رواية ميشال ديل كاستيللو الجديدة "أبواب الدم":

إبن يثأر من أمه

في جميع كتبه التي تصدر تباعاً منذ 1957 يعود الروائي الفرنسي ميشال ديل كاستيللو الى شخصية بين الواقع والخيال يجعلها تطل دائماً وبشكل او بآخر في رواياته وهي مصدر اعجاب وكراهية في آن.: انها والدته التي اضحت شخصية ادبية مشهورة باسم كلارا ديل مونتي، ويعطيها ملامح الانثى المغرية والافعى الملتوية على الاكاذيب. ويقول ديل كاستيللو في هذا الشأن: "حين يكون لدينا والدة هي بمثابة حرب اهلية قائمة في حدّ ذاتها، كيف يمكن ان يستعيد الولد ثبات رجليه على الارض بعد ان يصبح شاباً؟" ويستعيدها كمن يصقل المعدن مرة تلو المرة الى ان تصير مثل "قطعة جمالية بحتة". وفي انتقاله من رواية الى اخرى، فهو ينحت وينحت وتطلع معه عناوين وعناوين، الا ان هذه المرأة تتكرر وتعود لتؤرقه وتجعل قلمه يرسم دربها الطويل في اهتمامات متنوعة، في الادب والسياسة والحب:" امتلكت جاذبية لا تقاوم ونشاط بلا حدود، وقدرة خارقة في تخطي الممنوعات. نجحت في تأمين مورد رزقها الى آخر مرحلة من حياتها مخلّفة وراءها ضحايا على طول الطريق..."
وكان كاستيللو قد اعتبر انه انهى رسم والدته الحقيقي والواقعي في السيرة الذاتية التي اصدرها في التسعينات بعنوان "شارع الوثائق" لكنه اعاد صياغتها في "النجوم الباردة" عام 2001، فأطلّت على القارئ مع الجزء المتخيّل الذي اعطاها اسم كلارا ديل مونتي وايضاً التألّق الذي لا يعرفه الا ابطال الاساطير. عرفناها كلارا المذيعة في راديو الحزب الجمهوري في اسبانيا في الفترة التي دخلت فيها فرق جيش فرنكو الى مدريد وجعلتها هي وغيرها يهربون من البلاد عام 1939.
ويفتتح رواية "ابواب الدم" بفصل يسرد مسيرة كلارا وهي تنتقل من فالنسيا الى فرنسا على متن باخرة شحن استخدمها الشيوعيون في منطقة "هافر". كانت على علاقة بقائد ستاليني، ايّ محميّة من قبل الحزب. ووصلت الى رصيف الشاطئ في سيارة ليموزين، متألقة بمجوهراتها مثل نجمة ومرّت بين الحشد المتجمع على الرصيف حيث كانت الصفوف تنفتح امامها تماماً لتحييها. كلارا تخلت عن ازواج، وعن عشّاق، ولم تترك الى جانبها سوى واحد من ابنائها الخمسة، اي الكاتب الذي يتذكّر هذا الترحال: كان الولد في السابعة يراقب حياة الوالدة، عشّاقها وسهراتها، ولم يكن يفهم ما يجري بل يعجب بها وبأناقتها الملوكية حين كانت تخرج للسهر في الكازينو برفقة شلة من الاصحاب. حين كبر الولد لم تعد تكفيه تسلية العد على الاصابع لعدد العشاق او عدد الساعات التي تفصله عنها لتعود من سهراتها الطويلة ولجأ الى عالم آخر فيه كل احتمالات الهروب والمتعة: انه الفن. في البداية تأثر بالموسيقى وبعدها انتقل الى الادب بمساعدة سيدة عجوز كانت تدير مكتبة عامة وتشير عليه بروائع الادب. وتستمر الرحلة مع الوالدة من فيشي الى مونبولييه ومرسيليا واخيراً الى مخيم ريوكرو في لوزير حيث تجري ابرز احداث الرواية. ويتابع في سرد مسيرة كلارا عبر اعترافات لعدد كبير من السجينات الالمانيات والاسبانيات المنتميات الى الحزب الشيوعي اللواتي رافقنها. وكل الاعترافات جعلها كاستيللو مهمة امرأة تخبر القصة اي انه حذف دوره الشخصي في الرواية. كاستيللو يصفّي حساباته مع والدته عبر الخدمة الكبيرة التي يمكن ان يسديها الادب. ومن بين المئات من الامثال لأدباء انتقموا بالكتابة، نجح عدد كبير منهم بذلك. هيرفي بازان انتقم من والدة ماكرة عبر كتابه "افعى في قبضة اليد"، اما "افعى" كاستيللو فهي التي جعلته يتنقل معها من كتاب الى كتاب، وإن لم ينتقم فهو ربح عالماً مزهواً بالادب والموسيقى كانت عذاباته مع الوالدة هي المحرضة عليه.
