حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مائة عام على دخول الحداثة الى اللغات
محمد عبده.. العناية بفقه المدينة

وبعد أن ماتت الحداثة في الغرب تداولنا نحن العرب هذا المصطلح وجربنا حظنا في استخدامه. كان هذا عندما بدأت مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة منذ خمسينيات أو ثلاثينيات القرن الماضي كما رأي بعضهم.
(د. جمال شحيّر، ود. وليد قصاب، 95، 96).
نقلنا هذا المصطلح وترجمنا الفاظه والفنا كتباً حوله ووقعنا مثلما وقع فيه الآخر الذي انتجها من اضطراب في مفهومها. ومن تباين في تحديد دلالتها بل قد تصل مفاهيم بعض المتحدثين إلي حد التضارب والتناقض.
والآن نسأل لماذا وقع الاختيار علي الإمام محمد عبده ليكون موضوعاً للدراسة والبحث في هذا الزمن العاصف عربياً وإسلامياً.
والمهم أن نقول: ماذا يمكن أن يقدم لنا فكر الإمام بعد ان شاهد العالم تطوراً سريعاً جداً ، ناهيك عما حدث من تطور علمي هائل وظهور قضايا كثيرة علمية جعلت الإنسان مهما أسرع فهو غير قادر علي اللحاق بالتطورات العلمية الهائلة. إذن ماذا يمكن ان يقدم لنا فكر الإمام وهو المثقف الأزهري الذي ينتمي ولادة إلي القرن التاسع عشر ، ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين ، أي بعد مرور أكثر من قرن ونصف القرن علي ولادته. ونعود لنسأل أنفسنا ماذا يستطيع مثقف أزهري غدا مفتياً للديار المصرية أن يكون إماماً للحداثة والشرعية الدستورية وهو الذي توفي منذ أكثر من قرن ، في حين نري اليوم عالمنا العربي يهرول القهقري باتجاه الماضوية التقليدية متخلياً عن كثير من مكتسبات التحديث والحداثة بما فيها التي تحققت في ظل الدولة الكولونيالية الاستعمارية أي في ظل الدولة العربية التي كانت تعيش تحت الأنتداب البريطاني او الفرنسي.
فعلي المستوي الاجتماعي تتهمش قوي التحديث والحداثة والتنوير لصالح قوي التقليد والنقل والظلامية. اما علي مستوي القوي المكونة للسلطة ، فلم يشهد العالم العربي في العصر الحديث أنظمة أشد تنكراً للدستور ولجوءاً إلي الأحكام الاستثنائية وحالات الطواريء. بل والطغيان (د. عبد الرزاق عيد ، الإسلام والحداثة ، ص 60) مثلما هي عليه اليوم ، في شتي أنحاء العالم العربي. هذا الاستقطاب في قوي المجتمع يستند إلي فكر تقليدي قروسطي وقوي سلطوية استبدادية تحكم باهوائها دون ان تلتفت إلي الشعب وتسعي إلي اكتشاف ما يريده وما يهمه أن يتحقق له وبالأساس التخلص من السلطة العثمانية الظالمة والمستبدة. إن مهمة النهضويين والمتنورين مثل (محمد عبده ، والكواكبي) في المعركة ضد التقليد المجتمعي وسلطان الاستبداد السلطوي هي مستهينة بمعركتنا اليوم التي تستدعي معركة مزدوجة ، الحداثة في مواجهة سلطان التقليد والدستورية في مواجهة سلطان الاستبداد.
وفي ضوء ما تقدم نستطيع القول أن الزمن الذي عاش فيه محمد عبده يشابه زماننا وبخاصة من حيث التحديات العالمية العاصفة التي كان يطرحها الخارج الغربي علي المجتمع العربي في مواجهة العولمة الأولي لتوسع الرأسمالية العالمية مثل الاحتلال الانكليزي سنة 1882. ومن هنا تبدو الإجابات التي قدّمها محمد عبده وحزبه الوطني عن تلك التحديات مهمة للغاية بالنسبة لنا نحن المعاصرين ، إذ تبدو لنا أكثر عقلانية وحداثة ونهضوية من إجابات المجتمع العربي اليوم تجاه تحديات الخارج الغربي (بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية). في مرحلة العولمة الجديدة الراهنة التي هي الأكثر كثافة بما هي الأشد تعقيداً وتركيباً لكنها المتشابهة من حيث طبيعة الصراع ومن حيث القدرة والكفاية علي الممانعة والمواجهة والتصدي لقوي الخارج.

