افتتاح
مهرجان الفيلم في روتردام بدورته الثالثة
أبرز
الانتاجات السينمائية العربية الجديدة
تستقبل
مدينة روتردام الهولندية مهرجان الفيلم العربي للسنة الثالثة
على التوالي، حيث بدأت فاعلياته يوم أول من أمس وتستمر حتى الثامن
عشر من حزيران/ يونيو الجاري. على مقربة من مهرجان روتردام الدولي،
يحاول مهرجان الفيلم العربي أن يمد جذوره ويقدم لجمهور سينمائي
متنوّع ومختلف فرصة سنوية لمشاهدة أبرز الانتاجات العربية في
المنطقة. والواقع أن المهرجان الدولي الخاص بالمدينة كان سبق
الى ذلك بتقديم بعض الأفلام العربية في مسابقات ومساعدة أخرى
عن طريق صندوق دعم "هيوبرت بالس"، الذي ساهم في انتاج عدد غير
قليل من الأفلام العربية في السنوات الأخيرة منها: "عرق البلح"
للراحل رضوان الكاشف، "مكتوب" للمغربي نبيل عيوش، "صمت القصور"
للتونسية مفيدة تلاتلي وغيرها. في هذا المحيط إذاً، لا تبدو
فكرة ترسيخ مهرجان سينمائي عربي دخيلة أو غريبة وإنما متحسمة
لمحاولات عدة على صعيد الانتاج المشترك من جهة وخارطة المهرجانات
العربية من جهة ثانية، لا سيما تلك خارج بلدانها. المهرجان،
إذاً، الموجّه بالدرجة الأولى الى الجمهور الهولندي والأجنبي
سيشكل امتداداً للتواجد المتواضع الذي حققته الأفلام العربية
خلال العقد الأخير من القرن الماضي ولا سيما في مهرجاني روتردام
وأمستردام الدوليين من خلال سعيه الى تحويل هذا التواجد الظرفي
والمرهون بظروف قاسية الى حضور فعلي ومنظم. وكأن المهرجان يقول
لمن شاهد فيلماً وثائقياً أثار اهتمامه في مهرجان أمستردام الوثائقي
إنه ما عليه سوى انتظار مهرجان الفيلم العربي لاكتشاف المزيد.
وكذلك الأمر بالنسبة الى الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة
التي يتسع المهرجان لها من خلال برنامج مكثف. وفي حرصه على تقديم
انتاجات حديثة، إنما يحقق المهرجان لنفسه أهدافاً ومكانة من
دون التغاضي عن تاريخ السينما العربية الطويل والحافل والمنسي
غالباً. في التظاهرات الجانبية، يحاول القيمون على المهرجان
لا سيما مديره الفني انتشال التميمي، أن يقدم ما أمكن من ذاكرة
هذه السينما الى جمهور لم يتسنَ له في الماضي التعرف بها. بعد
تظاهرة "الميناء في السينما" التي قُدّمت في الدورة الماضية،
يتسع هامش هذه الدورة للمزيد منها. فهناك تظاهرة "خمسة وسبعون
عاماً من السينما السورية" متضمنة الأفلام الروائية الأولى لمخرجين
سوريين بارزين ومجددة التساؤلات التي تكتنفها حيث تكشف هذه التظاهرة
أن الفيلم الأول ما زال الى الآن بالنسبة الى بعضهم الفيلم الأوحد
أيضاً. ستة أفلام سورية تشكل أساساً لدراسة خصائص هذه السينما
وملامحها كما رسمها كل من نبيل المالح في "الفهد"، سمير ذكرى
في "حادثة النصف متر"، محمد ملص في "أحلام المدينة"، أسامة محمد
في "نجوم النهار"، عبد اللطيف عبد الحميد في "ليالي ابن آوى"
ورياض شيا في "اللجاة". كما يستعين برنامج "جوبرت بالس فاند"
الهولندي بمهرجان الفيلم العربي للإضاءة على مساهماته في انتاج
الأفلام العربية والشرق الأوسطية خلال خمس عشرة سنة الفائتة،
إذ يخصص المهرجان في دورته الحالية قسماً بها يتضمن: "عرق البلح"
للكاشف، "صمت القصور" لتلاتلي، "مكتوب" لعيوش، "سيدة أيار" للإيرانية
رخشان بني اعتماد، "باي باي سورتي" للمغربي داود أولاد السيد،
"الصورة" للتركي كاظم أوز. وفي خطوته الأولى، يلتفت المهرجان
الى تكريم سينمائيين، غير نجوم بالضرورة، بخلاف ما هي الحال
عليه في مهرجانات عربية أخرى، هما العراقي قيس الزبيدي والتونسي
عبد اللطيف بن عمار بعرض عدد من أفلام كل منهما. ويطمح المهرجان
في السنوات المقبلة الى تكريم عدد أكبر من الذين وقفوا خلف الكاميرا
وفي كواليسها من مونتيرين ومصورين ومهندسي ديكور بتقديم أفلام
أسهموا فيها من وجهة نظر تختلف عن الرؤية التقليدية للعمل السينمائي
من خلال قصته وأبطاله فقط.
الافتتاح
الى
كل ذلك، يبقى المهرجان مساحة للمهاجرين العرب للتعبير باختلاف
ميولهم واتجاهاتهم. هكذا دخلت الموسيقى كجزء من المهرجان ليلة
الافتتاح حيث قدم عازف العود الفلسطيني فاتح الخطيب المقيم في
هولندا مقطوعتين من تلحينه. اجتذب الافتتاح أعداداً جيدة من
الهولنديين في مؤشر الى إمكانية تجذّر المهرجان في محيطه مع
مرور الوقت. ساعد على ذلك انتقاله الى مجمع سينمائي كبير ـ "سينيراما"
ـ أكثر لفتاً لانتباه الجمهور السينمائي العريض، حيث تتجاور
عروض المهرجان مع أفلام من طراز "عازف البيانو" لرومان بولانسكي،
"الساعات" لستيفن والدربي، "الساعة الخامسة والعشرون" لداني
بويل، "لعبة ريبلي" لجون مالكوفيتش وغيرها من الأفلام المعروضة
تجارياً.
قُدم
في الافتتاح فيلمان: شريط قصير للمصري تامر محسن في عنوان "ان
تنام بهدوء حتى الساعة السابعة" وآخر روائي طويل، "صندوق عجب"،
للتونسي رضا الباهي. يتنافس كلا الفيلمين مع أعمال أخرى في مسابقتي
الفيلم الروائي الطويل والفيلم الروائي القصير.
في
فيلمه القصير، يقدم محسن قصة مكتملة الأحداث عن مهندس شاب، يعاين
للمرة الأخيرة المكان الذي ستبدأ فيه ورشة البناء في اليوم التالي.
يُفاجأ بأن المنطقة
أخليت
تماماً باستثناء كوخ بائس تصدح منه أغنية ليلى مراد "يا حبيبي
تعالَ الحقني". قاطن الكوخ يشبهه تماماً: عجوز متهالك بائس وإنما
متماسك لا يقهر. يصر العجوز على البقاء وسط ذهول المهندس الذي
يشعر بأن عناد العجوز يعرقل تحقق حلمه القديم ببناء ذلك الجسر.
ولكن الأول يؤكد له بأسلوب غريب بأن الورشة لن تبدأ في السابعة
من صباح اليوم التالي كما هو مقرر. يقضي المهندس ليلته مسكوناً
بالكوابيس المزعجة التي يلعب العجوز الدور الرئيسي فيها: السارق
والقاتل وحتى سائق الباص المدرسي في طفولة المهندس. مشكلة فيلم
تامر محسن أنه مقسوم بين عالمي الشاب والعجوز، يميل حيناً الى
جعل العلاقة بينهما محوراً وحيناً آخر الى الغوص في ذكريات المهندس
الطفولية، هكذا يجنح الفيلم بعد مقدمته الجيدة الى سلسلة أحلام
ورؤى تبدو خارجة عن سياق تقديم الفيلم أولاً وعن نهايته في ما
بعد. بالنسبة الى عمل لا يتخطى الخمس عشرة دقيقة، يبدو "أن تنام
بهدوء حتى الساعة السابعة" محشواً بأحداث وشخصيات فائضة، تستدعيها
ذاكرة الطفل ومخيلته. ربما كان ذلك ليشكل عالماً منفصلاً للفيلم
لولا أن تقديم الأخير جاء منذ البداية على أنه تلك العلاقة الغريبة
بين الشاب والعجوز. كأن المهندس يستجيب لذلك اللقاء بالعجوز
بسلوك طفل يواجه أمراً يفسد عليه مشروعه أو حلمه: يقلق، يخاف،
يكاد يبكي، يتذكر أمه كأنما يستنجد بها... ولكن النهاية المأسوية
قادمة لا محالة وتشكل إحدى مشكلات الفيلم أيضاً، إذ تعزز الاحساس
ذاته بأن أجواء الفيلم متباينة ومحاوره ضائعة. فإذا كانت مخيلة
الشاب تحكم رؤيته الفانتازية لبعض الأمور ومنها العجوز، فلماذا
ينتهي الفيلم بالتأكيد أن الأخير مهرج؟
لقد
قتل عمال المشروع دفاعاً عن بيته وعالمه واستنكاراً لطرده منه
مقابل تعويض مادي. كل ذلك مفهوم باستثناء حركات العجوز التهريجية
كأن ما يقوم به مزحة. ليس واضحاً ما إذا كان ذلك اعتباطياً أن
تتحول النهاية امتداداً لأحلام المهندس التي اعتقدنا أنها انتهت.
لعل المخرج الشاب أراد أن يحقق صدمة ما لدى المتفرج بذلك التنقل
السريع بين أقصى الفانتازيا وأقصى الدراما ولكنه انتهى الى عمل
حائر بين أفكار صاحبه.
صندوق
عجب
هو
"صندوق الفرجة" الذي يسم ذاكرة جيل كامل تعرف من خلاله الى سحر
الصورة المتحركة. "رؤوف" واحد من أولئك الذين بهروا به في طفولتهم
ورسم خط حياتهم فأصبح مخرجاً سينمائياً. يحاول "رؤوف" أن ينهي
كتابة سيناريو عن علاقته بالسينما خلال طفولته وأي مدخل أفضل
إليها من صور الواقع نفسه؟
في
خطين روائيين متوازيين، يقدم الفيلم حكاية "رؤوف": طفلاً في
"قيروان" ورجلاً متوسط السن يكتب سيناريو عن حياته ويحاول أن
يحافظ على زواجه المهدد بالانهيار. ليس صعباً القول إن الشق
السردي المتعلق بطفولة "رؤوف" هو الأكثر إثارة ليس بمدى ابتكاره
بل بقدر ما يحاكي صوراً وأمثلة من مخيلاتنا ومن ذاكرة السينما
نفسها.. إنه قصة الطفل الذي تتفتح أحاسيسه على محيط تحكمه المحرمات
والممنوعات ولكنه في الوقت عينه يشكل كل الإثارة بالنسبة الى
طفل لاكتشافها وتحسسها. يروي الفيلم تجربة طفولية تكاد تنطبق
على كثيرين من خلال العناصر التي تحدد معالمها لا سيما العلاقات:
العلاقة بالعائلة ـ الأب القاسي والأم الحنون ـ العلاقة بالدين،
العلاقة بالجنس الآخر، وأخيراً العلاقة المؤثرة التي تملك تأثيراً
خاصاً في نمو الطفل، وهي هنا علاقة "رؤوف" بخاله "منصور" الذي
يتجول في سيارته معلناً بواسطة ميكروفون عن العروض السينمائية
التي يقيمها بنفسه في القرية. هكذا يتفتح الطفل على عالم حسي
من الصور المتحركة والنساء الجميلات والأبطال الاسطوريين، ويصل
به التأثر حد تخيل نفسه عبد الحليم حافظ، يغني لحبيبته، ابنة
الجيران، "حلو وكداب" أو "تخونوه". لا يخفى تأثر المخرج، رضا
الباهي، بأجواء "سينما باراديسو" لا سيما من خلال شخصية الطفل
"رؤوف" وبعالم فيلليني النسائي الطاغي بحسيته، حتى "رؤوف" الكاتب
يواجه أزمة الكاتب في "ثمانية ونصف" حينما يقرر أن يطرق باب
طفولته. ولكن شخصية ماستروياني المركبة والمعقدة وعلاقاته المرتبكة
التي تمنح معنى لأزمة المخرج، تغيب عن عالم "صندوق عجب". صحيح
أن "رؤوف" يبدو طوال الفيلم رجلاً منكوباً من ملامحه ولكننا
لا نفهم لماذا يتمادى في ذلك. هل زواجه المنهار هو السبب؟ ربما
ولكن أزمته الخاصة ككاتب وكسينمائي وهواجسه تكاد تكون غائبة
عن الفيلم. يتعاطى مع طفولته كأنها كتاب مفتوح ومرعب ويصبغها
بلون وردي يضفيه احساسه بها الآن كرجل. هل هذه طفولته كما يراها
الآن؟ أم كما يتذكرها؟ في كلا الحالتين تبدو الأمور مبسطة، لعل
النقلات بين الماضي والحاضر تلخص مشكلة تركيب الفيلم، إذ لا
تقوم على رؤية فنية خاصة، فقط لصق المشاهد بما توفر. على مستوى
آخر، تفتقر شخصية "رؤوف" الى التطور الدرامي. فهو منذ المشهد
الأول وحتى المشهد الأخير، يلبس الملامح ذاتها. هلزوجته الفرنسية
هي المشكلة؟ لماذا، إذاً تغاضى عن مغامرة نسائية عابرة؟ وإن
لم تكن كذلك، لماذا ضمن الباهي مشهد الحفلة والتعارف بين "رؤوف"
وامرأة شابة من دون أن يوظفه في سياق درامي ما؟ أم أن السيناريو
هو مشكلته؟ إذا كان ذلك صحيحاً، لماذا لم يخلق لديه انتقاله
الى قريته القديمة وبيت طفولته مشاعر خاصة؟ ثمة عناصر درامية
ضائعة في الفيلم لم تستغل. فإذا كانت أزمة "رؤوف" تتمثل في خساراته
التي تفوق انتصاراته، هل يعقل أن يكون الموت الحل الوحيد لخروجه
من دوامته؟ هذا ما توحي به النهاية التي تترك السؤال مفتوحاً:
كيف وصل "رؤوف" الى هذه النهاية الدرامية فجأة؟ هل ما شاهدناه
هو ما كتب أم أنه فقط الباب الى اكتشافات أكثر تعقيداً؟ فالفيلم
بما هو عليه، لا يقدم شخصيات يمكن أن تنتهي الى مصير "رؤوف".
معظم شخصياته جاهزة تماماً كأحداثه التي لم تتطور من داخلها
وإنما دُفعت الى بلوغ نهاياتها عنوة.
كما
أن السيناريو الذي كتبه "رؤوف" قد يكون شيئاً مختلفاً عما شاهدناه،
يمكن "صندوق عجب" أن يكون مدخلاً أولياً الى عالم أكثر تعقيداً
وشخصيات أخرى، ربما لم تظهر في الفيلم بتأثيرها الفعلي في طفولة
الرجل، ولكنها كانت حاضرة بدليل تلك الأجواء الأليفة التي يشيعها
الفيلم والابتسامة الطفيفة التي لا تبرح شفتي المتفرح في مفارقة
غريبة مقارنة بشخصية "رؤوف" الرجل الكئيبة، كما أن الفيلم في
جوهره يكاد يكون تحية الى السينما والى الصورة بعلاقة النجاح
البريئة الطفولية بها، أي العلاقة الأولى بالسينما، موضوع السيناريو
الذي يكتبه البطل.
روتردام
- ريما المسمار
المستقبل - الجمعة 13 حزيران 2003