تأملات كريستوف أندريه حول سعادة العيش

الـتـفـاؤل الـصـافي الـذكـيّ ومـقـاومـة إغـراء الـتـعـاسـة

"يبحث الجميع عن السعادة من غير ان يعرفوا وجهتها، كالثملين يفتشون عن بيوتهم وهم يعلمون مشوشين بوجودها"، كتب فولتير.

في كتابه الاخير الصادر في آذار الفائت تحت عنوان "العيش سعيدا" في منشورات "أوديل جاكوب" يعلمنا الطبيب والمعالج النفسي كريستوف اندريه تذوق السعادة اليومية الصغيرة والسعادة التي نربيها لتدوم. كما يعلّمنا ان نكتشف نموذج السعادة الذي يلائم شخصيتنا وأن نقاوم إغراء التعاسة والكآبة وأن نزرع في نفوسنا تفاؤلا ذكيا صافيا.

غالبا ما يتحدث المحللون النفسيون عن حالات الألم والعُصاب والانهيار التي يعالجونها يوميا، لكن كريستوف أندريه اختار التحدث عن السعادة التي يؤكد لنا امكان وجودها حتى لو لم نولد جميعا مفطورين عليها او مستعدين لها بالبيئة والظروف. في هذا الزمن المقلق تتجسد السعادة سلاحا فاعلا ضد اليأس. من دونها لا يمكن الانسان، في تعبير أندريه، ان يتحمل فكرة الموت. ولكثــرة ما قصده الناس المشتكون من عدم قدرتهم على الوصول اليها، رغب اندريه في التفتيش عن الوسائل الافضل لبلوغها، وهو يفرّق بين السعادة الانفعالية والسعادة البنّاءة اللتين لا تلتقيان بالضرورة. الحب مثلا كمنبع أول للسعادة الانفعالية معضلة أكبر بالنسبة الى السعادة البناءة. يحتاج الانسان الى روابط ترضيه ليكون سعيدا. ونعرف ان القدرة الجيدة على التواصل تساهم في الاحساس بالسعادة، وأن النجاح المهني لا يكفي خارج الجو العلائقي الجيد في العمل.

يلقى البعض صعوبة جمّة في العثور على السعادة. فالقلقون يعيشون دوما في هاجس "الما بعد" ويستبقون النهاية الفجائية للأمور الحسنة. المتشائمون يحتاجون الى تصور الأسوأ كي لا يفاجئهم اذا حلّ بهم. اما المزاجيون فيتأرجحون بين مراحل من الاحباط والغبطة. كما ان هناك فئة من الذين يعارضون شرعية السعادة في ظل آلام الآخرين، وهذا ما يعتبره أندريه أنانية وعماء، اذ يبدو ظاهريا موقفا فلسفيا وأخلاقيا بينما يستند في العمق الى صعوبات شخصية في بلوغ السعادة. وتتجنب فئة أخرى خطر السعادة التي تتبعها التعاسة حتما. يعتبر اندريه ان التعاسة تنتظرنا بالمرصاد في وقت من الاوقات لأن جوهر السعادة مرحلي وغير مستقر. فضــلا عـن الموت الذي يصيبنا ويصيب أحباءنا، غالبا ما تتضمن الحياة أمورا مزعجة. كما ان الانفعالات السلبية أصلب وأشد من الانفعالات الايجابية. ان نعيش يعني ان نتعرض للمرض والفقــد والألم. لكن الامتناع عن السعـــادة لا يسعه ان يمنع عنا المآسي. ذكــاء الحيــاة يـراه كريستــوف أنــدريه في الاقتنـــاع بالاحداث السعيدة التي تعترضنا، مدركين عدم استمراريتها. وتلك وجهة نظر المتفائلين، فالانفعالات السلبية لا تقوينا. الشعور بالسعادة امر نسبي وذاتي، لاننا نختار وفق ميولنا الاساسية بعض العناصر في حياتنا ونجهل عناصر اخرى، فنغفل عن ظروف قد تسعدنا ونفقدها، او على العكس، نتغذى من تجارب سعيدة وذكريات احتفظنا بها منها. تعمل السعادة على مستويات عديدة لدى الانسان. هناك بعض الاشخاص الذين يتمتعون بمزاج اكثر استعدادا لالتقاط الانفعالات الايجابية، وهذا المزاج فطري ناتج من الآلية الوراثية، تضاف اليه الظروف البيئية. تمر علاقتنا بالسعادة عبر ما تعلمناه من محيطنا خلال نشأتنا وكيف ساعدنا هذا المحيط على ادراكها. كأن نرى والدينا كيف كانا يتصرفان حيال امور الحياة الصغيرة، في احباط او عدم استقرار في حكمة او خفة. فنتعلم منهما التعامل مع السعادة منذ العمر الباكر. الاطفال هم الاكثر موهبة في التقاط السعادة، فارتباطهم بالماضي والمستقبل ابسط عامة من الراشدين. الطفولة هي مرحلة السعادة غير المخبأة اذ لا يقاوم الطفل فيها اطلاق صرخات الفرح. ويتفوق الاطفال على الراشدين في قدرتهم على عيش اللحظة، رغم ان بعضهم من ذوي المزاج القلق لا يقوون على ذلك. ولو استطاع الراشد العمل على ذاته والتراجع عن رؤية الحياة في سوداوية، فإنه يصعب على الطفل ان يتخذ قرارا مماثلا لكونه غير مستقل. اما المراهقون فلا يهتمون بالسعادة اذ يجدونها سطحية وخاملة ويحلمون بالمطلق والتجارب المتطرفة. العمر الدال على النضج في رأي كريستوف اندريه هو الذي نشرع معه في التساؤل حول السعادة انما لا عمر مثاليا لذلك حتى لو بدا اننا اكثر استعدادا للعيش في سعادة في الستين من عمرنا لدى تخلصنا من الانشغالات العائلية في المقابل، كلما تقدمنا في السن تبدلت طبيعة السعادة وبحثنا عن الاكثر هدوءا وحكمة. يؤكد اندريه اننا نولد موهوبين للسعادة او لا. انما يسعنا ان نتعلم مع بعض الجهد كيف نضحي تلامذة في مدرسة السعادة. رغم ان فكرة الجهد تبدو غير متجانسة مع السعادة التي نتصورها هبة تدعو نفسها الينا بلا سابق انذار. يتحدد الشرط الاول لبلوغ السعادة في الكفّ عن محاربة الذات ونقدها باستمرار. كما ان السعادة لا تنسجم مع التبعية، فلو الحقنا سعادتنا باشخاص آخرين او بمركز اجتماعي او بممتلكات مادية، لتعرّضنا للالم والخيبة. لذا علينا ان نغذي استقلاليتنا وحرية ارادتنا ونلبث في الوقت نفسه مرتبطين اجتماعيا بالآخرين كي نجد التوازن المطلوب. ومن المهم جدا التخلي عن هاجس السيطرة في شكل كلي على محيطنا والاحداث. ونلاحظ ان السعداء هم الذين حددوا لانفسهم اهدافا في حياتهم من غير ان يستميتوا في بلوغ الكمال او يبالغوا في الصلابة الفكرية. فالسعادة في رأي اندريه مرتبطة على نحو وثيق بقدرتنا على الشعور بالغنى الذي تمنحنا اياه تجاربنا. ويؤكد كريستوف اندريه اخيرا ان كتابه الجديد "العيش سعيدا" دفعه الى تنظيم جهوده في طريقة مختلفة من اجل بلوغ السعادة، اذ تأمّل كثيرا في الاخطاء التي وقع فيها وفي الافراح الصغيرة التي حاذاها من دون الانتباه اليها. ولا يزعم انه اكثر سعادة - طالما ان السعادة ليست حالة مستقرة - لكنه يعتقد انه اضحى اكثر قابلية للعيش سعيدا.

 

ندى الحاج - النهار - 25/4/2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri