عذابات
القيد والحرية في رواية إماراتية

ميسون
صقر تكشف خبايا عالم العبيد في المجتمع الإماراتي في مطلع القرن
العشرين
عالم
روائي طازج وثري تقدمه ميسون صقر بجرأة عبر نصها الروائي الأول
«ريحانة». ويتبلور هذا العالم في نسيج سردي تتعدد فيه المستويات
والرؤى، ويتواشج فيه امعان الفكر ـ بشكله العفوي العميق ـ بقناع
الهم السياسي الاجتماعي، حيث تكشف الرواية خبايا عالم العبيد
في المجتمع الاماراتي في مطالع القرن العشرين، كما تربط بين
الخفي والمهمش في طوايا هذا العالم، وبين ما يحدث في المجتمعات
التقليدية بشكل عام.
تستهل ميسون روايتها ببانوراما تسجيلية تقدم فيها وصفاً دقيقاً
لعالم الحصن، مقر الحاكم والسلطة والعبيد في تلك الفترة، لكن
سرعان مايتجاوز هذا الوصف طبيعته التوثيقية للمكان، ويصبح مقوماً
من مقومات السرد، كما يشكل في الوقت نفسه عتبة لرؤية تتناسل
وتتنامى على مدار فصول الرواية، وتمتح هذه الرؤية من الماضي
والحاضر معاً، وتمزج بينهما في لحظة خاصة، تتشكل بروح النص نفسه.
كما يتحول التاريخ في سياق هذه الرؤية من مجرد وقائع وأحداث
ويصبح سؤالاً ضاغطاً وملحاً، يتبدى على نحو شائك وملتبس في علاقة
الشخوص بعضها بعضاً، وفي مواجهتها مصائرها وأقدارها، أو محاولة
الفرار منها تحت وطأة الضغوط القاسية سواء التي يفرضها شرطها
الاجتماعي أو التي تفرزها المقومات الذاتية للشخصية نفسها.
تتوغل الرواية في مواضعات عالم العبيد في تلك الفترة، كاشفة
المسكوت عنه والمهمش، وتهتك أسراره وعلائقه السرية على كل المستويات
الاجتماعية والنفسية والسياسية.
ويتحرك مسرحها مكانياً وبشكل رئيسي مابين الامارات والقاهرة،
مع الاشارة الى أماكن أخرى فرعية مثل أفغانستان، وبعض الدول
العربية وتدخلنا مؤامرة اقصاء الحاكم صاحب الأفكار الاصلاحية
الثورية وانقلاب عشيرته عليه وهروبه إلى القاهرة هو وأسرته في
لحظة دراماتيكية تجسدها الرواية باقتدار، تدخلنا هذه اللحظة
في دائرة الصراع الشائك في الرواية. وهو صراع الحرية والتحرر
من القيد، وتقلِّب الرواية هذا الصراع على أوجه ومستويات عدة،
تصل ذروتها الى اشتباك الوهم بالحقيقة، وتبادل الأدوار والأقنعة
فيما بينهما حتى أنهما يبدوان في لحظات كثيرة وكأنهما شيء واحد،
أو حقيقة واحدة.
وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نتأمل عالم الرواية وشخوصها.. إن «ريحانة»
بطلة الرواية يتحول فعل تحررها من أسر العبودية الى عبودية من
نوع آخر، بل إن فعل الحرية نفسه بما أحاطه من ملابسات وتعقيدات
على المستوى الاجتماعي والعاطفي، يحولها الى امرأة غير سوية،
نزقة، منقسمة على ذاتها دائماً. فهي تعيش الحاضر في عباءة الماضي
والعكس صحيح ولا تستطيع أن تفصل بين الزمانين وحين تذهب «ريحانة»
ـ وهي عبدة ـ مع عمتها «سيدتها» إلى القاهرة، بعد انقلاب عشيرة
الحاكم عليه، تتحول حياتها الى أقصى النقيض.
ويوماً بعد آخر يتحول الماضي المتمثل في زوجها محبوب «الحر»
والتي تركته قسراً في الحصن الى ما يشبه زنزانة لحاضرها الذي
لم تعد تتواءم معه، وأصبح لايمثل لها أي معنى، ويزداد اختناقها
بهذا الماضي الحاضر أو الحاضر الماضي بخاصة حين يتزوج محبوب
من غريمتها «فطوم». في هذا الجو تفقد ريحانة احساسها بذاتها،
وبطفليها، حتى بعد عودتها وعتقها مع ظهور الدولة واستعادتها
زوجها محبوب، وتحسن وضعها الاجتماعي، تظل العبودية وظلالها بمثابة
عقدة قابعة في أعماق روحها وجسدها معاً. بل ان حبها لزوجها يتحول
الى طاقة امتلاك واستحواذ، وهو مايشي بعبودية من نوع آخر.
ولاتتعمد الكاتبة تشويه الشخصية، وانما يتم ذلك بشكل طبيعي وكنتيجة
لدوائر الصراع المعقدة التي تنفصل فيه الأنا عن ذاتها أو تتلاشى
المسافة التي توجد بينهما وتجمع شتاتهما في معظم الوقت.. من
ثم يمكننا أن نتأمل ابني ريحانة «محراك» و«ناصر» فالأول على
الرغم من أنه يمثل فكرة القوة والاقتحام، إلا أنها تظل فكرة
مستعارة وقناعاً زائفاً سرعان ماينكسر أمام أقنعة الواقع الأكثر
قوة واقتحاماً في الوقت نفسه. وكان اختيار الكاتبة لاسم «محراك»
موفقاً للدلالة على التطوح والتخبط في شتى الاتجاهات من دون
بصيرة أو هدف أصيل. ويبدو «محراك» منذ طفولته ـ وكما تكشف الرواية
ـ وكأنه شخص فاقد امتلائه بذاته، يهرب دائماً من كينونته الذكورية،
بل يعشق نقضيها وتجسيدها في كينونة أخرى نقيضة، أو بمعنى أدق
كينونة مخنثة وهنا نذكر مشهد اقتحامه ـ وهو طفل ـ غرفة نوم سيدته
«عمته» ووضعه مكياجاً وارتدائه ثوباً خاصاً بها.
