حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

اللوحة

1- فصل

اللون

لا تزوريني إلا في الأماكن التي أحب؟!.
القبور أبواب, وفقط متسولو الحياة أو الموت, هم من يجلسون هناك. فالإنسان غايته أن يمشي قدما في تلك الطرقات اللانهائية. فقبل أن تجوب الكون لا يحق لك أن تقف في حضرة الخالق لتقص له حكايتك فالله مستمع جيد.
- وضعتُ الزهور على قبره وكلماته تتساقط في داخلي (الزهور خلقت للريح أو يدي عاشق ,فلا شيء يبرر للطبيعة قطف الأزهار إلا حرارة الخلق الكامنة في قلب العاشق).
مارست دور الأرملة إلى الآن وكأني بذلك أطيل وجوده في المكان.وأنا أعرف أنه يقول: مازلتِ تحبين حالة لمس اليد رغم جمالها إلا أنها أكثر الأشياء خداعاً.
لم أكن أرملته حقيقة إذ لم نكن زوجين بل زوجين وفق منطق العيشة سوية , فالقانون ليس للخاصة بل للناس العوام.
في البدء لم يكن هناك من قوانين. خلق الإنسان بكلمة وبكلمة كان التزامه
ولأنه فشل بامتلاكه الحرية الكاملة فقد تميزهَ ولذلك كان صعوده الجديد بسن القوانين التي تجعله عبدا.
كنت اشتهيه أكثر عندما الإله المكنون فينا يتفجر فيه. يلقي كلماته كأمواج البحر رغم اختلافها إلا أنها سيماء وجه واحد يقف في وسط الغرفة
ينفث دخان سيجارته وكأنها العماء الأول ويبدأ عملية الخلق. قال لي مرة: يجب على كل إنسان أن يجرب السجن الانفرادي لأن ضيقَ المكان هو من يجبر الإنسان على الخروج من الأبعاد المكانية وارتياد حالات روحية تعيد
له انتماءه الأول.
بكيته بصمت ( فالحزن من أجمل الأشياء وقليل جدا فاستعمليه بعقل كبير)
بقيتُ معه لساعة واحدة محتضنة رأسه بشدة كنت فارغه من كل شيء؛
إلا من سكينةِ قمرٍ في وسط السماء.
(سأعطيكِ آخر ما أملكه لما أموت) احتضنته. نم يا ولدي فالصبح قريب , اتصلت إلى المدينة أعلم أخاه.
أجمل الأشياء عندما تصبح عجوزا, إنك تستطيع النظر إلى الخلف بدون الخوف من أن تفقد الكثير من الأشياء التي أمامك وهكذا تصبح الذكرى مستقبلا جديدا يجب أن تعيشه بكل حب ولربما تعيد تقييم تجربة لم يتح لك الزمن تأملها جيدا وهكذا تحصل على المعلومة كاملة ,فالإنسان ابن الخطأ
ومع كثرة الأخطاء من المفترض أن يقترب من الصواب المفترض في النهاية. فالاحتمالية هي القانون الدائم فالكون ما هو إلا عيوننا.

**************

كنت أخاف فرشاة الرسم, كنت أستخدم كل شيء بأريحية أكثر منها.اللوحة التي أسميتها إطفاء لم تكن إلا ثديي المضطجعين على القماشة البيضاء
كانت إثر اللقاء الخامس فمنذ زمن طويل لم تؤطرني عينا رجل وكأنهما يدان. اختصرتُ وقتها السهرة في بيت أخيه وعدت إلى بيتي الموجود فوق منزلهم في الطابق الثالث. رائحة رجل كأنها احتراق غابة تستبيح يباسي دخنت سجائري الأخيرة والمرسم المنتظر منذ شهور وقماشته البيضاء لا أرى سواهما. أخذتُ شكل الكرسي, يدي ملقاة على بطني و الأخرى تحتضن ثديي.بدأت أخلع ثيابي أريد الاستحمام ولكني لم أغادر الكرسي بعد, متقصدة لمس جسدي وأعضائه السرية وكأنّ اليد هي يد أخرى دفعتها في أجمتي الصغيرة باحثة عن أرنبي المنسي ,لتبدأ مطاردة بعينين مغمضتين عن ملامح وجههِ ,حركات يديه, امتصاصه لسيجارته,صوت أنفاسه التي اختلطت مع أنفاسي ليبتل عضوي الجاف.
أفتح عيني أغادر الكرسي باتجاه القماشة , وأدعك صدري باللون الأزرق واحتضنها. فيما بعد قالَ لي: لو إنكِ لم تضغطي بقوة.
اللوحة معلقة في غرفة النوم وكان المكان خياره.
لم يصبح الرسم هاجسا لدي إلا منذ أعلن وجوده في حياتي. كان لقاء , زمنه فنجان قهوة,مع تعارف قصير ,لم يكن ينظر لأحد وهو يتكلم ولكن إيقاعه في الكلام كالمطر الخفيف تبتل به بلا شعور وهكذا كنا نصغي لكلامه أنا وأخوه وزوجة أخيه بهدوء من يراقب ظلاً ينمو. متمعنة بوجهه ولا أظنه وقتها انتبه لذلك ,حتى قال لي فيما بعد لا تنظري للأمور مباشرة لأنه سوف يفوتكِ الكثير لأني أكثر من وجه وأبعد من مسافة قد تفترضينها.
ومع الوقت أصبحتُ استخدم الفرشاة وكانت لوحتي الأولى وجهه. أصر أن تباع فيما بعد.وقد قبلت ذلك بعد أن طلب ذلك بجدية كالتي أخبرني بها أنه يحبني. بقيت اللوحة إلى أن أصبحنا نعيش سوية وقتها قال لي: لا أستحمل هذه اللوحة إنها تشبه شخصا قد سرق ملامح وجهي!!.
لم يتضح لي الأمر إلا بعد وفاته عندما رسمت له لوحة أخرى ,قال عنها من رآها :هل هذا أبنك؟!.
انتقلت للعيش معه في القرية وبدأت أقيم عدة معارض مشتركة مع رسامين آخرين وأصبحت متفرغة للرسم. وحققت شهرة لابأس بها, جعلتني أقيم معارض لوحدي. ولكنه بقي اللون الوحيد الذي لم أمتلكه رغم الحيازة الصحيحة له ,وبالمقابل هو لم يعمد لامتلاكي لأن أجمل مافيّ هو ظلي الذي تملكه الشمس وحدها.( عندما أمتلككِ سوف تهرمين.
الزهرة لم تعتد نفسها لذلك لم تتغير وظلت النحلة تأتيها. أما الإنسان كان خلقا آخرا,عندما اعتاد نفسه ملكته فأصبح على ما هو عليه).

**************

براءة الطفولة تلك الكذبة الكبيرة التي يتم تسويقها بكل غباء من يختبئ وراء حلم نظافة مساحيق الراشدين. كنت سمينة, وأنفع كفراش كما قال الصبيان.
تلك البديهة التي تتناساها النساء في غمرة الحب. رفض حبي وأعلن أنه لا يستطيع أن يحب واحدة سمينة إلى هذه الدرجة !!!. أية درجة؟!. فهمت وقتها عن الدرجة التي يستطيع أن يتمادى الإنسان بها بدون أن يعلق به ما يلوثه ,فكل ما يغسل هو مقبول المهم أن يبقى خفيا. فنحن نأكل علانية ونتبرز خفية.
الجميع يعمل على تنظيف مرآته. إنه التناسي لأجل مقاربة الصورة التي نقبل بتأطيرها لنا.

