حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ثقافة «الوسائل» الحديثة تكسر مركزية النص التقليدي

لوحة للرسام اليوغوسلافي فلاهوفيك
لوحة للرسام اليوغوسلافي فلاهوفيك

حين يوسّع المرء آفاقه النقدية، ويخرج من انغلاقات المحلّي والإقليمي، والجنس الأدبي والنوع المرتبط بالتاريخ والجغرافيا، وحين يذهب الى أبعد من قال فقلنا، وعلّق فأجبنا. حين يخرج المرء بكلام آخر من جلده العربي باحثاً عن مواقع الفكر الخلاّق والأعمال الإبداعية، ومفتشاً عن الأنماط المهيمنة لثقافة القرن الواحد والعشرين، في معيشها ونظرها لا يمكن إلاّ ان تصيبه الدهشة في هذا الفارق بين ما يُعاش، وما يقال، وبين ما يُكتب وينظر، والواقع. ذلك ان الواقع العربي كما يُمارس ويُعاش يبدو منفصلاً عن ما قبليّاته الإيديولوجية والثقافية، والعُرفية ولا يمكن المرء إلا ان يتساءل: هل صحيح ان ما نسمعه ونقرأه عن الثقافة العربية ما زال قادراً على التعبير عن مزاج الحال الراهنة لمعيشنا؟ أم ان هذا المعبر عنه في كتبنا ومجلاتنا وجرائدنا فقد معناه ومغزاه، وتحول الى قطع اثرية تؤسس الى ما كان، وما كنا عليه؟

في الواقع، ان الفعل الثقافي اليوم توسع ليشمل إضافة الى الأدب الراقي الأدب الشعبي، تحت تأثير التلفزيون والسينما والديسك والكومبيوتر والإنترنت والمحمول، وتوسّع هذا الفعل في شكل ان الأغنية الشعبية والنكتة التلفزيونية، والتعليق الرياضي والريبورتاج الإعلامي، والدراما، وما الى ذلك صارت تؤثر فينا اكثر من أية قصيدة لأدونيس او محمود درويش، أو أي قصة لنجيب محفوظ أو يوسف حبشي الأشقر.

يتساءل جوناثان كولر عما يحدث في الحقل النقدي حين يلحظ المرء اساتذة الأدب ينصرفون عن دراسة الشاعر ملتون الى دراسة المغنية مادونا، وعن دراسة شكسبير الى دراسة الدراما التلفزيونية (دالاس مثلاً)، ويرى البروفسور الفرنسي يكتب عن السجائر، وزميله الأميركي يكتب عن السمنة.

هذه الدراسات كسرت مركزية النص الثقافي بمفهومه التقليدي (شعر ونثر)، وصارت تأخذه من حيث ما يتحقق فيه، وما يتكشّف عنه من أنظمة ثقافية، بمعنى ان النص هنا مادة خام، وسيلة وأداة لكشف الأنظمة السردية، والإشكاليات الإيديولوجية وأنساق التمثيل. وبكلام آخر دخل النص في نمط إنتاج الثقافة الذي يخضع لترسيمات الإنتاج الصناعي الجماهيري، ومن دون أي اعتبار للقيم الجمالية التقليدية التي كانت تؤمن بالإبداع، وتنظّر للشعرية والفنية والجمالية.

ان النظر اليوم الى الثقافة بصفتها انتاجاً، والنظر في وسائل توزيعها وطرائق استهلاكها، يعتمد في ما يعتمد على فكرة الاتصال مع المجتمع المستهلك مقرونة بالتفاعلات والتقاطعات مع انظمة الاستقبال التي تؤثر في حركة السياق الاجتماعي والتاريخي لمفهوم الثقافة والنص الثقافي.

يُعتبر الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز بلا شك الشخصية الأكثر حضوراً في نقدها لثقافة القرن العشرين. فقد كشف في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» الأشكال الجديدة للسيطرة والهيمنة من خلال استثمار التكنولوجيا والعلم، اللذين يخفيان وراءهما عدم وجود نموذج تنظيمي للمجتمع، يدّعي تحرير الفرد، فيما هو في الحقيقة، يعمل على استعباده!» فالعقلانية التقنية، والعقل الاستخدامي أو الأداتي قد اختصرا الخطاب والفكر في بعد منفرد، يعمل على تناغم الشيء ووظيفته، والواقع والظاهر، والماهية والوجود».

ان العقل الاستخدامي والوسائلي الذي يهيمن على المجتمع المعاصر ويكيّف ثقافته تبعاً للإنتاج والاستهلاك وليس للإبداع والتقدير، الذي انتقده ماركوز في كتابه «البعد الواحد» لاقى تردداته عند الفرنسي رولان بارت الذي نبّه في كتابه «ميثولوجيات» الى اهمية تطور الإعلان، والصحف الكبرى، والإذاعات والتلفزيونات في صوغ الأساطير المعاصرة، كما تتجلى في الاتصال الجماهيري، وذلك من خلال عمل التضمين واستتباعاته الإيديولوجية. ولاقى تردداته ايضاً عند الفرنسي الآخر غي ديبور صاحب كتاب «المجتمع المشهدي»، وفيه يشير الى ان التمشهد التلفزيوني، أو الاستعراض الفني ليس مجموعة من الصور، بل هو تجليات لعلاقات اجتماعية بين الأشخاص، تتمشهد باستثمار الصور، وأن التمشهد لا يمكن فهمه باعتباره جرعات كبيرة من عوالم الصورة، أو محصلة لتقنيات البث الجماهيري للصور بل هو بالأحرى رؤية للعالم تؤثر فينا. وتجذبنا للعمل بوحيها.

