العوْدة
إلى الفردوس
قراءة في قصيدة
الصعاليك
ثمَّة
أسْبابٌ عديدة
أوقعتنا في
دائرة سِحْر
هذه القصيدة،
ودَفعَتُنا
إلى الإقبال
عليها، مأخوذين
بتجارب أصْحابِها،
خُلعَاءِ
القبائل وأغْرَبتها
السود، الذين
خَرَجُوا
على كُل ما
استتب واستقر،
وباتُوا رموزاً
للتمرد، والتشردِ،
والاضطراب
في الأرض.
ولعلّ
أهم هذه الأسباب
وأولاها بالنظر
والتأمل دراسة
الناقد يوسف
خليف «الشعراء
الصعاليك
في العصر الجاهلي»
وهي الدراسة
التي أفرغت
مصطلح الصعلكة
من دَلالاتِ
الإغارة والسبي
والقتل وملأته
بدلالات الفداء
والتضحية
وحب العدلِ
فتحوَّل الصعاليك،
بسبب ذلك،
من رجال يَنْتَهبونَ
السائر في
الصحراء يتلعبون
بِه، ويتخطفونَه
ويأكلُون
مآله إلى فتيان
يُشِركُونَ
الفُقراء
في مال الأغنياء
ويجعلون لهم
فيه نصيباً،
بل حقاً يغتصبونه
إن لم يُؤدَ
إليهم.
هذه
الكلمات لم
تخاطب، ونحن
طلاب في الجامعة،
وجداننا الشعري
والفنّي،
وإنما خاطبَتْ
وجداننا السياسي
والأيديولوجي،
فتشرْبْنَاها،
وأصبحنا من
خلالها نقرأ
تجربة الصّعاليك.
لم نعتبر،
في ذلك الوقت،
دراسة الناقد
يوسف خليف
مجرَّد إمكانٍ
تأويلي من
جُملةِ إمكاناتٍ
تأويليةٍ
أخرى، مجرّد
قراءة من جملة
قراءات محتملة.
وإنما اعتبرْنا
كل ما جاء فيها
بمثابة الحقائق
التي لا يَرقى
إليها الشك!
لهذا
استقرّت صورة
الصعلوك في
ذاكرتنا رَمْزاً
للتمرد على
القبيلة،
للثورة مِن
أجل العدالة
الاجتماعية،
للصراع بيْنَ
طبقة الفقراء
ممثلةً في
شُذّاذ القبائل
وفقرائها.
وطبقة المالة
ممثلةً في
الأغنياء
وهو الصراع
الذي ضمَّ
في نَظر يُوسف
خليف، براعِمَ
لمْ تَتَفتّحْ
تماماً من
النظرية الاشتراكية
الحديثة.
هذه
المعاني أخذت
شَكْلَ بدائه
لم يقدمْ أحدٌ
على تمحيصها
واستقصائها
والنظر فيها
بَلْ ربما
وَجَدْنا
من كبار النقاد
مَنْ سعى إلى
تأكيدها وترْسيخها
في العُقولِ
والأذهان.
هكذا انتقلت
أفكار يوسُف
خليف إلى أعمالٍ
نقديةٍ أخرى
وذابت في تضاعيفها،
وهكذا تناسخَتْ
وتناسَلَتْ
حتى نَسِيَ
النقاد الأصل
الذي انحدرتْ
منه. ولعلّ
أول من تلقف
هذه الأفكار
وقدّمها في
سياق أكثر
تناسقاً وجاذبية
هو أدونيس
في كتابه «الثابت
والمتحول»
حَيْث ذهب،
كما ذهب يوسف
خليف من قبله،
إلى أنّ الصعاليك
كانُوا يصْدُرُون
عن إحْسَاسٍ
عَفويٍّ برفض
الفروق الطبقية،
ويتجلَّى
الرفض أقوى
ما يتجلى في
قصائدِ عروة
بن الورد الذي
تمرّد على
القرابة الدّمويّة
والقبلية
وانفتح على
الإنسان بما
هو إنسانٌ
فيما يتجاوز
الولاء القبلي
واللون والغِنَى.