**************

وجدت نفسي وحيدة مع تركة أبي من الكتب التي كنت أقرؤها بعيدا عن نظر أمي.عملت على اختيار الكتب بشكل يخدم تطورات جسدي ونفسي, وبدأت أفهم الإشارات بشكل كان يثير فيَ الضحك, عندما يفترض فيك الغباء من قبل أشخاص يرون في الفارق العمري حاجزا لا يمكن تجاوزه.
وهكذا لم أوفر الوقت في تجربة أبعاد الخطوط الحمراء. الريجيم كان لخطوة الأولى عملت على نحت جسدي ومع الوقت أصبحت أرى صورتي المفترضة تأخذ مكانها و خاصة عندما أمارس عملا ما, تفرض عليَ سمنتي السابقة شكلا ما في التصرف أفاجأ مما حدث وكأن الأمر لم أكن متوقعته.
جسدي الجديد المتفق مع صور المجلات والتلفزيون, لم أحرمه من التعبير عن جماله. أقف أمام المرآة أبدل ثيابا أو أتعرى أكتشفه بعدسة مكبرة , أردت أن أحفظه غيبا.
كم عدد شاماتي؟. أعتقد أنها خمس عشرة ولكنه هو من أكد لي أنها ثمان وعشرون ,وقتها قلت يالها من صدفة: عدد الأحرف, أجاب بابتسامة من اكتشف شيئا: المهم أن أجيد تركيب لغة تحمل طموحات هذا الجسد. لو كانت ستا وعشرين لكنا في بلد آخر!.

**************

من يحفر في الأماكن الرطبة سوف يجد الماء وأنا وجدتُ الحب و لذتي عبر رجال الروايات الذين لم يبخلوا بحبهم وشهواتهم العارمة حين يبدأ الكاتب بالبوح عندما لا يوجد صوت نسائي يفرض نوع من الحشمة تخدم مصالح الرجال في زيادة تخصيص المرأة. كنت أفعلها مع جميع رجال الروايات وحتى مع الكتاب إذ كنت المرأة السرية لهم وأسخر منهم لعدم اكتشاف خيانتي.
الخيال عالم نظيف ,لكنه الابن الحرام للواقع.

**************

كان لطيفا كجد ولكني كنت أكثر من حفيدة مفترضة.
صديق والدي بعد وفاة زوجته واستقلال أولاده بقي وحيدا في بيته رافضا الانتقال للسكن لدى أحد أولاده , هو من المدرسين الذين يرون التدريس رسالة خالدة.احتجته لبعض دروس القواعد, ومن خلالها تعرفت لعالمه الهادئ المملوء بالألوان , إنه يرسم ومعه اكتشفت فك طلاسم اللون الممزوج. فتح لي غرفته السرية ورأيت تجاربه الأولى كلون يتحسس الظلام من حوله,ولكنه كان ضوء شمس لسرعة تطوره. كنتُ كغيوم الشتاء ما لبثت أن أمطرت. لمَ لا أكون نموذجه ,فكل الرسامين يحتاجون لنموذج. عرضت الأمر عليه كامرأة مجربة , أذهله العرض ولكنه كان سخيا و من الغباء أن يرفضه. قبل مع شرط أن يبقى الأمر سريا.
وجهي ,اللقاء الأول ,جلست وأنا استذكر من خلدهم الرجال المدمنون على اللون.بين ضربة للريشة وأخرى , أنفاسه أصبحت أقرب لوجهي يتعمد أن يوازن بين توضع رأسي في كل جلسة , أنامله التي تتحسس وجهي بدقة من يمشي في حقل ألغام أصبحت أخبر لتلامس لغم الشفة بدون أن تنفجر. أحيانا مع إنزار خفيف بعضة. فيعلق وقد أحمر لونه , لم أعلم أن لدي كلبا صغيرا هنا, فأرد بزمجرة خفيفة. وجهي يتوسط اللوحة كغيمه صيف وحيدة.
قلت له لم أرتكب جرما استحق عليه قطع الرأس,وعدت إلى مكاني, وكأميرة أمرته بمتابعة الرسم,لم أعطه الفرصة ليأخذ نفسا. فككت أزرار القميص فنفر ثدي ونفر ت دهشته كبحره لم تمارس قذف الماء من زمن. أشرت له أنْ ارسُمْ, فتابع كمن يعترف بتقاليد المهنة ولكن كطبيب لم ينفعه قسمه من أن يسترق الإحساس هو يفحص مريضته الأولى. تتابعت لقاءات الدرس والرسم. جلس بقربي بعد أن كان يجلس في مواجهتي لم يترك سببا يمر دون أن يستغله للاقتراب وكأن المكان يضيق رويدا رويدا فلقاءات العشاق تعشق الزوايا. عملت على إنفاد صبره بقدر ما كانت لوحاته تتكاثر تحمل موضعا واحدا.
الدرس الأخير,شكرته بهدوء, مازال صامتا كحجر تنتظر الأزميل,
وكاشتعال عود الثقاب أطبقت على شفتيه معوضة كل قبل الهواء فيما سبق
وتركته أبيضا كلوحة لم ترسم.

**************

سجين سياسي -لم أتوقع هذا؛ كل ما افترضته رجل بأسلوب غامض- لمدة عشرين سنه.إنه السلم الخبيث لتوافق الاتجاهات المتعارضة فالوطن الحمار لا يستحمل إلا راكبا واحدا يسوقه.
استفسرت عنه كمريض يريد أن يقف على أبعاد مرضه ودوائه. عاد إلى الضيعة وقليلا ما يأتي إلا عندما يجلب بعضا من نتاج الأرض لأخيه ولشراء بعض الحاجيات. النبيذ الذي أحضره تشاركنا جميعا في تذوقه. إنه كالغبار يستقر عليك ولكنه غبار رطب يلصق بقوة. لم يتكلم عن فترة سجنه بل عن حال الغابة المتدهورة في أعلى الجبل , بطريقة حساسة بشدة حتى لتخاله تحول إلى لون أخضر.
الأخضر لون أستاذي القديم. والأحمر للصيف وباجتماعهما تكون الثمار.
كان روايتي المفضلة التي تنتظر صفحاتها البيضاء أن أملأها بالحبر الذي أريد.
عما أبحث معه. هل سقطت في فخي الذي نصبته , أم أنه الحب تلك العشبة
الغربية النمو, كاسرة كل احتمالات الفصول. لم احسم ما حدث إلى الآن ولربما هذا أفضل فبعض الطرق يجب أن تمشى بدون تعليق.

**************

بعد تلك القبلة حدث نوع من التوجس من كلينا , تلك الجرأة اختفت ودهشته الطفولية احتلمت. أصبحت لقاءاتنا عملية , متركزة على دروس في الرسم
وحديث الألوان , إلى أن طلب مني عدم القدوم ,قالها بلون أزرق بحري,
ورمى بموجته الوحيدة على شاطئي - لأني أحبكِ – لم أسمع إلا دقات قلبه
بعد أن لذت بصدره باكية وهمست بالكلمة السحرية التي فتحت عالم الروايات لي ,ولرجل من لحم ودم.
- إني أحبكَ.
عصرني كما اللون فتمددت على مساحات اللمس ,مغمضة عيني أتذوق الواقع ,شفتاه كما المحيط يحد القارب المتمايل على نبض قلبه أحاطتْ شفتي المسترخيتين كما المرساة في عمق القبلة, التصقت به كطابع بريد, كان الرسالة المبعوثة إلى جسدي الأكاديمي , فقطرة المطر أكثر من هدروجين وماء. نهداي اللذان أنهكا فر شاته سقطا ساجدين لجيش نمل الأصابع أمام كومتين من القمح الطري. اكتسحني شعور الزاوية أريد أن أحشر فيه, لم يعد حساب مثلثي الصغير يساوي مائة وثمانين ولربما يمكن تقديره مرتبطا بمجموع شهقاتي زائد الضغط الدموي في الشرايين.
في النهاية أعتذر كما هو متوقع مع عينين دامعتين. همست بأذنه: قليل من الحرام يفيد.

