قالت:
انت مبعثر وضائع كرماد فاجأته عاصفة بلا قلب بلا ذاكرة.
قلت:
يا صديقي انا كذلك ولكن ساعديني في البحث عن الاتجاه الصحيح،
كوني بوصلتي.
قالت:
انت عطش للحياة وحالم، مشاعرك مزدحمة بالموسيقى والزهور مثلي
تماماً لكن ارضك قاحلة حتماً ستجد يوماً مطرك.
قلت:
اذن انا اشبهك ايتها الماكرة هل انت ايضاً ارض قاحلة؟ اذا كنت
كذلك كوني مطري لاكون مطرك.
قالت:
تشبهني ام تشتهيني؟
قلت:
عندما اشبهك فأنا اشتهيك في ذات اللحظة، وعندما اشهيك فأنا بالتأكيد
اشبهك. آه ايتها الشهية كم انت ممتدة في شراييني!
قالت:
الى اللقاء سأذهب ولكن احذر شبحي سيبقى سيبقى.
قلت:
شبحك سينام الليلة معي في غرفتي الصغيرة الباردة.
قالت:
بدأت تتصرف كرجل شرقي.
من
نومها تنهض زوجتي على أنين أصابعي، طويلاً تحدق في وجهي المختنق
برماد الذكريات، تمد يدها الى جبيني وشعري، تمسح عنهما الضجر
والمخاوف والارهاق والفوضى، تشد وجهي بشبق محاذر مفاجئ الى صدرها
النائم في غيبوبة لذيذة مستثارة، تلقمه حنانها، دفأها، على صدرها
اهبط حمامة وادعة تائهة حط على عشها الهانئ الآمن بعد طول ضياع.
أحلام
الشهية التي صارت الآن زوجتي، كتبت تقول في رسالة أخيرة قرأتها
في زنزانتي ذات انتفاضة مدينة مثخناً بالهذيان، والوحدة وسخرية
السجان، وهواجس الكبرياء، والموت، والدموع، وأطياف الأهل، والأصدقاء،
والطرقات الحيية، وكانت المحامية اليهودية قد دستها في جيبي،
ذات لحظة مسروقة، خاطفة، من الزيارة الأخيرة.
صديقي:
الشاعر تماماً كالنبي كلاهما لا يتكلم الا بعد أن يخضع لسياط
الالهام، هل ستخرج من زنزانتك بقصيدة هذيان بطل؟ أيها الطفل
الكبير: لديك مخيلة خضراء ولغة صديقة وذاكرة مشعة. أي سجان أبله
ذلك الذي سوف يجرؤ على مقاومة بهاء حدائقك العفية وفضائك الملون!!
أي سجا!!
احلام
- رام الله 20/2/1987
يا
صديقتي : أي فضاء وأية مخيلة خضراء، أنا أرى الرمادي، الرمادي
يسكنني حتى العظم أين الأسود؟ حتى الأسود الذي يعينني على تخيل
الأبيض غير موجود، أنت تهزين عندي أسئلة كثيرة نائمة، ولكنك
لن تزحزحي قيد أنملة تكالب الصراصير الحقيرة على جنبي وأطرافي،
لن تسكتي تنهدات وصرخات رفاقي في الزنازين المجاورة، لن تلجمي
رياح المجهول وهي تتسرب الى زنزانتي مع كل صفعة من صفعات السجان.
الرابعة
فجراً، وحيداً مع الصمت والارق، عادت زوجتي الى نومها، تسللت
خفية من حدائق صدرها المنيرة الى الخارج المظلم، بعد جولة من
الطرب قصيرة نشقت فيها عبير ازهارها، وقطفت حبات توتها، المهيأة
للفناء العذب في بحيرة لعاب مهووس، نهضت من فراشي، هاتفي المتنقل
على الطاولة، هل اتصل بعامر صديقي الذي يتنزه الان على شواطئ
تل ابيب، برفقة صديقة يهودية؟ فتحت باب الشقة المطلة بأناقة
مفرطة على بستان اخضر وسيع، هل سمعت صوته الغامض وهو يصرخ عليك
مستغيثاً من جحيم هاوية، من تحت شجرة برقوق، موغلة في الظلام
والتكتم؟ أم كان يصرخ حانقاً متوعداً؟
أحقاً
أنا اسمع صوته الآن؟ أم هو غول الارق وصمت الليل الثقيل وغبش
الرؤية ما يصور لي حفيف الشجر صوتاً بشرياً يشبه صوتاً صديقاً
عدواً، قريباً بعيداً، دافئاً بارداً يسكن منطقة حبيبة مكروهة
في ذاكرتي. كان شتاء 1988 شتاء خاصاً جداًَ دموي الريح وحشي
الأقدام والاعصار، كنت اشق طريق الكفاح اللاهب مع صديقي وائل
وصديقتي احلام، في حواري وأزقة رام الله القديمة، كانت المهمة
ملحة وصارمة: " كل أنش " في المدينة والقرى المجاورة يجب ان
يحتضن البيان رقم (6).
رام
الله البهية مدينة من الورق المتطاير، تعج بظلال الاشباح المتقافزة
من جدار لآخر، ومن شارع لشارع، صباح المدينة الرمادي، شهداء
جدد، بنادق جنود مشرعة، دموع امهات مختلطة بزغاريد واهنة، حيرة
آباء ودوي آمال كبيرة.
قلت:
أرى في عينيك جحيم اسئلة، اسكبيه أمامي يا سيدة فرحي وأميرة
قلبي.
قالت:
هل خطر ببالك يوماً أن الجحيم يمكن أن يوقد فوق الأرض لا تحتها؟
قلت
اسمعي وتحملي جنوني هذا: أنا مستعد للاحتراق في جحيمك، جحيمك
هو مقبرتي الأثيرة، دمريني يا حبيبتي، هشمي دنياي، ذوبيني قطعاً
من البلور المحترق في شعاب نارك.
قالت:
هل أنت مستعد للمفاجأة - الطلقة؟
قلت:
اطلقيها ولو على جثة ابتسامتي وهشيم هنائي.
قالت:
وائل يسكنني بجبروت لا يقاوم، وائل حبيبي الخفي الذي لا شبيه
لطعم شفتيه، وأصابع يديه وألق ضحكاته.
قلت:
اذن هو الصدى، الصدى، الصدى، اين الصوت الآخر؟ أنا رجل صحراوي
غير قابل لصداقة الربيع والموسيقى والبحار، الصوت الغامض المستغيث
المتوعد يطرق زجاج غرفتي باصرار متعب، يأتيني وجه وائل المدمى
المحمول على نهر من الدموع ونعش من الذهول والتنهدات، قطعة قطعة
وقطرة قطرة يتسرب وجه وائل الى فراشي، زوجتي نائمة، وطفلي يتقلب
في فراشه، كان وائل صديق طفولة رائع، كنت احبه تارة بجنون وتارة
بتحفظ، فقد كان يغلق باب غرفته ويرفض ان يفتح الباب لي قائلاً
: عد بعد ساعة، أنا مشغول مع صديقي الحميم لوركا، وعندما أعود
بعد ساعة يفتح لي الباب، بملامح مخيفة غريبة ويصرخ في وجهي ملوحاً
بقضبته في الهواء: الحياة يا صديقي هي أن نموت عند مرافئ فكرة
عظيمة، أليس كذلك؟ ثم يعقب ذلك بتنهيدة عميقة، وتحديقة طويلة،
في الأفق المضطرب.