ويؤكد أدونيس
أن العَالم
الشعري الذي
خَلَقه عروة
في قصائدهِ
هو عالم الاحتفاء
بالإنسان
والمعاناة
من أجل تحقيق
هذا الاحتفاء.
لقدْ حوّل
هذا الشاعر
حياته إلى
كفاحٍ ضد الراهن
الجائر الذي
كان يستغل
الإنسان ويستهينُ
به. وفي مرحلةٍ
ثانية يتأمَّلُ
أدونيس علاقةَ
عروة بالموت
فيقول إن بُطولة
عروة لا تؤمن
بِعالمٍ آخر
وراء الموت
بل تتخذ من
الإنسان بدايتها
ونهايتها.
فعروة لا يموت
طمعاً في ما
ينتظرهُ وراء
الموت بل يموتُ
لأنهُ يُريد
تحقيق مشروع
أخلاقي يتمثل
في تأصيل مفهوم
العدالة بين
الناس.
هذه
المعاني وغيرها
كثيرٌ ليست
إلا ترديداً
لما قاله يوسف
خليف، ليستْ
إلا تزكيةً
لجملة من الأفكار
مازالت في
حاجةٍ إلى
استقراءٍ
واستقصاءٍ
وفحص.
أما
الناقد جابر
عصفور فإنه
يؤكِد بوضوح
أنه ما زال
مقتنعاً بما
علّمه إياه
أستاذه يوسف
خليف من أن
التمرد المتفجر
في شعر الصعاليك
يؤكد حضور
الأنا إزاء
الآخرين،
ويضع الصعلوك
في مواجهة
القبيلة بالمعنى
الاجتماعي،
وقصيدته في
مواجهة شعر
القبيلة بالمعنى
الفني فشعْرُ
الصعاليك
قدْ أبرزَ،
في نَظرهِ،
ما قامتْ عليهِ
حياةُ الصعلُوكِ
من معاني التضحية
بالنّفس في
سبيلِ المبدأ
وارتحالِه
الدائم في
بلادٍ ليس
فيها متّسعٌ.
لقد
ظل جابر عصفور
في مقالته
التي نشرها
في كتابه «غواية
التراث» سنة
1995 متشبثاً بآراء
يوسف خليف،
يشيدُ بها،
يسعى إلى توكيدها.
لكنّ
المعاني التي
تضمّنها كتابُ
يوسف خليف
لمْ تتسلّل
إلى الأعمال
النقدية فحسُب،
وإنما تسلّلتْ
إلى الأعمال
الإبداعية
أيضاً حيثُ
أصبح الصُّعلوك
صورة للزّعامةِ
العادلة،
قناعاً للثائر
الذي استدرك
على نَواميس
الواقع وقوانينِه،
نَقرأُ في
مجلة «الآداب»
شهر ديسمبر
1967 قصيدة مؤشومة
بعروة مَطْلعُها:
عجيبٌ
أنت يا عُرْوَهْ
إباؤُك
ناصِعُ النَّخْوَهْ!
ونقرأُ
في مجلة الأقلام
السنة التاسعة
عدد 5:
أنت
يا عروة الذؤبانِ
عظيمٌ وعادِلْ
غير
أن التفرد
في البحث عن
كنز هارون
يا سيدي
لطْخَةُ في
جبين المقاتِلْ
لقد
ظَلّتْ قراءةُ
يوسف خليف
لشعر الصعاليك
تُوجه الدارسين
والمبدعين
على حد سَواء.
لا أحدَ
من النُّقاد
انعطف على
هذا الشعر
يتأولْهُ
من جديد، لا
أحدَ تمكنَ
من نقضِ آراءِ
يوسف خليف
وتجاوزها
والحال أن
هذه القِراءَةَ
كانت مَشْرُوطةً
بِلحْظتها
التاريخية،
موصولةً بظروف
سياسيةٍ مَخصُوصةٍ،
ومِنْ ثم فهي
لُمْ تكُنْ
قراءة بريئةً
أو محايدة
وإنما كانت
قراءةً ماكِرَةً
لا تقول المقْرُوءَ،
أي شعر الصعاليك
بقدر ما تقولُ
القارئ، ولا
تفصِحُ عن
الموروث بقدر
ما تفصِحُ
عن الوَارثِ.
لقد
نشرَ الدكتور
يوسف خليف
كتابة سنة
1959 أي حينَ تحولت
مصر إلى الاشتراكية،
وباتت العدالة
الاجتماعية
خياراً استراتيجياً
انحاز إليه
الكثيرُ من
المُثقَّفين.
هذه
المرحلة،
مرحلةٌ الخيار
الاشتراكيّ،
هيَ التي كانتْ
وراء استحضار
هذه الرموز
الشعرية،
وراء ضخّها
بدماءٍ جديدةٍ..
ولا غرابةً
في ذلك بما
أن كل حقبةٍ
من حِقب التاريخ
تُبطلُ، كما
أوضح لوتمان،
سُلْطان رموزٍ
معينة، وتبْعَث
من الرمادِ
رموزاً أخرى
تُزَكيها.
كل حقبة تُهيل
التراب على
نصوصٍ، وتعيد
خَلَق نصوصٍ
أخرى خَلْقاً
ثانياً.
في هذا
السياق نَفْهَمُ
سبب العودةِ
في الخمسينات
من القرن الماضي،
إلى شعر الصعاليك،
ونَفْهَمُ
خاصةً سبب
تأولِها تأويلاً
اجتماعياً.
لقد
لاحظ يوسف
خليف نَفْسُهُ
أن ديوان الشعر
العربي قد
أهمل لقرون
عديدة شعر
الصعاليك،
استبعَدَهُ،
حوّلهُ إلى
هامش، أي إلى
بضعة من الأبياتِ
المتناثرة
والتي يفزعُ
إليها أهلُ
اللغة كلما
أرادوا شاهِداً
يؤكدُ قاعدة
أو يثبتْ استثناء.
فهذا الشعرُ
لمْ يكن محل
عناية الرواةِ
ولا رعاية
النُّقاد،
فلا هؤلاء
أقبلوا على
دراستِهِ،
ولا أولئك
عَملُوا على
جَمعَه.
لكن
بقدر ما تنكب
عنه النقاد
القدماء تعففاً
أو ترفعاً
أو بحثاً عن
سلامةٍ مَوْهومةٍ
أقبل عليه
النقاد المعاصرون
يقرؤونه من
خلال وعي حديث،
خالعين عليه
من المعاني
ما هو مستمدٌّ
من ثقافتهم
الفكرية والسياسية
الحديثة.
لهذا
نحن نَسْتغربُ
من قول يوسف
خليف إن موضوعَ
الصعاليك
قد قفزَ إلى
ذهنه فجاءةَ
من غير أن تسوغَهُ
أسبابٌ موضوعية
تسنده وتؤكده،
ونذهب إلى
أن هذا الموضوع
ما كان ليخطر
بذهن الزجل
لولا طبيعة
المرحلة السياسية
التي كانت
تمر بها مصر
فهذه الدراسة
لا تكشف، في
الواقع عن
العصر الجاهلي
فحسب، وإنما
تكشف عن العصر
الحديث أيضاً،
ولا تقول هواجس
الصعاليك
وأحلامهم
فحسب وإنما
تقول أيضاً
هواجس الكاتب
وأحلامه أيضاً.
ونحب
الآن أن نسأل:
هل يمكن
التوسل بمقاربات
أخرى نقرأ
من خلالها
هذه القصيدة؟؟
إن قراءة
متأنية لهذا
الشعر تكشف
عن وجود مداخل
أخرى كثيرة
يمكن من خلالها
الإنصات إلى
قصيدة الصعاليك،
واحتواء تجربتها،
فالصعلوك
كما نحب أن
نزعم هو قبل
كل شيء متمردٌ
في قصيدته.
فإذا كان يوسف
خليف قد أكد
أن الصعلوك
قد خرج على
تقاليد القبيلة
ونواميسها
فنحن نؤكد
أنه الصعلوك
قد خرج على
تقاليد القصيدة
الجاهلية
السائدة وقواعدها.
الصعلوك قد
واجه الذاكرة
الجماعية
بالذاكرة
الفردية فلم
يستعد بنية
القصيدة التقليدية
ولم يسترجع
صورها المتواترة
وإنما أسس
بنى جديدة
وشكل صوراً
مستحدثة متحها
من تجربته،
من حياته،
من أوجاعه.
فعالم النص
في قصائد الصعاليك
ليس منفصلاً
عن نص العالم:
إنهما متداخلان
متشابكان.
قصيدة
الصعلوك تحركت
في أفقٍ جمالي
وفتى يختلف
عن الآفاق
التي تحركت
فيها قصائد
الشعراء الجاهليين.
اختارت هذه
القصيدة لغة
الخرافة وبنيتها
ورموزها. فالدخول
إلى فضائها
دخولٌ في فضاءٍ
تملؤهُ أشباحُ
الغيلان وتتجاوب
فيه أصوات
الذؤبان،
ويتراءى فيه
الإنسان بقناع
الحيوان،
والحيوان
بقناع الإنسان
لكأن غرض هذا
الشعر يتمثل
في إخراجنا
من عهدٍ، وإدخالنا
في عهد آخر
مختلفٍ، إخراجنا
من عهد اللوغوس
والقوانينِ
الثابتة،
والتقاليد
الراسخة إلى
عهد الميتوس
والفراديس
الضائعه والبدايات
السعيدة حيث
الحدود بين
الممالك الثلاث:
مملكة الإنسان،
ومملكة الحيوان
ومملكة النبات
لم تزل غامضة
ملتبسة. في
هذه القصيدة
يتحول الصعاليك
إلى ذئاب يرفعون
أصواتهم بالعواء،
ويرتقون المراقب
يرصدون الفرائس
بينما تتحول
الأوابد والكواسرُ
إلى كائناتٍ
عاقلة تخاطب
الإنسان خطاب
القرين للقرين.
الشعر هنا
عودٌ إلى ما
قبل الطبقات،
إلى ما قبل
الصراع إلى
ما قبل القوانين،
إلى ما قبل
الممنوع والمباح.
فالصورة التي
يرسمها الصعلوك
هي صورة الرجل
الذي استبدل
التحضر بالتبدي،
والناس بالضواري،
والأنس بالوحشة.
كل قصائد الصعاليك
ليست إلا وصفاً
لهذه الرحلة
المعكوسة:
رحلةِ الإنسان
من الحاضر
إلى الماضي،
من الحضارة
إلى التوحش،
من مملكة العقل
إلى مملكة
الغرائز والرغبات
المضطربة.
هذه
الرحلة إنما
هي إيقاعٌ
متواترٌ في
كل الأعمال
الأدبية الكبرى:
ملحمة كلكامش،
الأوديسا،
ألف ليلة وليلة،
حي بن يقظان،
روبنسون كروزو،
عوليس، متاهات
برخس.
في كل
هذه الأعمال
حاول الإنسان
أن يستنبت
أجنحة ويعود
إلى الفردوس
الذي ترك منذ
زمنٍ بعيدٍ،
حاول أن يلغى
كل أزمنة القهر
والقمع، ويسترجع
طفولة الكائن
والكون معاً،
وسواء كانت
هذه الرحلة
إلى الداخل
أم إلى الخارج
فالنتيجة
واحدة هي استدراج
اللغة حتى
تقول ما هو
متوحش وبريء
وغامض فينا،
أي أن تقول،
بعبارةٍ واحدة
رعشتنا أمام
المجهول مجهول
الذات والعالم
من حولنا وقد
تمكنت، في
نظري، قصيدة
الصعاليك
من وصف هذه
الرعشة وقالت،
بطريقةٍ باذخةٍ،
رغبتنا في
العودة إلى
شجرة المعرفة
من جديد، وإصرارنا
على ارتكاب
نفس الخطيئة،
خطيئة حبنا
للأرض أي حبنا
للشعر.
المراجع:
يوسف
خليف، الشعراء
الصعاليك
دار المعارك
1986.
أدونيس:
الثابت والمتحول
ـ دار العودة
بيروت 1980.
جابر
عصفور غواية
التراث كتاب
العربي الكويت
2005.
محمد
الغزي