*************

أرسم بكثرة وكأني أعوض ما فاتني. أرسمه هو لا أحد غيره. محاولة إخراج رجل من العتمة. شعوري أنه دائم الهرب مني دفعني لألون مصائدي في كل الطرقات المتوقعة التي سوف يسلكها. لم يهتم بي حتى ولو بشكل غير مباشر ولكني في استرجاعي المشهدي للقاء , كانت تتكاثر الطيور خلفه وكأنه يلقي فتات الخبز خلفه. أيها الرجل الأحمق توقف, هناك هذه الأنثى تبحث عنك. أحيانا يخيل إليَ أنه ليس أكثر من أحد أشخاص القصص المنداحة في هدوئي في تلك المكتبة الآمنة.
علمت مسبقا بقدومه , فأعددت عشاء وساندتني أخته بتواطؤ الإناث
لم يأكل كثيرا رغم انهماكي بإغرائه بتعدد أصناف الطعام ,رغم أني سخرت من نفسي فيما بعد , فطريق المرأة إلى الرجل معدته, أخافني تركه للطعام مبكرا شعرت وقتها أن الوصفات القديمة لجداتي تنجح مع الرجل الذي يضاجع بعد أن يملأ معدته. شعور المرأة الرخيصة الذي رافقني تبدد عندما دلف إلى غرفة الرسم المفتوحة الباب قصدا بعد أن استأذن وبقي هناك ألي أن انهينا طعامنا. كنت قد أخفيت رسم وجهه المباشر وتركت البقية. لحقنا به ولم يمهل أحدا ليسأله عن رأيه, بل بادر هو.
أنت ترسمين لعمر مضى في أكثر لوحاتك وكأنك مراهقة تحب للمرة
الأولى ومن خلف الشباك, ثم صمت للحظة لم تسمح لأحد أن يتدخل ,اضربي موعدا وتلمسي اللون بأصابعك.

**************

بقيت كلمات الحب كالقطط المتشردة بيننا. الرجل العجوز الذي كان صامتا كما بدا لي بدأ يجيد الكلام, الكلام في كل شيء. لذلك كنا نمارس الجنس
متسرعين وكثيرا ما كان يكتفي بإعطائي جرعتي منه بفمه بعد أن يخلع منه فكه. ثم نثرثر عن الله والسياسة والموت والبوظة وأشياء.
قال لي: يجب أن تكوني عجوزا؟!.
رددت عليه: لمَ لا تكون أنت شاب؟!.
أجاب: على أحد أن يكون قريبا من الموت هكذا يرى الأمور بطريقة
أوضح.
كم أنت وحيد أيها الموت !لا تدوم صداقاتك أكثر من عدة شهقات متتالية!.

**************

لو ينسى القدر بعد التفاصيل لو يتأخر ولكنه اعتاد الكمال ولو حدث ما فرضته لعاد وأكمل مهمته بتمام أكبر من السابق. منذ سنة وقف رجل بباب البيت وسأل عن أمي. لحظات لم أفهم لمَ تلك المعانقة التي أخرجت أمي من تحفظها.
إنه شخص من الذكريات القديمة المتمسكة بالحياة وليس مجرد صورة بالأبيض والأسود للذكرى
الحقيقة هذا الشخص قد حملني طوال فترة دفن والدي وأاخوي. إلى الآن مازلت أؤمن أن الوطن من قتلهم. إذ فجر اغتيال والدي الغضب العارم على كل الاختلافات السياسية التي قادت إلى مؤتمر حوار وطني أعادوا توزيع الثروات فيما بينهم إلى أجل مسمى. التضحية لازمة وتصبح ذات جدوى ونفعية أكثر عندما يكون المضحي في معزل عن أية تكلفة. أبي وهذا الصديق رفيقا نضال وهذا يكفي؟!. هذا ما قاله ليغلق وراءه كل هذا الماضي.
أمي المدرسة اكتفت بالتدريس ولم تفعل كبعض النساء اللواتي انخرطْن في العمل السياسي أثر انخراط أزواجهن به بل دوما كانت تراه عملا قذرا مهما كانت نظافة ثياب من يمارسوه لربما تكون لديها هذا الموقف أثر اغتيال أبي.
لأني لا أملك ذاكرة من ذلك الزمن ولكن اكتشفت فيما بعد من حوارات ومتابعات حياة والدي السياسية أنها كانت من النساء الناشطات في الحركة النسائية وقتها. بقصد أبعدتني عن تلك الأجواء وعملت جاهدة على تقديم حياة جيدة إذ عملت كمدرسة خصوصية في البيت وهذا ما أمن مدخولا جيدا وسمح لي بكثير من الحرية بعيدا عن عينيها وأنا أطالع كتب أبي وكانت سعيدة جدا وهي ترى موهبة الرسم تتوضح من خطوطي.
لم أكن صديقة جيدة لأمي ولم تكن هي أيضا؟!ّ: كنا أما وابنتها. الآن أتمنى لوكان بيننا حديث الأم وابنتها عن تلك الأشياء النسائية الصغيرة ولابد من الاعتراف إن مكتبة أبي الأم الفكرية لي. كم كنت أشعر بالقدسية وأنا أعيد ترتيبها من جديد أمسح الغبار وبعناية كبيرة أعدت ترتيبها بالشكل ذاته الذي كانت عليه ودوما أفتح الصفحة الأولى لبعض الكتب واستذكر التواريخ التي أعدت فيها قراءتها إذ كنت أدون تاريخ كل قراءة جديدة للكتاب.
توفيت أمي بعد طلاقي بسنة. رجعت إلى البيت لأجدها متوسدة المكتب في غرفة المكتبة غرفة أبي وفنجان قهوتها لم تكمله وسيجارتها مازال رمادها متماسكا في المنفضة. تحت وجهها تموضع دفتر لأبي كتب عليه بعض رؤاه السياسية.
عرفت الموت كثيرا في الروايات التي قرأت , والموت في الروايات لا يفاجئك بل يترك لك وقتا لتتأمل تفاصيل الحزن. بل وتستمع ولربما تذرف بعض الدموع هنا حيث يقف الموت أمامك كحيوان يدافع عن فريسته تنتظر أن تتم أعراف الوجبة لتتلمظ فيما بعد حزنا يختصره الأسود. مددت يدي (وصوتي يصيح) عليها جسست نبضها لم يكن هناك.
(نم يا ولدي لم أكن أما) ولكن عندما وجدت أمي غافية فوق ذراع أبي تعلمت أن أفهم حنية الموت عندما يأتي كطفلة ترفل بثوبها الجديد الذي ابتاعه أبوها البارحة لتضمها أمها وهي تسقيها دمعا حلوا جدا كأحلام الأطفال.

**************

مدرسي العجوز يترك الباب مفتوحا لأدخل عليه كشخص من البيت فبعد أن كبر الأولاد لم يدخل أحد بيته بدون أن يقرع. هنا حيث القبلة الأولى حيث اختار أن يكون المرسم ليكون مركز كونه وجدته مجعدا على الأرض والريشة لم يجف لونها بعد. بكيته بحرقة الزوجة ولبست الأسود عليه حتى الأربعين ولم أمارس عادتي السرية حتى طهرت أربع مرات من العادة الشهرية.
أربعة ميتات كانت أمي الخامسة لا بد أني سأكون وحيدة عند موتي. قلت له تركتني وحيدة تماما كما كنت في مكتبة أبي ولكن دون كتبه أأنت الكتاب الأخير. أسألكم: هل ستخرجون من ماضيّ لتعدوا الأنفاس الأخيرة لي بابتساماتكم المتوقدة بالبخور؟

