إيطــاليا تستعيــد وجــه الشــاعرة أميليــا روسيلـلــي

في الــنــاحــيــة المــرمّــزة والحــالــكــة حــبّ وهــجــس وألــم

قد تكون الشاعرة أميليا روسيللي، التي تحيي ايطاليا ذكراها هذا الاسبوع عبر وثائقي يتناول محطات حياتها وأعمالها وانتحارها المأسوي في روما عام ،1996 من أكثر الوجوه الطليعية اهمية في بانوراما الادب الايطالي في القرن العشرين، رغم انها ظلت طويلاً "غريبة" هذا الادب، ومجهولته التي لم يُعرف قدرها، ولم تلقَ الاعجاب والشهرة المستحقين. وساهم في التعتيم عليها انسحابها الطوعي من الساحة الادبية ونفورها من بورجوازية الطبقة المثقفة وانزواؤها في صمت الشعر، فضلاً عن الوحدة القاسية التي لازمتها كسرطان مزمن وشعورها الدائم بالغربة والعزلة. ورغم أن ايطاليا دأبت خلال الاعوام الاخيرة في تسليط الضوء على هذه الشاعرة ذات الصوت الرؤيوي واللغة الحلمية، ساعية الى التعويض عما لحق بها من ظلم وإهمال، الا أن نواحي كثيرة من تجربتها الغنية المتعددة الوجه لا تزال الى اليوم قيد الظلال وفي رسم الاكتشاف.

تنتمي أميليا الى فئة الشعراء الملعونين، اي الى سلالة رامبو وكامبانا ومونتالي. فعام 1937 اغتيل امام عينيها والدها كارلو روسيللي، وكان من ابرز زعماء مقاومة الفاشية ومؤسس حركة "عدالة وحرية"، وما كانت بلغت بعد السن السابعة. وترك هذا المشهد الدموي أثراً كبيراً في روحها وساهم في بلورة الشياطين التي ستسكنها لاحقاً. ولم تكن اللغة وطناً ورمزاً للانتماء بالنسبة اليها بقدر ما كانت امتداداً لارض المنفى، اذ عاشت مشردة مسلوخة عن كيانها، مقتلعة الجذور، بسبب ظروف حياتها الحافلة بالتنقلات بين فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة وايطاليا. الا ان انعدام الاستقرار هذا شرّع لها من ناحية اخرى ابواب لغتين اجنبيتين، فكتبت الشعر بالفرنسية والانكليزية، الى الايطالية، وكانت تتنقل في يسر وعفوية بين اللغات الثلاث. وبعد دراسات متقطعة في الأدب والفلسفة والموسيقى خاصة، عملت روسيللي مترجمة ومستشارة في دور النشر ومحرّرة في عدد من الدوريات الثقافية، الى امتهانها العزف والتأليف الموسيقي. وعندما بدأت النشر في مطلع الستينات لفتـت قصائدها شعراء كثيرين، ابـرزهم زانزوتو ورابوني وبازوليني الذي احتضنها وساعد في اكتشافها. وجمعتها كذلك صـداقــة متينــة بالاديــب كارلــو ليفي وبالكــاتب روكو سكوتيللارو الــذي توفـى فـي ســن بـــاكرة، ومثلــــه والـــدتهــا الايرلنــدية الاــصل، ممــا طبع حياتها بسلسلة جحيمية من قصص الفقدان والموت، وأوقعها في دوامة من الانهيارات العصبية وجعلها رهينة مصحات الامراض العقلية، ولاسيما بعدما شُخّص لديها مرض باركنسون في .1969

"ابتكرت" أميليا روسيللي لغة شعرية جديدة وغريبة تميّزت لناحية الصوغ بثورتها على القواعد النحوية والصرفية وإثارتها "صدمات" شفهية نتيجة نوع من البدائية التعبيرية التي تتداخل فيها اللغات والاشكال، وهي فوضى ولّدت "كتابة - محكية" تتمتع بدرجة عالية من اللاشكلانية وتجسّد انشقاق الشاعرة القدري و"العضال" عن أي منهج من مناهج التنظيم. إنها قاعدة اللاقاعدة وسيادة الخلل والتشويش ورفض التناسب والخطية ودحض منطق الربط بين السبب والنتيجة. كتابة تجريبية متعرّجة تبرز فيها نتوءات "الاخطاء" والكسور والكلمات الجديدة المبتكرة المستوردة من الفرنسية والانكليزية، ويحضر فيها مفهوم "الهفوة" كثابتة تكوينية مما يصعّد روح التغريب الحادة والصاعقة التي يبثها أصلاً مضمون القصائد. والشاعرة اذ تنتهك لا تلعب بالكلمات على نحو اعتباطي، بل تستثمر فيها كل ذاتها وتحشد في سبيل فكرتها الموارد اللفظية والرمزية التي في متناولها، ناهيك عن اعتمادها منطقاً ايقاعياً قوياً يعكس تربيتها وميولها الموسيقية. انه ايقاع كالتنفّس، تخدمه تقنيتان هما تكرار الصورة الاستحواذية وتصعيد الصوت الشعري بلوغاً الى ذروة الهجس والألم والمرارة والسخرية والحب.

