<<مئويتي>>
لغونتر غراس بالعربية تاريخ
التشرد والسخرية
منذ
روايته الأولى <<طبل الصفيح>> التي صدرت في ستينيات
القرن المنصرم، والتي أفردت له مكانة كبرى في سياق الأدب الألماني
كما في سياق الأدب في العالم، لم يتوقف غونتر غراس عن التساؤل
حول التاريخ الألماني، بكل تشعباته ومساربه. تساؤلات، شكلت خاصية
ما، لدرجة أن كتبه بأسرها لا تخلو منها، مما جعله يمثل <<وعيا
أخلاقيا>>، حيث ينتظر منه الجميع أن يبدي رأيا في مجمل
الأحداث السياسية والاجتماعية والأدبية التي تعبر بلاده. من
هنا يشكل غراس في ألمانيا، كما بالنسبة إلى العديد من الأوروبيين،
ذلك المثقف المنخرط في قضايا مجتمعه، أي يستعيد تلك المقولة
التي تفجرت مع الكاتب الفرنسي إميل زولا في بداية القرن العشرين
والتي أفسحت في المجال في ما بعد لكي <<يلعب>> المثقف
<<دورا ما>> في الحياة العامة. هذا الدور ظهر أيضا
بشكل مباشر، في الحملة الانتخابية التي قادها المستشار الألماني
غيرهارد شرودر، قبل وصوله إلى سدة الحكم، إذ كان غراس أحد المحركين
لحملته عبر سلسلة من المحاضرات والمقالات الصحافية، قبل أن يعود
ويهاجمه، إذ وجد انه انزاح في سياسته عن الخط المرسوم لها. مؤخرا
أيضا وجدنا غراس يلعب << دورا آخر>> عند زيارته
اليمن عبر <<اللقاءات>> التي ضمته مع عدد كبير من
المثقفين العرب، إذ <<توسط>> عند الرئيس اليمني
من أجل عودة الكاتب وجدي الأهدل إلى بلاده التي غادرها بعد الحملة
التي طاولته من جراء نشره لرواية <<قوارب جبلية>>.
مواقف
غراس قد لا تؤدي بالضرورة إلى إجماع في بلاده. يذكر الجميع تلك
الحملة <<الشرسة>> التي تعرض لها في العام 1995،
إثر صدور روايته <<حقل فسيح>> التي أجمعت العديد
من الصحف على انها <<غير سليمة سياسيا>> وذلك باتخاذها
موقفا <<سلبيا>> من الوحدة الألمانية. يومها، ظهر
كبير النقاد الألمان، رانتسيكي، على غلاف مجلة <<دير شبيغل>>
الأسبوعية وهو يمزق الكتاب احتجاجا على موقف غراس وآرائه الواردة
في الكتاب. لكن على الرغم من ذلك، لعبت هذه الحادثة دورا <<إيجابيا>>
إذ بيع من الكتاب ملايين النسخ في ألمانيا كما في العالم وربما
شكل نجاحه هذا، النجاح الجماهيري الثاني، الكبير، بعد <<طبل
الصفيح>>. أضف إلى ذلك، اعتبر العديد من الأوروبيين أن
هذه الرواية تشكل <<الرواية الحقيقية>> والوحيدة
عن الوحدة التي <<استعمرت فيها ألمانيا الغربية ألمانيا
الشرقية>> (وإن كانت هناك اليوم أفكار تقول ان سبب تدهور
الاقتصاد الألماني يعود في جزء كبير منه لهذه الوحدة).
واجب
الذاكرة
إذا
كان التاريخ يحضر في جميع كتب غراس، فإننا نجده اليوم أي التاريخ
يشكل المادة الرئيسية لكتابه <<مئويتي>> الذي صدر
مؤخرا في ترجمة عربية. انه الكتاب ما قبل الأخير لغراس. كان
صدر بالألمانية العام 2000 وجاء بعد سنة من حيازته نوبل. كتابه
الأخير صدر في الربيع الماضي، بعنوان <<السلطعون>>
ويستعيد فيه أيضا حادثة تاريخية هي قصة غرق السفينة البحرية،
التي كانت تنقل اللاجئين الألمان من أراضي أوروبا الشرقية بعد
نهاية الحرب العالمية الثانية. موضوع لم يتحدث أحد عنه أبدا،
إذ يشكل أحد المحرمات التي حاولت الادارة الرسمية التكتم عنها
طيلة عقود من الزمن. إلا أن الكاتب تجرأ على خوض غمار الماضي،
ليفتح كوة يطل منها على هذا الموضوع الأليم باسم <<واجب
الذاكرة>>. أيضا وأيضا، أثار الكتاب جدلا لم ينته،كما
بيع منه عند صدوره 400 ألف نسخة. اتهم البعض الكاتب بأنه <<يصطاد
في الماء العكر>> وكان جوابه هو التالي: <<كان يجب
على جيلي ان لا يسكت أبدا أمام هذا الألم الشائك>>.
يضع
<<مئويتي>> فوق مجرى الأحداث تاريخ القرن العشرين
(1900 1999) عبر مئة نص قصير، حيث يعالج كل نص سنة معينة وحادثة
واحدة أكانت حادثة حقيقية أم ساخرة عبر نظرات رواة مختلفين متنوعين:
طفل لا يستطيع ان يمنع نفسه من التبول فوق اكتاف والده خلال
اجتماع عمالي، الأمبراطور الألماني الذي يرسم الطرادات البحرية
والغواصات عشية الحرب العالمية الأولى، الرسائل الذكريات المتبادلة
بين الكاتبين الألمانيين ارنست يونغر وإريش ماريا ريمارك، استاذ
التاريخ الذي يشرح لطلابه <<ليلة الكريستال>> في
الرايخ، ذلك المراسل الذي يعلق في العام 1995 <<على تحجيب
مبنى برلمان الرايخ السابق باللمسات الساحرة للفنان العالمي
كريستو>>...
أحداث
وأحداث تمر بنا خلال هذه المئوية المختارة. لا فرق هنا بين التاريخ
الكبير أو الصغير عند غراس، أي لا فرق بين التاريخ العام والخاص.
من واجب الكاتب أن يلتقط التفاصيل، أن يكتب عنها إذا وجد انها
تشكل، بالنسبة إليه، زاوية صالحة للنظر، كي يطل منها. بمعنى
آخر، كل شيء صالح لكتابة التاريخ، وإن كان تاريخا ذاتيا لأن
المصائر البشرية هي التي تشكل التاريخ الحقيقي، الذي يختفي خلف
شائعات تاريخ المؤسسة الرسمية.
نحن
أمام أصوات مختلفة كما أننا أمام لوحات وسنوات متنوعة من لوحات
القرن العشرين وسنيه، التي تشكل في نهاية المطاف مجموعة من الأفكار
والصور عن هذه الانسانية المبقعة، الساذجة، المثيرة للشفقة في
أغلب الأحيان. ليس الراوي في الكثير من الأحيان إلا الكاتب نفسه،
من هنا تأتي هذه الملاحظات الكرونولوجية بمثابة وجه آخر من وجوه
السيرة الذاتية. ففي مقابل التاريخ الرسمي والبطولي الذي نجده
في الكتب المدرسية الألمانية، فضل غراس ان يكتب التاريخ التشردي
والساخر الذي يذكرنا بالمراهق أوسكار ماتساريت الذي روى التاريخ
من وجهة نظره في رواية <<طبل الصفيح>>. ان الفانتازيا
الخلاقة عند غراس كما تضاعف وجهات النظر وتصوير المواقف والشخصيات،
تجعل من قصة القرن العشرين هذه مجموعة من التواريخ والقصص الباروكية
المليئة بالمرح والشعر.
لولا
غونتر غراس لربما كانت ألمانيا تفقد رأسها. ففي هذا البلد الذي
يبتعد فيه المثقفون والفنانون طواعية عن المشاركة في الشأن العام،
نجد غراس (75 عاما)، على العكس من ذلك، لا يتوقف عن الذهاب إلى
قلب <<المحرّم>> لجعله وعيا جماعيا قد يلعب دورا
في تجنب إشكاليات المستقبل. من هنا لا يبدو غراس كاتبا، بل هو
ذلك المثقف الذي يشير إلى أفكار حارقة كي يهزها. يذكر ان <<مئويتي>>
هو الكتاب الثالث من سلسلة أعمال غراس الكاملة التي تصدر مترجمة
إلى العربية عن دار الجمل بإشراف الشاعر العراقي خالد المعالي،
وقد سبقه في الصدور <<طبل الصفيح>> و<<القط
والفأر>>.
إسكندر
حبش - ملحق السفير
الثقافي - 2003/01/31