عوامل الهزيمة
إن قاريء كتابات محمد عبده يلاحظ أن الإمام شخّص عوامل الهزيمة منذ تلك الفترة لكن من دون ان نستفيد من الدروس والعِبر التي تشكل مغزي تجربة الإمام في عصر حيث عزا سهولة اجتياح الآخر الغربي لأسوار مصر إلي الاستبداد الذي فتك بالقوي الحية الكامنة في البلاد (م.ن ، ص 8).
والآن نجد من حقنا أن نسأل فنقول: كيف كان يمكن لرجل فقه وشريعة أن يتمتع بهذا الحس المدني الدستوري الديمقراطي منذ أكثر من قرن ، في حين يلتفت هؤلاء الشباب حولهم فلا يجدون سوي فقه " الجهاد " الذبح وقتل المدنيين أطفالاً ونساءً وشيوخاً بفتوي " التترس " أي قتل العدو حتي لو كان في وسط جمع من الأهل والأخوة والأبناء أي فقه الكراهية الذي يُحي ثارات سياسية تلبس مسوح الديــن.
لقد أهتدي الشيخ محمد عبده إلي تشخيص الهزيمة قبل أكثر من قرن ونصف القرن ، ومعرفة جذورها ، التي كانت وراء هزيمة المسلمين أمام أوربا متمثلاً بالسؤال الحضاري عن تاخرنا وتقدم الغرب ومحدداً الإجابة بثلاث شُعب:
1ــ الاستبداد الذي تضاده الحرية.
2ــ النظام العائلي الاوتوقراطي العسكري الذي يضاده النظام الدستوري البرلماني.
3ــ الإسلام الأزهري العتيق الذي يضاده الإسلام المستنير المدني الحديث المؤسس علي فقه الضمير الفردي الأخلاقي وليس فيه السلف.
إنقسم الباحثون بشأن محمد عبده هل هو مصلح ديني فقط أو أنه يملك مشروعاً متكاملاً لاصلاح الحياة الاجتماعية بكل ابعادها؟
ذهب مؤسس الدرس الفلسفي في العالم العربي الشيخ مصطفي عبد الرازق وهو أحد تلامذة الإمام ومن حزبه إلي أن الإمام محمد عبده صاحب مشروع لاصلاح الحياة الاجتماعية بكل جوانبها. وما الاصلاح السياسية إلاّ أحد هذه الجوانب. بينما يري الدكتور عثمان أمين في كل كتابات الإمام أن اصلاحه كان إصلاحاً أخلاقياً ووسيلة الدين. بينما ذهب باحثون آخرون ومستشرقون إلي أن الاصلاح عنده كان إصلاحاً دينياً ، بما ينجم عنه الاصلاح الأخلاقي.
ويضاف إلي ذلك أن مشروع محمد عبده هو مشروع دستوري ديمقراطي، فقد استدعي منه أن يكون مصلحاً للحياة الاجتماعية. كما أشار برهافة عالية الشيخ مصطفي عبد الرازق الذي بدا له أن مشروعه السياسي كان أحد جوانب مشروعه الاصلاحي للحياة الاجتماعية. وتعليقاً علي ما مرَّ بنا نشير إلي أن ذلك المشروع شعاري من دون أن يكون له تأسيس معرفي ونظري ، قادر أن يطاول عمارة المجتمع بكامله تفكيكاً وإعادة بناء.
من القضايا التي كان نفور الإمام منها هو موضوع التقليد ، وهذا يشير إلي الحس النهضوي التنويري العقلاني العميق الذي يمنح خطابه الاعتدال والليونة. واشكالية التقليد يقصد بها الإمام عقل سدنة هياكل الوهم اللاعقلاني ، الذين لا يكتفون بهامشيتهم ولا موجوديتهم ، بل هم يمنعون الآخرين من حقهم في الحرية والتحرر من رق وعبودية التقاليد. إنهم ليسوا مجرمين فحسب بل هم كالحيوان والكلام كاللجام له أو الزمام ، يمنع به كل ما يريد صاحب الكلام منعه منه ويقاد إلي حيث يشاء ذلك المتكلم أن يقاد إليه من غير عقل ولا فهم.
أشار الباحثون في فكر الإمام إلي أنه تنبه منذ وقت ليس قريباً إلي رفض التعامل مع الخارج تعاملاً سلعياً خارجياً استيرادياً. وهذا القول يعبّر عن وعي سياسي واقتصادي مبكر في إدراك صيغة العلاقة بين الانتاج والاستهلاك وإن لم يستخدم هذه المصطلحات. لكنه يعبّر عن فكرته الأساسية القائمة علي رفض ظاهر التمدن الشكلي وبذخه الذي هو سحابة حُشيت بالصواعق.

مفهوم الوطنية
ومما تقدم يبدو أن محمد عبده يريد أن يؤسس مفهوماً جديداً للوطنية المصرية يستوعب معطيات التجربة الأوربية الحداثية لكن من منظور الهوية الوطنية المصرية.
وأضاف الدكتور عبد الرزاق عيد إلي أن مشروع محمد عبده كان مشروعاً وطنياً مصرياً وفق مفاهيم " القومية الحديثة " رافضاً بعمق السلطنة العثمانية التقليدية المتخلفة ولم يقبل من حضورها إلاّ التعبير الرمزي الإسلامي في مواجهة النفوذ الفرنسي الذي كان يناصبه العداء بمناصبته هذا العداء لأسرة محمد علي الاوتوقراطية.(م. ن ، ص 39).
وواصل الدكتور عبد الرزاق عيد البحث في مشروع الإمام فقال: إن مشروع الإمام بقي مشروعاً مرتبطاً بالمجتمع من خلال مواصلة هذا الارتباط في الصحافة أو العمل السياسي المعارض في العروة الوثقي أو التدريس وولعه بأولوياته التربوية بمثابتها معادلاً للوعي الاجتماعي وفق المفردات التي يتداولها خطابنا المعاصر ، ومن ثم معركته لاصلاح الأزهر علمياً وفقهياً ، واصلاح أساليب اللغة العربية وانعطافته الكبري بها من لغة السجع إلي النثر الطليق من كل القيود التي تكبل حركية العقل وجموحه المعرفي.
ومما يعدُّ مأثرة كبيرة للإمام في مشروعه أن تحدث عن عقلنة الإسلام في مواجهة الخرافي. وقام بوضع الأصول العشرة في كتابه (الإسلام والنصرانية) في سياق الحوار الشهير بينه وبين المفكر اللبناني فرح انطوان المقيم في مصر. وفي مصر أصدر مجلة الجامعة التي نشر فيها الإمام حواره هذا في بدايات القرن العشرين أن الأصول العشرة التي تقدم بها الإمام تمثل مشروعه الحضاري ، إلاّ أن الباحث الدكتور عبد الرزاق عيد اختصرها إلي خمسة لأنها في اعتقاده أكثر صدماً للعقل الفقهي لسدنة هياكل الوهم ومديري المقدس والخلاص الذين راحوا منذ الانقلاب علي الشرعية الدستورية في منتصف القرن الماضي ـ كما أسلفنا ـ ينقلبون علي الترسيمة النظرية الاصلاحية التنويرية والعقلانية للإمام باتجاه الفكر الاسطوري والروح العدوانية تجاه الذات والآخر وملخص هذه المباديء الخمسة الشهيرة هي:
1ــ الأصل الأول: النظر العقلي لتحصيل الإيمان حتي قال قائل: أن الذي يستقصي جهده في الوصول إلي الحق ثم يصل إليه ومات طالباً غير واقف عند الظن فهو ناجٍ...
2ــ الأصل الثاني: تقديم العقل علي ظاهر الشرع. فإذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دلَّ عليه العقل وبقي في النقل طريقان طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلي الله في علمه ، وطريق تأويل النقل مع المحافظة علي قوانين اللغة حتي يتفق معناه مع ما أثبته العقل.
3ــ الأصل الثالث: البعد عن التكفير: إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل علي الإيمان ولا يجوز حمله علي الكفر.
4ــ الأصل الرابع: الاعتبار بسنن الله في الخلق: في هذا يصرّح الكتاب أن لله في الأمم والاكوان سنناً لا تتبدل والسنن هي الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشؤون وعلي حسبها تكون الآثار وهي التي تسمي شرائع او نواميس ويعبّر عنها اليوم بالقوانين.
5ــ الأصل الخامس: قلب السلطة الدينية والاتيان عليها من أساسها فقد هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها فليس لأحد بعد الله ورسوله سلطان علي عقيدة أحد ولا سيطرة علي إيمانه. والرسول عليه الصلاة والسلام كان مبلغاَ ومذكراً لا مهيمناً ولا مسيطراً قال تعالي: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).
وهذه الأصول الخمسة يمكن تكثيفها كعناوين لمشروع نهضوي لا يزال ينتظر حامله الاجتماعي والثقافي ويشكل تحدياً لواقع الأنماط المجدد الذي يعود بالزمن العربي إلي ما قبل زمن محمد عبده ، وإلي ما قبل مجتمع الدولة ، وما قبل مجتمع الدولة والمواطنة أي إلي زمن الاستبداد المملوكي أو الانكشاري العثماني، أي ما قبل التنظيمات التي ادخلتها السلطنة العثمانية وهي تعالج رجلها المريض بالمسكنات دون أن تملك المقومات الذاتية لاتخاذ قرار القيام بعمل جراحي يحيل دونها والموت المحقق. (م. ن، ص 50).

 

طالب مهدي الخفاجي / بغداد



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.