصصين في اللغات الحية الأساسية
(ابتداء بالفرنسية والإنكليزية، مروراً بالأسبانية والإيطالية
والألمانية والبرتغالية والفارسية ــ ولِمَ لا اليابانية والصينية
والهندية!!)، على أن يفهم القائمون بذلك أهمية أن يكون المترجم
"متأدباً"، أي ملماً بروح العملية الأدبية. وبروح اللغات. وإلاّ
لا معنى للترجمة على الإطلاق.
شاءت
الصدف، أن أقرأ كتاباً للشاعر الإيطالي الكبير أونغاريتي منقولاً
الى العربية عن... الفرنسية. عجباً! وشاءت اهتماماتي أن أقرأ
أعمالاً مترجمة من الأسبانية والبرتغالية والألمانية تواً لهنري
فريد صعب وعيسى مخلوف وأنطوان خاطر وفؤاد رفقة، ولآخرين بالتأكيد.
الى أن نقلت زميلتنا الشاعرة جمانة حداد لـ "الملحق" قصائد مترجمة
مباشرة من الإيطالية، والى أن صدر أخيراً ديوان "لمسات الظل"
للشاعر الإيطالي إيمانويل ميناردو منقولاً من الإيطالية وحاملاً
توقيع زميلتنا نفسها (عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر).
وكان عليَّ أن أقيم مقارنة بسيطة في العربية بين الأدب المنقول
بواسطة لغة وسيطة والأدب المنقول تواً من لغته الأصلية، لأكتشف
مغزى أن يُنقل الشعر من جذوره وروحه وبيته وجسده، ومغزى أن يكون
الناقل المدقق شاعراً أو أديباً أو متأدباً موهوباً.
وما
دام الأمر هكذا، فلِمَ لا نبدأ من هذه اللحظة بالذات، ولِمَ
لا نبحث عن دور نشر أو جامعات تتولى هذه المهمة (وهي موجودة
بالتأكيد، وهي مهمة مدعوة إليها في شكل أساسي "دار النهار" وأهلها
ومدرسة الترجمة في جامعة القديس يوسف)، ما دام عندنا مترجمات
ومترجمون كزميلتنا الشاعرة التي عرفنا أنها نقلت أخيراً قصائد
لبعض أكبر الشعراء اللبنانيين الى الأسبانية، والتي تتقن عدداً
جمّاً من اللغات اللاتينية يخوّلها أن تفكر جدياً في وضع خطط
لإصدار أنطولوجيات شاملة حول النقل الأدبي المباشر من هذه اللغات
الحية.
خلاصة
ذلك، أننا محتاجون الى ناقلين يلمّون إلماماً أدبياً وأكاديمياً
بالإيطالية والأسبانية والألمانية والبرتغالية، وغيرها من اللغات
التي ذكرت. ولا أعتقد أن هؤلاء قلائل بين ظهرانينا، لكن أعباء
الترجمة الموهوبة والموثوق بها تنوء بها الأكتاف عندما تنافسها
سيول من الترجمات الركيكة التي تغزو السوقين الإقليمية والمحلية.
نحن
محتاجون الى حركة ترجمة واسعة، تأخذ على عاتقها في مرحلة أولى
إعداد أنطولوجيات شعرية موثقة وكاملة من أدب هذه اللغات المذكورة،
كي نحيا من جديد بالأدب الذاتي وبالأدب العالمي، وبالشعر خصوصاً،
وكي نجدده، وكي تعود مكتبتنا الأدبية عامرة بالترجمات الأكيدة
والموثوق بها والعارفة في الوقت نفسه لا عبقرية اللغة العربية
واللغات الأخرى فحسب، بل لاوعيها اللغوي أيضاً. وهذه مهمة عظمى
تحتاج الى جنود عظام.
عقل
العويط - النهار - الثلثاء
4 شباط 2003