**************

أبي كان آخر رجال العائلة فنحن عائلة صلاتها رحمية.
جدي الوحيد الذي جاء على تسع بنات, ثلاث سلمت حياتهن وتزوجن وأنجبن وتباعدت مساكنهنّ. بقي حدي في دار أبيه وتزوج ثلاث مرات ولم ينجب غير أبي من زوجته الأولى جدتي التي توفيت أثناء ولادته وتركته لترعاه الزوجة الثانية بعد فترة وجيزة من وفاتها وقبل أن تتم الأربعين حيث كان صراخ الولد التغطية المناسبة ليدفع أبو جدي ولده لزواج مبكر بهذا الشكل ولكن الزوجة الثانية كانت عاقرا لربما ورثت ذلك عنها وبقيت في بيت جدي حتى عندما تزوج الثالثة التي لم ترض أن تكون عاقرا إذ طلقها جدي بعد ثلاث سنوات من زواجهما لتتزوج رجلا لديه أولاد توفيت زوجته وتنجب منه صبيانا وبنات وقتها عرف جدي أن العطل منه ولكن كيف وقد أنجب أبي أحيانا في شك بوليسي أتمنى أن أحصل على شيء من رفات جدي ولكن كما قال عندما قرأ في عين زوجته الثانية شكا في لحظة انتقام على زواجه الثالث وبعد طلاق زوجته الثالثة: يرزق من يشاء وصمت
هذا الشك مات في وقته وأبي كان بارا بأبيه وراعيا لزوجته الثانية كأمه ولكنه خرج عن تقاليد العائلة كاملة حتى في زواجه فقد تزوج مسيحية تعرف عليها في الجامعة ولكن بعد أن أنجبت أخوي عادت الأمور لمجاريها وكان جدي قد سمى أخوي باسم أبيه وجده أما أسمي فكان لأمي التي سمتني على أسم أخت لها متوفاة.
ماتت أمي بعد طلاقي من قريب لنا من جهة الأخت الأكبر من جدي والتي بقيت الصلات بيننا معقولة وخاصة بعد فعلة أبي التي أبعدت عنه القرابات الرحمية. لأكُنْ صريحة لم يكن حبا بالمعنى الدقيق للحب كان لونا أحمر أربع سنوات مرت ولم أنجب وثبت طبيا عقمي وهربا من ضغط أهله والزوجة الثانية التي رشحتها له أمه كان الطلاق الذي أعادني إلى بيت أمي الذي كان الضربة القاضية بفقدانها الأمل لربما يعيش الأهل بعيون أولادهم أنها المواجهة الأخيرة مع سر الموت بالهرب منه عبر التقمص بالأبناء.

**************

لم يكن أحد في وزارة التربية يمانع انتقالا إلي المنطقة وخاصة أنه وجدت فتاة ترغب بالانتقال إلى العاصمة وهكذا بعتُ كل شيء حتى المكتبة ولم استعمل من الماضي إلا رقم هاتف صديق أبي الذي أمن لي بيتا صغيرا فوق بيته في تلك المدينة الصغيرة مع إطلالة بحرية على شاطئ وكورنيش يتبعه أزرق استوطن لوحاتي.

**************

2- الفصل اللاحق

الريشة

أبٌ على وشك التقاعد وأم شغلتها الوحيدة في هذه الحياة حياكة وتطريزا بحيث تبدو كالمسبحة بيدها لبيوت الأولاد الأربعة, ذكران وبنتان ,وملابس للصغار الذين يتدفقون كالماء في أيام العطل.
حياتهم كانت توحي لي بالأمان والراحة.
أصبحت البنت التي أتت على كبر فهم يدللوني ويحبوني بطريقة جعلتني أعيد حياة الأسرة لحياتي.
جزء كبير من حياة أبي كان يختبئ في صدر هذا الرجل سرده لي على وقع المطر الشتوي في الخارج وصخب الموج الذي يحتج على تهييج ذكرى الموتى ولكن اعتبر استكمال تلك الحياة التي طوتها أمي بعيدا عني ولم تنفع مكتبة أبي إلا بإعطائي صورة تكاد تكون فكرية عن فيلسوف أو مشابه كانت بالنسبة لي طريقة في معرفة أبوة جديدة أكثر قربا وحميمية بحيث لم تعد تلك الغصة المرة التي ترافق جوابي ولو لذاتي عن حياة أبي مرّة كالحنظل بل لها مرورة القهوة.

**************

كثيرا ما جنحت أفكارنا بعيدا عن الشرفة التي كانت تجمعنا هو وأنا عن أخيه وأخته وزوجة أخيه بحي