أما «ناصر» الابن الثاني أو الأصغر لريحانة فهو على النقيض من
«محراك» وهو يبدو طيلة الرواية وكأنه تجسيد لفكرة الخير الناقص
والمشوه أيضاً.
ومن ثم تبدو معظم شخوص الرواية منسحقة إما للداخل أو الخارج،
ولايوجد مايوحد بين تعارضات الداخل والخارج، بل تعارضات الروح
والجسد، سوى الشعور الحاد بالتشوه والنقصان.. انها شخوص ـ برغم
عدم نمطيتها وتبادلها الأدوار والأقنعة ـ تظل أسيرة ماضيها،
تعيش حاضرها وتطل عليه من ثقوب الماضي.. حتى شخصية الأب الحاكم
لا تسلم من هذا، فهي دائماً مشدودة الى لحظة خاصة في الماضي
حيث الحكم والجاه والطموح الثوري النبيل.
وعلى النقيض من ذلك تبدو شخصية «شمسه» التي عاشت مأساة أبيها
وهي بعد طفلة لم تتجاوز السابعة من العمر. انها شخصية منفتحة
على الحياة، تريد أن تكتشف ذاتها فيها من غير أقنعة أو رتوش،
غير أن حبها لـ«هادف» أثناء دراستها الجامعية سرعان مايتحول
الى هزيمة من نوع خاص. وذلك بفعل سطوة الأيديولوجيا والأفكار
الغيرية والتي يؤمن بها هادف بصرف النظر عن مدى صدقها أو زيفها
أو انسجامها مع الحراك الفعلي للواقع (مظاهرات الطلبة آنذاك
ضد زيارة السادات لاسرائيل).
وتنجح الرواية في تحقيق نوع من التضافر بين حركة شخوصها الرئيسية
وشخوصها الثانوية، حتى أن بعضها في أحيان كثيرة يبدو وكأنه القناع
الضد للآخر. وفي أحيان أخرى تمثل الشخوص الثانوية نقطة النور
التي تضيء مساقط الشخوص الرئيسية، يساعدها على ذلك طبيعتها الحيادية
ودورها كمراقب لحركة الصراع وخطابات شخوصه الرئيسية. وفي مقدمة
هذه الشخوص الثانوية شخصية الجدة (مريم) والتي تجسد بؤرة التقطير
للصراع بما تملكه من حكمة وخبرة وبصيرة ومعايشة حقيقية لجذوره
وأبعاده ومراميه ويتبدى هذا التقطير في ترديدها مقولة مأثورة،
أو بيتاً من الشعر، أو آية قرآنية، أو غنوة شجية، أو مثلاً شعبياً
ذا مغزى معين. أيضاً شخصية علي «السباك» الخجول الذي دأب على
ارسال باقات الورد بشكل يومي الى شمسة، كذلك شخصية طه صديق هادف
المنفتح، غير المتزمت لأيديولوجيا معينة. وغيرها من الشخوص التي
تلعب دور الوصل والقطع في مسارات الصراع والأفكار والرؤى التي
تطرحها الرواية. وعبر مساراته المتنوعة يعري النص قناع الهم
السياسي، وما ينطوي تحته من أقنعة أخرى.
ويشير بقوة الى أنه ثمة علاقة بين ما يحدث في عالم العبيد، وبين
ما يحدث الآن في المجتمعات التقليدية. ويبرز النص نضالات «القواسم»
هؤلاء الثوار الذين أطلق عليهم المستعمرون «القراصنة» ثم «البوسيعيديون»
ثم ثوار ظفار. واللافت هنا أن النص يصنع ـ بشكل غير مباشر ـ
نوعاً من التضافر بين هبات وحركات التحرر من المستعمر الأجنبي
في منطقة الخليج وبين التحرر من العبودية، والتي يجسدها النص
كنوع آخر من الاحتلال، ربما أشد وطأة من الاحتلال الأجنبي نفسه.
وعلى مستوى التشكيل لم تقيد ميسون صقر مغامراتها الروائية بشكل
محدد أو تيمة مسبقة، وانما تركت النص ينداح على سننه، يستقي
تشكله من فضاءات الشخوص ونسيج علاقاتها المتباينة والمتشابكة
وعبر مشهدية شيقة تومض في أجواء النص، وتمنح مقوماته السردية
والحوارية جاذبية خاصة، لعل من أبرز دلالاتها هذا التراكب العفوي
السلس بين الفصحى والعامية المصرية والخليجية، ومايعلق بهما
من تيمات ومأثورات شعبية، كما أتاح هذا الشكل مجالاً رحباً لمقاربة
الصراع من زوايا عديدة، وأتاح أيضاً المجال لما يمكن أن أسميه
بـ«تعليق خطاب الشخصية» في أحيان كثيرة، وتبادل الأدوار بينها
وبين الذات الساردة «الكاتبة» في لحظة تغيم أو تنكسر فيها الحدود
بين الوعي واللاوعي، بين الوهم والحقيقة، بين القيد والحرية.
جمال
القصاص - الشرق الأوسط