كتب الفيلسوف الفرنسي فرنسوا ليوتار في كتابه المعنون «شرط ما بعد الحداثة»: «تدخل مجتمعاتنا عصر ما بعد الصناعة، وتدخل الثقافات عصراً يقال انه ما بعد حداثي».

ويعتبر هذا الفيلسوف ان الأسس الاجتماعية لمبدأ التقسيم، وصراع الطبقات، قد فقدت جذريتها. وقد استنتج من هذا نهاية صدقية القصص الكبرى وتفككها. وأكد ان «الوظيفة السردية فقدت دعائمها: كبار الأبطال، والأخطار الكبرى، والرحلات الكبرى، والهدف الكبير. وأضاف قائلاً: «ان الجديد في صنو السياق يمكن ان يلخص في القول بأن الأقطاب القديمة الجاذبة التي شكلتها الدول – الأمم: الأحزاب السياسية، والمهن، والمؤسسات والتقاليد التاريخية فقدت جاذبيتها. ولا يبدو انها ستعوّض... إن التماهي مع الأسماء الكبرى، وأبطال التاريخ الحاضر اصبح يحصل بصعوبة اكثر».

في ظل هذا الحس الانتقادي لعصر ما بعد الصناعة، وشرط ما بعد الحداثة في الغرب يمكن التساؤل عن طبيعة الثقافة التي تحوّلت الى سلعة تباع بواسطة وسائل الاتصال والإعلام، كما يمكن التساؤل عن المشكلات الخاصة التي تواجهها الرأسمالية لإنتاج القيم انطلاقاً من الأدب والفن، أو الثقافة على وجه الإجمال.

إن إنتاج السلعة الثقافية (الكتاب، الاسطوانة، الفيلم، المادة التلفزيونية، الصحافة، وغيرها) يستجيب لمنطق واحد وحيد في رأينا، وهو ان الصناعة الثقافية لا توجد في ذاتها، وإنما هي مجموعة من المكونات التي تملك قوانينها الخاصة من خلال معيارية الإنتاج. وبمعنى آخر ان مردود الإنتاج الثقافي يرتكز على رأسمال يترجم في آليات تنظيم العمل، وفي خصوصية المنتجات ذاتها، وفي محتوياتها، وفي الأنماط المؤسساتية لمختلف الصناعات الثقافية (خدمة عمومية، علاقات بين القطاع العام والقطاع الخاص...) وفي درجة التمركز الأفقي والعمودي لمؤسسات الإنتاج، وأيضاً في الطريقة التي يتملك بها المستهلكون او المستخدمون المنتوجات الثقافية والخدمات.

ان معرفة أثر الثقافة الغربية فينا لا يقاس بما كان يقاس به في السابق حيث كان الكتاب وسيلة التثاقف الوحيدة. ذلك ان وسائل الاتصال الجماهيرية (الكتاب، الأسطوانة والفيلم والمادة التلفزيونية والصحافة) اليوم تضيع الثقافة العربية بكل وجوهها امام مفترقات يختلط فيها التاريخ بالأنتروبولوجيا والفن بالسياسة والأدب بالاقتصاد في حركية الإنتاج والاستهلاك، مفترقات تعيد النظر في قاعدة اللاتدخل التي كانت تحرم على دارسي العلوم الإنسانية التعامل مع اسئلة السياسة والسلطة، ومع ما هو في صلب حياة الناس.

لم تعد اليوم بفعل وسائل الاتصال حدود فاصلة بين الأمم، وفي حركة تداول ما هو ادبي وما هو غير ادبي، وفي حركة اعتبار ما هو شعبي وما هو غير شعبي، وفي حركة اعتقاد ما هو دائم وما هو متغير. هذا التحول الراديكالي في النظرية الثقافية كان نتيجة تلك الحقيقة التكنولوجية التي تغيّر معها الخطاب الإعلامي وحلّت الوسيلة محل الرسالة، والإنتاج محل الإبداع، والاستهلاك محل المعنى، والذات والحقيقة.

في مرحلتنا الثقافية الراهنة عربياً قليلة هي الإنجازات النقدية التي تؤسس للنظر النقدي ببعده الثقافي.

ذلك ان الحد كما يقول الناقد عبدالله الغذامي هو الذي لا يعني نهاية شيء ما، وإنما يشير الى بداية شيء جديد ومختلف «فالحد بين الحداثة وما بعد الحداثة، أو بين البنيوية وما بعدها التفكيكية والتداولية لــيس حــداً فـــاصلاً يعلن عن نهاية، لكنّه حد يُنبئ عن بداية اخرى لها امتدادها وبعدها الجديد».

 

موريس أبو ناضر / عن الحياة



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.