حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

كارلوس ليسكانو

«عربة المجانين» رواية الأرغوي ليسكانو عن سنوات سجنه
«أنــوار» السخريــة.. بلاغــة العــري

بالتأكيد إن الأمر عائد إلى محض الصُدف. لنقل إلى محاسنها، لأنها فعلا صُدفة جميلة أن نجد «رواية» للكاتب الأرغوي كارلوس ليسكانو في العربية. هذا ما يقدمه لنا «المركز الثقافي العربي» (بيروت ـ الرباط)، بنشره ترجمة عربية لكتاب «عربة المجانين ـ سيرة السجن» (لليسكانو)، قام بنقلها إلى العربية حسين عمر. ترجمة جيدة، لدرجة أنني طرحت على نفسي سؤالا طوال فترة القراءة، هل أن المترجم عرف السجن السياسي يوما، إذ استطاع أن يقبض على هذه المناخات التي تغلّف الكتاب: المناخات العائدة لعذابات السجن وكلّ تشعباته الأخرى. سؤال لا لشيء، فقط للدلالة على تلك الدراية التي تطالعنا في اختيار الكلمات العربية المناسبة التي ترسم صورة ذاك السجن من الداخل، وكأنها كلمات معيشة ذات زمن، أكثر من كونها ملقاة في المعاجم.
وإذا كان السؤال يقودنا إلى جودة الترجمة، فلا بدّ أن يقودنا أيضا إلى السؤال عن أدب السجون في العالم العربي. من دون شك، نشهد مؤخراً، العديد من الكتب والروايات التي تتطرق إلى هذا الموضوع. لكن ينبغي أن لا ننسى أن الكتابة عن السجن ليست وليدة اللحظة الراهنة، إذ هناك العديد من كتّاب العالم العربي الذي حاولوا أن يرسموا صورة لهذا القمع ولهذه الدكتاتورية التي نحياها، والتي وجدت قمتها في السجن السياسي. بيد أن قصدي يتجه، إلى هذا الأدب «الجديد» الذي نشهده حالياً والعائد إلى تجربة حسيّة، بمعنى أن كثيرين ممّن دخلوا سجون الأنظمة العربية، وممّن خرجوا منها أحياء بالتأكيد، يحاولون اليوم كتابة تلك التجربة المرّة. كتابة تلك التجربة بكل آلامها وبكل ما فقده الكائن من إنسانيته المهانة. وبين ذلك كلّه، لا بد لسؤال آخر أن يستدرجنا: هل كلّ ما ينشر اليوم، بالعربية، يمكن أن يشكل أدبا جيدا وحقيقيا؟ بالتأكيد لا، إذ عديدة هي الكتب، المكتوبة بشكل سيئ، ومع ذلك، أعتقد أنه لا يحق لنا إعدامها، إذ على الأقل تحمل لنا شهادة من الداخل. هذه الشهادة التي نحن بحاجة إليها قبل أي شيء آخر. من هنا، ربما تراكم هذه التجربة، قد يولد أدبا كبيرا في مرحلة لاحقة. علينا أيضا أن لا ننسى أن عديدين ممّن يكتبون، قرأوا وكتبوا داخل السجن، تعلّموا هناك، وهم اليوم يحاولون استدراك ما فاتهم. وفي هذا الاستدراك، تطلع علينا شهادات آسرة بألمها، يجدر بنا أن نتقبلها كما هي. علينا أن نتقبل إنسانيتها التي ضاعت بين التعذيب والتهديد والسجن والخروج من الحياة.
قد لا يشذ كارلوس ليسكانو (مواليد عام 1949) كثيرا، إذ هو أيضا تعلّم وقرأ داخل السجن. في هذا المكان المعتم قرر أن يكون كاتبا وقد نجح في رهانه، إذ يشكل اليوم، وبرأي عدد كبير من النقاد، صوتا كبيرا من أصوات الأدب في أميركا اللاتينية.
هذا الرهان في الكتابة وفي الانحياز إلى الأدب، يكتبه ليسكانو في مقدمة روايته الأخيرة «ذكريات الحرب القديمة العهد»، إذ أنه بدأ حياته بدراسة الرياضيات، لكنه اكتشف الكتابة في السجن. ففي هذه المقدمة، يشرح لنا كيف تسنى له بين جدران «إصلاحية الحرية» (كم يبدو الاسم مناقضاً للواقع في حقيقة الأمر) من أن «يهرب من الصمت» المطبق الذي كان مفروضاً عليه، عبر الكتابة. كذلك يجد أن قراءة الكاتب الإيطالي دينو بوتساتي وبخاصة قراءة قصته «الرسائل السبع»، كانت بالنسبة إليه الشعلة التي حررته من غياهب السجن وعتمته لتحمله صوب مناطق لم يكن قد فكر فيها من قبل، حيث «يقارن» مصيره بمصير بطل هذه القصة، الذي كانت تتلخص «مهمته» في الرحيل «فالعيش ليس سوى ذلك الابتعاد عمّا نحبه أكثر من غيره، من دون أي إمكانية للعودة». هذه الجملة، دفعته لأن يكتشف سُلطة الكتابة المُحرِّرة، لأن «الكتابة، هي محاولة أن نعرف ما سيحدث». ولدرجة إعجابه بنص بوتساتي هذا، ولكثرة ما تراءى له أنه نص ثمين ولا غنى عنه، قام بنسخه، مخافة أن لا يحظى بإذن آخر في استعارة الكتاب، مرة ثانية، من مكتبة السجن. ربما بهذا المعنى، نستطيع أن نقرأ «ذكريات الحرب القريبة العهد» وكأنها محاولة طوعية «لتقليد ولاستلهام» رواية كاتبه الإيطالي المفضل «صحراء التتار».
في أي حال، نحن الآن أمام رواية، أو سرد، «عربة المجانين»، (وهذه التسمية عائدة إلى العربة التي تأتي لتأخذ المساجين في اليوم الأخير إلى الحرية)، تصدر بالعربية، وتتيح للقارئ العربي أن يتعرف على واحد من أكثر كتّاب أميركا اللاتينية تفرداً في الوقت الراهن، مثلما يفرض نفسه واحدا من «كبار» كُتّاب هذه القارة الذين لا يتوقفون عن إدهاشنا وأخذنا إلى أماكن جديدة من مناطق العمل الأدبي المتخيل. صحيح أن «عربة المجانين» ليست أفضل كتب لليسكانو، إذ هناك «المقَرّر وحكايات أخرى» (مجموعة قصص) و«طريق ايثاكا» التي تتحدث عن منفاه السويدي بعد أن خرج من السجن، وعن عودته منه، إذ يقيم الآن في اسبانيا، وبالتأكيد يجب إضافة «ذكريات الحرب القديمة العهد»، إلا أنه يجب قراءاتها لما تمتلكه من قدرة على إدخالنا في غياهب النفس البشرية التي تتعرض للتعذيب القسري.
حرية الجسد حرية الفكر
في 27 أيار عام ,1972 يتخلف شاب في الثالثة والعشرين من العمر عن حضور حفل عيد ميلاد شقيقته. والسبب؟ كان قد أوقف لتوه من قبل السلطات العسكرية، وذلك لأسباب سياسية. لم يطلق سراحه إلا بعد 13 سنة، أي عام .1985 بيد أن ليست هذه البداية التي تبدأ بها هذه الرواية، أو هذه السيرة الذاتية التي يكتبها ليسكانو. كذلك لا تنتهي عام .1985 لأن حرية الجسد كما حرية الفكر لا تشكلان الكلمة الأخيرة في كتابه هذا، كما أن يوم توقيفه يسم دخوله في هذه الحقبة البشعة التي لزمه على الأقل 27 عاما كي يجد ذاك الصوت الذي يتيح له أن يتحدث عن الزمن القديم، مثلما يقول. من ذلك كلّه، ولدت لغة الوحدة. فبعد ثلاث سنوات فتح هذا الصوت طريقاً لنفسه، فرض نفسه عليه، رغب في أن يقول له، بأن يروي حكايته، أكانت ذات قيمة إنسانية أو من دونها، أكانت ذات قيمة أدبية أو لم تكن. صوت لم يتوقف. بقي ينساب، ليخرج منه هذا الكتاب: «عربة المجانين».
على الرغم من هذه الرغبة القهرية في القول، في أن يروي، إلاّ أن النص الذي أمامنا ليس نصاًعنيفا أو طائشا؛ فعوضا عن هذه الموجات المتلاحقة التي كنّا ننتظرها، أو التي نتوقعها عادة في مثل هذه الكتب، نجد أنفسنا أمام فصول متوالية، منفصلة عن بعضها البعض تماما كما هي الجمل التي يكتبها، أي الجُمل ذات البنية البدائية، أقصد الأصلية، الموضوعة بالقرب من بعضها من دون أي رابط نحوي. إنها مثل فقاعات كابوس تأتي الواحدة بعد الأخرى، لتثقب سطح الذاكرة. وحيث أن تشظيها يلقي على الورقة تلك الذكرى المريرة كما كانت عليه. على سبيل المثال رواسب تلك الرؤية الحُلمية التي تفرض نفسها كتشكيل محلوم للحرية.
يقع الكتاب في ثلاثة أقسام. يأتي القسم الأول منه على شكل «خشبة مسرح للعرض»، حيث يضع عليها سلسلة من اللحظات/المفاتيح، لنجد أن والديّ الراوي يشكلان قطباه الذي يتحرك في دائرتهما. لقد ماتا، الواحد بعد الآخر خلال فترة اعتقاله. لم يستطع أن يشهد دفنهما. من هنا لم تأخذ حريته أيّ معنى، أيّ لم تأخذ اكتمالها إلا بعد أن وجد رفاتهما ليضمهما في قبر مشترك، وكأن ذلك كان بمثابة تحية إلى هذا «الزوج» الذي كانا يشكلانه. بهذا المعنى، لا يستدعي الكاتب الشهور الأولى من فترة اعتقاله، وهي فترة مليئة بالتعذيب والقهر إلا بعد أن يخبرنا عن الدرب الذي توجب عليه سلوكه كي يجد بقايا الرفاتين. ربما كان يرغب في ذلك أن يؤجل تلك «الغطسة» الذاكرية (من ذاكرة) للرعب.
«الذات وجسدها»، هو عنوان القسم الثاني، حيث يتضاعف فيه الرعب والتعذيب اللذان تعرض لهما. أن يبقى على مسافة من جسده عبر روحه، أن ينظر إلى جسده على أنه شيء خارجي، هذه هي السيرورة الذهنية الإجبارية التي يكتبها لنا ليسكانو كي يستمر في العيش وكي يقاسي العذاب. ثمة مسافة دائمة: بعد أن ندخل إلى قلب الحدث في الفصل الأول ـ حيث يعود إلى عدة سنوات إلى الوراء ـ نجد هنا مسألة السجين (المعتقل) و«المعذب» و«المسؤول»: نحن أمام سلسلة من الأمثلة التي تسقط القوانين من خلالها، التي تنبثق منها أنماط عيش السجين وعلاقته مع سجانه من هنا أيضا تنبثق «أنوار» السخرية الحادة والخطرة التي تعطي صفة إضافية قاسية للرعب. إذ قاسية هي مهنة السجان، لأنها تتطلب القوة والدقة ونسيان الذات، مثلما يقول الكاتب.
لا شيء يخبئه من عمليات التعذيب المفروضة على المساجين، لا إضافات تزيينية لتجميل الوضع مخافة أمر لاحق، ولكن أيضا لا شيء مشوهاً أو منفوخاً زيادة. بهذا المعنى يُسرّ لليسكانو من كتابة الجوهري: الإحساس بالجسد. هذا الجسد المحروم من النظافة الأكثر بدائية، أي المحروم من الاستحمام من حلاقة الذقن. ما من صور، ما من استعارات، ما من مقارنات كي يحاول أن يعيد تركيب ـ حسيّا ـ روائح الجسد هذه الذي لم يعرف الاغتسال. ومع ذلك فإنها موجودة هنا في قعر هذه الكلمات المستعملة في أقصى بساطتها وبدائيتها، بكل كثافتها التي تشير إلى القرف الذي يشعر به المساجين من أجسادهم. ليس هنا سوى مثل واحد يبحث من خلاله على إعطاء هذه الفكرة عن هذا النثر الذي لا يصرخ والذي لا يلجأ لا إلى المحسنات البلاغية ولا إلى المحسنات الأسلوبية ولا إلى الاستعارات. تتوالد الجمل هنا لتهب نفسها ببساطة. إنها مُوقعة (من إيقاع) بكلمات تتكرر: «السجين، السجان، التعذيب» وهذا ما يشكل نبرة تسمح له، على الرغم من السنوات التي مضت، في أن يبقى على مسافة من العذاب الجسدي والنفسي الذي حمله التعذيب إلى هذا الكائن.
بعيداً عن الوجدانية
كتابة فجة. قد تصلح هذه الكلمة لتوصيف هذا الأسلوب الخالي من أي تزيين شعري؛ أسلوب يصدم القارئ الغارق في هذه السيرة، إذ لا يجد أمامه تلك الوجدانية المعتادة التي يحاول الكُتّاب أن ينشروها دائما أمام الأحداث المرعبة. ما من أدنى أثر هنا «للباتوس» (التفخيم) ما من تزيين أدبي لتجميل العنف والألم والذل والعلاقة مع الذات التي يذيبها التعذيب. كلّ شيء هنا، حتى الفرح بتقدير الذات الذي يعيش فيه خلال 13 سنة من الحجز. كل شيء في وجه القارئ عبر هذه الكتابة العارية ذات الصوابية القصوى. بالتحديد، في هذه الدقة العارية، نجد فن ليسكانو الأدبي، وكأن العري هو الوسيلة الوحيدة ليمتلك شجاعة الاستمرار، بينما البلاغة قد تفضي به إلى الانهيار.
وكما في كل سرد نابع من تجربة حادة وعميقة وحقيقية، نجد أن «عربة المجانين» تتخطى فردانية الكائن لتصل إلى تخوم الإنساني بشكل عام كي تتواجه مع كل قارئ وتدفعه إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى، بشكل أفضل من كل بحث فلسفي.
أما القسم الثالث «الجلوس وانتظار ما سوف يحدث» فيصف هذه اللحظات التي تسبق الخروج إلى الحرية في عربة المجانين. هنا أيضا ما من تفخيم، وكأنه ينجح في لجم هذه الجرعة من الفرح، إذ لا مكان للتطريب بعد أن تكون قد ضاعت حياة لا نعرف كيف سنمضي مع بقيتها. صحيح أن السجين ينتظر هذه اللحظة، من دون شك، ولكن ليسكانو، بحسه العاري، يعرف كيف يقبض على مشاعره بانتظار الخروج الحقيقي.
ما يأسرنا في هذا الكتاب، قدرة ليسكانو على هذه الحيادية، أقصد أن سيرته هذه ـ التي لا تروي فقط تفاصيل اعتقاله وتعذيبه، لأسباب سياسية غير محددة بالتفصيل، ولكن غير المبررة كما هو واضح ـ لا تكتب بغضه ضد هذا النظام الدكتاتوري الذي سرق 13 سنة من شبابه. لم يقم الكاتب بذلك، بل انتظر سنين عديدة قبل أن يجد الكلمات. وما وجده كان دقيقا وعميقا ليشهد على هذه الطمأنينة التي عاد ووجدها فيما بعد. ربما هذه الطمأنينة هي التي جعلته يتساءل عما هناك من إنساني في روح السجان الذي يعذب، عما هناك في هذا الجسد الذي نحمله معنا والذي علينا أن نداريه ونعتني به.
كل هذه الأمور، قادت كارلوس ليسكانو إلى التمتع بهذه المسافة التي ينجح في الإبقاء عليها ما بين ماضيه وما بين النظرة التي يصوبها تجاهه. من هنا، ربما نستطيع أن نقدم قراءة أخرى لهذا الكتاب، إذ نجده يقع في منتصف الطريق ما بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي. تأمل يأخذ كل قيمته ومعناه في هذه التجربة الحية التي عاشها الكاتب.
كلّ أدب هو ثمرة تجربة، حتى وإن كانت تجربة فكرية، غير حياتية. كتابة ليسكانو تجمع الأمرين معا. تجمع هذه الحياة الواقعة بين فصلين: السجن والحرية، مثلما تجمع هذا التأمل العميق لمعنى الذات والآخر كما لمعنى هذين الزمنين ـ الفصلين. بهذا المعنى نحن أمام كاتب يجب أن نقرأه، لأن تجربته، لا تنحصر في مكان وزمان خاصين، بل هي تجربة إنسانية تعني كل واحد منا بالدرجة الأولى. كيف لا وهي تجربة الحرية القصوى.

 

اسكندر حبش



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.