صحيح ان كتابة روسيللي مرمّزة ومظلمة، بل حالكة السواد في بعض مناطقها، لكنها ليست هرمسية مغلقة ولا وليدة غموض مجاني، اذ تعادل عملية مراقبة حثيثة: مراقبة المادية الخارجية والحقيقة الداخلية على حد سواء بالدقة التي تتيحها المسافة الفاصلة بين اللحظة الزمنية والفضاء التعبيري، وتحويلهما لغة شعرية بعد تحريرهما من واقعيتهما ومن ثقل الحاضر والذاكرة لكي تحلّقا في أزمنة مخترعة ومطلقة. غموضها اذن من نوع الغموض الذي يخاطب، وقصائدها ذات النفحة الايحائية القوية انفجارات واستغاثات مجنحة أتيح لها الخروج من نطاق الأنا الضيق وتحويل المادة الحميمية والحياة النفسية والتخييلية الخاصة انعكاساً لموضوعات سياسية واجتماعية وشعورية شاملة. إنه نضوج التأمل الذاتي من خلال تورط الشاعرة وصورتها الوجودية في العالم، حتى غدا شعرها حبل سرّة بين الخاص والعام، بين الأنا والآخرين. واذ لا يمكن وصف تجربتها بالسوريالية، الا ان ذلك لا يلغي واقع تركيبتها الحُلمية ودفقها الباطني ومعركتها المفتوحة مع امكانات التعبير ورؤيويتها الفطرية وغير القصدية وغنى دلالاتها وطغيان التناقضات والترابطات الفكرية المفاجئة وتراكم الصور والاستيهامات فيها.

في اختصار، أميليا روسيللي شاعرة خدشت لحم وجعها ووحدتها ومعاناتها بأظافر لغة تشبهها في أنها استفزازية وهشة في آن واحد. وبذلك تتجلى لنا كتابتها "محاولة" دائمة لتخطي الذات، من أبرز عناصرها المجازفة والتكثيف والشجاعة والتقشف والتوتر والعنف والتجاوز، والحرية ايضاً وخاصة، كأنها قصائد لا يمتلكها أحد. اما القلق والخوف من الزوال فثابتتان في شعرها، وكانت تردّد باستمرار: "لا شيء يدوم حقاً"، ومثلهما الحب، واذ عانت في حياتها وحدة قاتلة وخسرت أحبّة كثراً. ومما لا شك فيه أن تداخل الحجج الموسيقية والشعرية والتفاعل العميق بين مجموعة من القوى الخارجية والداخلية المتكافئة منحا ذاك الشعر التناغم والتوازن اللذين كانا ينقصانه بسبب "شذوذه" اللغوي. ورغم ان روسيللي لم تكتسب ربما، نتيجة تربيتها الكوزموبوليتية، الحسّ الغنائي الايطالي، الا ان ذلك لم يحل دون لمعان صرخات وجدانية في قصائدها هي مزيج من الهلوسة البصريـة والشعـور الحقيقي، صرخـات شفافة صادقة اخترنا ان نختم هذه التحية بواحدة منها: "يا أيها الحب الذي يقع ويستلقي عند قدمي، نجمتك يا حب هي بيتي الأوحد".

(*) لأميليا روسيللي: اليعسوب (1958)، تقلبات حربية (1964)، يوميات منفرجة (1968)، سلسلة استشفائية (1969)، مستند (1976)، قصيدة مرتجلة (1981)، ملاحظات مبعثرة وضائعة (1983)، نوم (1992).

 

جمانة حداد - النهار - الخميس 8 أيار 2003

 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri