حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

متحف الاخطل الصغير

انه بشارة الخوري صاحب اللقبين الشهيرين: «الاخطل الصغير» و«امير الشعراء» تكرس لقبه الاول في خضم ظروف سياسية املاها الانتداب الفرنسي, وذاع لقبه الثاني بمبايعة علنية له اجراها خطباء المهرجان التكريمي الذي أقيم في «قصر الاونسكو» في العام 1961, وهم عبد الله العلايلي, عفيف الطيبي, صالح جودت, محمد مهدي الجواهري, انطوان قازان, عمر ابو ريشة, حافظ المنذر, أمين نخلة, وسعيد عقل.
اليوم, تعاود بيروت تكريم الشاعر الراحل بشارة الخوري, عشية مرور 100 سنة 1908­ 2008 على صدور جريدته «البرق», وعشية الذكرى الاربعين 1968­ 2008 لغيابه. ويأتي هذا التكريم في سياق الانشطة المتواصلة للاضاءة على تراث لبنان وكبار اعلامه, التي يقيمها «مركز التراث اللبناني» في «الجامعة اللبنانية الاميركية» حيث, ارتأى القيمون على المركز اقامة «متحف الاخطل الصغير» لمدة شهر في «مبنى غولبكيان» في قاعة الشيخ زايد, فسحاً في المجال امام الزائرين والطلاب والتلامذة والمهتمين للوقوف على تراث الشاعر الكبير بشارة الخوري. وقد اعرب رئيس «الجامعة اللبنانية الاميركية» الدكتور جوزف جبرا عن طموح الجامعة الهادف الى اقامة متاحف خاصة لعباقرة الفنون الجميلة والعلوم, من خلال «مركز التراث اللبناني» الذي يعمل للاضاءة على تراث لبنان بأعلامه الكبار, مستذكرا في وقائع افتتاح «المتحف» روائع الاخطل الصغير, خصوصا تلك التي غنتها فيروز ولحنها الاخوان الرحباني وهي: «قد اتاك يعتذر» و«يا عاقد الحاجبين» و«يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا».
ان الاخطل الصغير­ يضيف جبرا­ حدث في تاريخنا الشعري, حدث غير عادي. وجرأته التي حدت به على الانتقال من توقيع «بشارة عبد الله الخوري» الى «الاخطل الصغير» تيمناً بجرأة الاخطل الكبير الاموي, علمتنا التشبث بالحقيقة فضيلة, وأن اعلاء شأن لبنان, في بالنا وضميرنا وفي قلوبنا وقناعاتنا, ارث اخذناه عن آبائنا واجدادنا, وواجبنا ان ننقله الى ابنائنا من بعدنا».
المتحف بأجوائه ومعروضاته يشكل نقلة وجدانية­ وثائقية من جهة, ونقلة ارتدادية­ مكانية من جهة ثانية, لحياة الاخطل الصغير في بيته, وعمله, وشعره, واسفاره. انه رجع لصدى الايام والاعمال والاحلام والآلام التي استغرقها مشوار هذا الشاعر الفذ والرومانسي معاً, وهو رجع ايضا لمرئية المقتنيات الشخصية التي كانت يداه تستخدمها, وعيناه ورأسه وقامته, سواء في ارجاء بيته, ام في الدروب التي كان يتمشى عليها مستحضرا رؤى قصائده المثلى: «الهوى والشباب» «الصبا والجمال» «اضنيتني بالهجر» «جفنه علم الغزل», «اسقنيها بأبي انت وأمي» «عش أنت».
نظارتاه القديمتان والجديدتان بمقياس «الموضة», قبعاته الصوفية ذات اللون الرمادي والاسود, طربوشه الاحمر, عصاه, تذكرته اللبنانية, سماعته, كل هذه العينات, سرّت انظار الحشد الذي ام قاعة المتحف, بحضور ممثلين عن الرؤساء اميل لحود, نبيه بري, فؤاد السنيورة, وكوكبة من الادباء والاعلاميين والفنانين, فضلا عن طلاب «الجامعة اللبنانية الاميركية» واساتذتها. وكان جلياً هذا السرور الذي غلفه امتنان الشاعر هنري زغيب رئيس «مركز التراث اللبناني» لعائلة الاخطل الصغير, وامتنان رئيس الجامعة جبرا لكل فرد من هذه العائلة التي كانت في ذروة الوفاء «للأخطل», حيث حافظت على آثار عيشه, مثلما حافظت الكتب والدراسات والمكتبات على آثاره الشعرية, وعلى تجربته الصحفية.
بترتيب راق, توزعت المنصات الزجاجية في قاعة «الشيخ زايد», وتوزعت صوره الفوتوغرافية على الجدران, وخصصت حجرة واسعة لعرض غرفة نومة البنية القديمة المؤلف من سرير خشبي متوسط العرض, وخزانة خشبية قديمة, و«فاترينة» و«كوموندينة» بالاضافة الى طاولة خضراء السطح مخصصة للعب الورق, كان الراحل يمضي ايامه الاخيرة اللعب مع رفاقه, وقد جرى عرض نوعين قديمين من ورق «الشدة», ولم يحل التهرؤ الظاهر في شكلهما دون الاحتفاظ ببصمات الشاعر عليهما. تلك البصمات التي تحضر في رحاب الذكرى, وليس تلك التي تحضر في سياق البحث عن الادلة الدامغة.
وقد اشرت «البورتريهات» المعلقة الى اجمل من حدث وواقعة ومرحلة زمنية في حياة الاخطل الصغير, كما اشرت الى صوره الفوتوغرافية الى ادق المراحل والمواقف والمناسبات التي جمعت بين الراحل وبين كبار الشخصيات السياسية والادبية والاعلامية في لبنان وفي ارجاء الوطن العربي.
وتتميز من بين معروضات المتحف, المنصات الزجاجية التي تتضمن رسائله المكتوبة بخط يده, والرسائل المهداة اليه, والبطاقات التي كانت تصل اليه في مكاتب جريدة «البرق» والبروفات الكليشيه الزنك للعدد الاول من الجريدة. كما تتميز المنصة التي حوت كتب بعض كبار الادباء والشعراء الذين اهدوها الى الشاعر وسطروا له اجمل التواقيع التي تؤرخ لهوية الادب الرفيع, ولزمن الشعر العربي المعاصر, الاكثر شفافية والاكثر قوة في الوقت عينه. نذكر منهم حافظ ابراهيم, الياس ابو شبكة, بولس سلامة, شفيق معلوف, وعمر فاخوري.
يقول الاديب محمد علي موسى, في شهادته لهذا التكريم: «مما يفرح القلب, ويخرج النفس من سويدائها, من هذا الواقع المحزن, ان سحائب الفكر ما زالت تحلق في سماء لبنان, وأن يد الابداع لا تزال مطلوبة. واننا في هذه المناسبة اليوم, في ذكرى الاخطل الصغير, وفي مشاهدة متحفه والمشاركة في بعض الانشطة التي تقام على هامش هذه المناسبة, ليحار المرء هل ان هذا البلد الذي جمع كل ايادي السوء والشر لتتصارع على ارضه, لا يزال قادراً على الاحتفاء بيد الابداع, وبنخبة محلقة كبيرة من ابنائه, من النوابغ الأعلام, كالشاعر بشارة الخوري الذي ملأ الدنيا غناء وترنيما وحداء, مشيداً بجمال لبنان, مغنيا امجاده. وهذا المتحف قد لا يكون وافيا ليعطي دراسة توثيقية عن الاخطل الصغير بشكل علمي, ولكنه لا شك في انه يسهم في القاء اضواء جميلة جداً, وكاشفة جداً, تساعد على فهم هذه الشخصية الادبية العملاقة. ان لبنان كله يتجسد هنا في هذه الفئة من النوابغ من بنيه, فهم رمز لبنان, وهم الذين صنعوه, لا هؤلاء صغار النفوس, السفهاء في مظهرهم وفي كلامهم, الذين يملأون الدنيا قبحا, وينفرون الدارسون ولا سيما الصغار, من الاشادة بجمالية بلدهم.
ان هذه الذكرى لهي مناسبة جيدة جدا للدلالة على احد المبدعين الذين اسهموا في رفع راية لبنان خفاقة في العالم اجمع.
اما المؤرخ يوسف الحوراني فقد رأى ان هذا المتحف يشكل نفض غبار عن اشخاص لامعين يكاد يغطيهم غبار السياسة. ويقول ان لبنان لا يزال حياً وموجودا وسيبقى على وجوده الحضاري والتاريخي المتميز».
ويحضرنا هنا ما قاله الشاعر محمد الفيتوري في الذكرى الاولى لغياب الاخطل الصغير في العام 1969, حيث ردد في «قصر الاونسكو» منشداً:
أنت في لبنان والخلد هنا
والرجال العبقريون اقاموا
حملوا الكون على اكتافهم
ورعوا غربته... وهو غلام
غرسوا الحب فلما أثمر
الحب اهدوه الى الناس وهاموا
غرباء ومغنين, واحلى
اغانيهم: على الارض السلام
انت في لبنان, والشعر له
في ربى لبنان عرش ومقام
شاده الاخطل قصرا عاليا
يزلق الضوء عليه والغمام
وتبيت الشمس في ذروته
كلما داعب عينيها المنام.
يستمر المعرض الى 29 تشرين الثاني نوفمبر الحالي.

 

غادة علي كلش



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.