هنا مقطع من الرواية
... كنتُ اتابع دراسة الادب في احدى الجامعات الاميركية حين قررت عمتي ايليزا تولدو المضي في مشروع وضع دراسة لقدر كلارا ديل مونتي التي عرفتها في شبابها والتي اذهلت وصدمت نساء محيطها وجيلها بتحررها ومواقفها، وكانت عمتي مجازة في التاريخ وواضعة لسِير عدة عرفت نجاحات كبيرة. وخلال سنوات، اجرت تحقيقاً دقيقاً، وسألت شهوداً اساسيين، وقرأت كتب كلارا ودوّنت ملاحظاتها، وراجعت كل مراسلاتها. وكانت كلما تقدمت في بحثها، رتبت في مغلفات كرتونية للتوثيق كل معداتها واوراقها، وذلك حسب الترتيب الزمني منذ ولادة كلارا عام 1905 وحتى تاريخ موتها عام 1992. لكن عمتي لم تتمكن سوى من سرد السنوات الاولى من حياة كلارا وحتى تاريخ سقوط الملكية والحرب الاهلية ورحيلها عن اسبانيا عام 1939، وذلك لأنها اصيبت بمرض السرطان وماتت قبل انجاز عملها.
قبل وقت قليل من رحيلها، كتبت لي ايليزا تسألني إذا كانت المعلومات والعناصر التي تمتلكها كافية لكي تنجز مشروعها. ولشدّة احترامي لتلك المرأة قررت ان اتابع بنفسي هذا العمل. حاولت ان انجزه من دون ان اخون نواياها الخاصة بشأنه او ان اشوّه افكارها. ومع اننا كنّا نحمل، كل واحد من طرفه، اجازات جامعية الاّ اننا لم نكن نتشابه بسبب انتمائنا الى جيلين مختلفين، وكانت عمتي قد تربت وتعلمت في اسبانيا، وانا امضيت طفولتي واول سنوات شبابي في الغربة، في باريس أولاً حيث ولدت، وبعدها في الولايات المتحدة الاميركية.
وثمة امر حاسم آخر بيننا وهو الحرب الاهلية: انا لم اعشها في حين انها صعقت عمتي بقوة، واستطيع ان اضيف ان عمتي قد تأقلمت سريعاً مع الدكتاتورية الفرنكوية الى حدّ انها جعلت منزلها مركزاً لتجمّع الشخصيات الموالية التي كانت تمر لفترات قصيرة في مدريد خلال السنوات ما بين 1955 و1965. شكّلت هذه الاختلافات بعض الصعوبات في تكملتي للعمل، ولقد اكتفيت بإعطاء الشكل النهائي للمقطع الذي كانت عمتي قد انجزته، اي المقطع الاول. وأعرف ان تفاقم المرض في الفترة الاخيرة منعها من الكتابة. فكانت تكتفي بالتسجيل الصوتي للشهادات وتقوم سكرتيرتها الخاصة السيدة مندوز بتدوينها فيما بعد. وبمقدار ما كانت تقوى على العمل، كانت تعيد قراءة ما دونته السكرتيرة وتضيف اليه بعض التعليقات. وحتى آخر رمق من حياتها، كان هذا اسلوبها في العمل: وكانت النتيجة كلاماً مكتوباً تصعب قراءته. وحاولت ان احل اول معضلة في التقنية: ان اعيد الصياغة بنفسي استناداً الى التسجيلات او نقلها كما هي قررت ان اعتمد قراراً ما بين الاثنين: ان اضع بالاسلوب المكتوب هذه الحوارات المسجلة... وأخيراً استطعت ان اكمل ما بدأته عمتي لأضيء بعض الامور الغامضة في هذه السيرة.

 

كوليت مرشليان - المستقبل - الاثنين 23 حزيران 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri