تجديد الخطاب أي تجديد الوعي

لاشك في أن عقد المؤتمر الذي دعا له المجلس الأعلي للثقافة في أوائل الشهر الحالي لبحث تجديد الخطاب الثقافي العربي كان حدثا يستحق أن نتوقف عنده‏,‏ لأنه يتناول القضية المحورية في ثقافتنا الحديثة‏,‏ كما شرحت في الاسبوع الماضي‏,‏ وهي قضية الاصالة والمعاصرة‏,‏ أو الهوية والتجديد‏,‏ ولأنه لا يحصر نفسه في الثقافة بمعناها الضيق‏,‏ أو بحدودها النظرية التي تهم المشتغلين بها وحدهم‏,‏ وإنما يتجاوز هذه الحدود الي الواقع السياسي والاجتماعي كما نعيشه في هذه الأيام‏,‏ ونشقي به‏,‏ ونحاول تجديده وتغييره‏.‏

لقد بحث المؤتمر جملة من أخطر الموضوعات‏,‏ من بينها إصلاح النظام السياسي‏,‏ وعلاقة المثقفين بالسلطة‏,‏ وحرية التفكير وحرية الابداع‏,‏ وحوار الحضارات‏,‏ وتجديد الخطاب الديني‏,‏ وعلاقة الدين بالدولة‏,‏ وثقافة الهزيمة‏,‏ والأمركة والأسلمة‏,‏ وثورة الاتصالات‏.‏ والمؤتمر بهذا إيذان بيقظة جديدة‏,‏ لأنه تعبير عن اتصالنا بالعالم‏,‏ وانخراطنا في همومه ومشكلاته‏,‏ واستجابتنا لأسئلة الواقع وقضايا العصر‏,‏ واستعدادنا لمناقشتها والبحث لها عن إجابات‏,‏ إنه دليل علي أننا لانزال أحياء‏.‏
ولقد لبي دعوة المجلس للحضور أكثر من مائة مثقف‏,‏ بينهم عدد من المشاهير الذين أثاروا في المؤتمر حيوية‏,‏ وأضفوا عليه جاذبية‏,‏ ولفتوا إليه أجهزة الإعلام التي تهافتت علي متابعة أعماله ونشر أخباره ونقل مناقشاته للجمهور الواسع‏.‏

لكني لست متأكدا من أن الجمهور الذي تابع أعمال المؤتمر وأخباره فهم موضوعه الذي عقد لبحثه‏,‏ فما الذي نقصده بتجديد الخطاب الثقافي العربي؟ وقبل الحديث عن التجديد والتقليد‏,‏ ما الذي نقصده بالخطاب؟

لا أظن أن الجواب واضح بالنسبة للجميع‏,‏ ولا أشك في أن كثيرين من الناس يفهمون كلمة الخطاب بمعناها القديم الشائع الذي يدل علي ما نوجهه للآخرين من حديث حتي يفهموا عنا‏,‏ ويتجاوبوا معنا ويتعاطفوا‏,‏ فلابد أن نختار لغة تستميلهم وأفكارا تتناسب مع الذين نتجه إليهم بالكلام‏.‏
الخطاب بهذا المعني هو مناسبة الكلام لمقتضي الحال‏,‏ كما كان يقول البلاغيون‏.‏ فالفكرة التي أشرحها لك أشرحها لغيرك‏,‏ لكن اللغة تختلف باختلاف المقام‏,‏ وتتغير بتغير المتلقين‏.‏

هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم الذي نرجع اليه في كل أمر من أمور حياتنا‏,‏ أو أن هذا ما ينبغي أن نفعله‏,‏ فنقرأ‏,‏ ونفهم‏,‏ ونناقش‏,‏ ونجرب‏,‏ ونحلل‏,‏ ونقارن لنعرف الأسباب‏,‏ ونتوقع النتائج‏,‏ ونفسر ما يحدث في الطبيعة والنفس‏,‏ والجسم‏,‏ والمجتمع‏.‏
نعرف الآن مثلا أن الزلزال يقع نتيجة لتصدع طبقات الأرض وتحركها‏,‏ وليس لأن المدن شريرة‏,‏ أو لأن الآلهة ثائرة غضبي‏,‏ ونعرف أن الجنون مرض يصيب العقل وله أسباب مختلفة وصور شتي وطرق في العلاج تتعدد بتعدد أسبابه وأنواعه‏,‏ وليس حلولا لجن أو شيطان في جسد المريض كما كان يعتقد الناس من قبل‏,‏ وكما يعتقد كثيرون منهم حتي اليوم‏,‏ وهذا هو الخطاب الذي يتفق مع روح العصر‏,‏ لأنه يتفق مع العلم‏,‏ أي مع العقل والتجربة‏.‏

غير أن بعضهم يعكس الآية‏,‏ فيبطل عمل العقل‏,‏ وينكر عليه ما حققه من إنجازات‏,‏ ويزعم أن هذه الانجازات التي وصل اليها العلماء في العصور الحديثة ليست إلا معجزات ورد ذكرها في النصوص والأخبار القديمة المتوارثة‏,‏ وكل ما فعله العلماء المحدثون أنهم فسروا‏,‏ وأثبتوا صحتها نظريا وعمليا‏.‏
ونحن إذن أمام مصدرين للمعرفة‏:‏ العقل الذي نفسر به الظواهر‏,‏ ونتتبع التحولات‏,‏ وننتقل من السبب إلي النتيجة‏,‏ فيبدو لنا العالم مفهوما‏,‏ ونشعر بقدرتنا علي التحكم فيه والسيطرة عليه‏,‏ والنص الذي يعتقد النصوصيون الحرفيون فئران الكتب وحفارو القبور انه علم سابق علي كل علم‏,‏ وان كل معرفة جديدة صادرة عنه ومتضمنة فيه‏,‏ فالأسلاف لم يتركوا شيئا للأخلاف‏,‏ ولا جديد تحت الشمس‏!‏

وأنت تري أن النصوصيين يستطيعون أن يرطنوا بلغة العصر‏,‏ ويتحدثوا في الرياضيات‏,‏ والطبيعيات‏,‏ والفلك‏,‏ والكيمياء‏,‏ والجاذبية‏,‏ والنسبية‏,‏ والسيبرنتيك‏,‏ والانفورماتيك‏,‏ لكن حديثهم عنها ليس حديثا عن معارف إنسانية وصلنا إليها بعقولنا‏,‏ بل عن نبوءات ومعجزات لا فضل للعقل فيها‏,‏ فهو إذن استمرار للحديث القديم القائم علي الظن والرجم بالغيب‏,‏ صحيح أنه يستخدم لغة عصرية ومصطلحات علمية‏,‏ لكنه لا يفعل ذلك إلا ليكون الكلام مناسبا للزمن أو للمقام‏,‏ أما الفكرة فهي نفسها الفكرة القديمة التي يعتقد أصحابها أن كل شيء في العالم يقع رغم أنفنا وبعيدا عنا‏,‏ فما علينا إلا أن نسلم بوقوعه دون أن نسأل عن مصدره أو غايته‏.‏
الخطاب اذن لم يتغير‏,‏ فالذي يتحدث عن النسبية باعتبارها معجزة كالذي يعتقد أن الرعد قهقهة سماوية‏,‏ والخطاب في الحالين واحد لم تتغير فيه إلا ألفاظه‏,‏ أما أفكاره‏,‏ وما يتضمنه من علاقات‏,‏ وما يحيل اليه من مسلمات فهي هي الأفكار القديمة‏,‏ والعلاقات القديمة‏,‏ والمسلمات القديمة‏.‏

والخطاب بهذا المعني مجرد شكل أو حامل‏,‏ ثوب خارجي آنية تتلون بلون العصر‏,‏ دون أن يتغير شيء مما تحتويه‏,‏ وهذا هو الخطاب بمعناه الذي ورد في المعاجم العربية القديمة‏,‏ فالخطاب هو الكلام‏,‏ والحديث‏,‏ والمقال‏,‏ والخطبة بضم الخاء‏,‏ والخطبة بكسر الخاء أي طلب الزواج‏,‏ والخطب هو الامر‏,‏ والشأن‏,‏ والغرض‏,‏ فأنت تسأل الرجل‏:‏ ما خطبك؟ أي ما حاجتك؟ وقد يأتي بمعني الحكمة‏,‏ والسلطة‏,‏ كما في العبارة القرآنية وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب‏.‏
وليس بعيدا عن هذه المعاني ما تدل عليه الكلمة في اللغات الأوروبية‏,‏ فالخطاب في اللغة الفرنسية‏ DiscoursLe‏ يعني الحديث‏,‏ والمقال‏,‏ والخطبة‏,‏ والكلام المنطقي‏,‏ والكلمة مشتقة من الفعل‏DISCOURIR‏ الذي يعني الوعظ والمحاضرة والاطناب‏,‏ والثرثرة‏,‏ وهي كلها معان بلاغية تعتبر الخطاب مجرد كلام ناقل أو حامل للفكرة التي يمكننا أن نعبر عنها بطرق مختلفة‏,‏ أو نصوغها في لغات متعددة‏,‏ وهكذا يفهم التقليديون معني التجديد‏,‏ فالعلم القديم بالنسبة لهم هو العلم الجديد‏,‏ والأفكار الموروثة هي الأفكار الصحيحة‏,‏ يجب ألا تراجع‏,‏ أو يعاد النظر فيها لنميز بين الحقيقة والوهم‏,‏ أو بين الصواب والخطأ‏,‏ وكل ما يمكن أن نصنعه هو أن نضعها في لغة عصرية حتي يفهمها أهل هذا الزمن الأخير‏.‏

لم يكن القدماء يعتقدون أن العلم يتجدد‏,‏ أو أن العالم يتقدم‏,‏ اللهم إلا القلة النادرة المنسية‏,‏ بل كانوا يعتقدون علي العكس أن كل شيء يتقهقر‏,‏ وأن العصور القديمة هي العصور الذهبية‏,‏ وأن التقدم الي الأمام إيغال في الخطأ والبعد عن الخير والحق والجمال‏.‏

ألا تري كيف كان الشعراء العرب يعتقدون أن الأوائل لم يتركوا للأواخر سبقا أوفضيلة‏,‏ وأن هؤلاء الأواخر لا يملكون إلا تقليد أسلافهم الذين جاءوا في أول الزمان فقطفوا زهرته‏,‏ ونالوا حظوته‏,‏ أما الأواخر فلم يدركوه إلا وهو شيخ فان‏.‏
أتي الزمان بنوه في شبيبته
فسرهم‏,‏ وأتيناه علي الهرم
وأنت تري أن الزمن كان بالفعل يمر قرونا بعد قرون لا يجد فيها جديد‏,‏ ولا تسقط عادة‏,‏ ولا يتغير تقليد‏,‏ اللهم إلا شيئا واحدا هو الذي كان يتغير‏,‏ أو قل ينحط‏,‏ وهو اللغة التي كان عليها في كل الأحوال أن تنقل للأحفاد ميراث الأجداد‏,‏ ومن هنا استقر في الأذهان أن الخطاب كلام فحسب‏,‏ وأن التجديد الذي يطرأ عليه لا يمس الفكرة ولا يغير إلا الألفاظ‏,‏ وتلك هي العقيدة الراسخة التي توارثناها فأورثتنا هذا التخلف المقيم‏,‏ وربما أغرتنا بأن نكون أكثر تخلفا من أنفسنا‏,‏ وأن نمعن في التراجع‏,‏ ونطوي القرون القهقري بظهورنا لنعيش مع أجدادنا كما يعيشون‏,‏ ونلبس كما يلبسون‏,‏ مخدوعين كما كانوا مخدوعين ومقهورين كما كانوا مقهورين‏.‏

لكننا نفاجأ مع هذا بأن كل شيء في العالم يتغير‏,‏ العلم‏,‏ والعمل‏,‏ واللغة والافكار‏,‏ والدول والأحزاب‏,‏ والمصالح وموازين القوي‏,‏ كل شيء يتغير لا بين قرن وقرن‏,‏ ولا بين جيل وجيل كما كان يحدث من قبل‏,‏ بل بين عشية وضحاها‏.‏
العالم الآن ليس هو العالم قبل ثلاث سنوات فقط‏,‏ والقوانين التي تسري علي الآخرين تسري علينا فيتغير كل شيء حولنا‏,‏ ويتغير كل شيء فينا‏,‏ ولا يبقي إلا أن ندرك ذلك‏,‏ فنعترف بأننا نتغير‏,‏ وأننا يجب أن نتغير‏,‏ فليس الجمود بطولة‏,‏ وليس التحجر فضيلة‏,‏ ونحن لا نخسر شيئا حين نتغير إذا تغيرنا بإرادتنا‏,‏ واذا اخترنا الصورة التي يجب أن ننتقل اليها لنكون أكثر وعيا‏,‏ وأكثر قوة‏,‏ وأكثر فضيلة‏,‏ لن نخسر إلا ضعفنا وعجزنا عن حل مشكلاتنا وسد حاجاتنا واللحاق بالآخرين المتقدمين الذين سبقونا منذ قرون طويلة ومازالوا يواصلون تقدمهم حتي لم نعد قادرين علي أن نحسب المسافة الفاصلة بيننا وبينهم لانها ليست مجرد زمن يمكن ضبطه وتقييده‏,‏ وإنما هي شطحة هائلة خرجنا بها من المدار الذي يمضي فيه العالم حين انحبسنا في أفكارنا ومسلماتنا وتحجرنا فيها‏,‏ فلابد من اعادة النظر في هذه الافكار‏,‏ وهذه المسلمات‏,‏ لابد من تجديد الخطاب الثقافي‏,‏ أي لابد من تجديد الوعي‏!‏

 

أحمد عبد المعطي حجازي - الأهرام المصرية - 23.07.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri