ويلي
عرقتنجي هجر اللون والحكاية الى الغياب
الــدعـــوة
المـشــرقــة الــى الـطــفــولـــة
|
|
|
|
غلاف
كتاب "جان دو لافونتين" الذي وضع ويلي عرقتنجي
رسومه. |
من
لوحات عرقتنجي. |
ظننته
أبدياً كالجنائن الاسطورية التي جعل منها مساره الفني، لا يقوى
عليه الموت. ظننته من أهل فردوسه المثير للقلق، من ضلع آدم وذات
تفاحة من الخطيئة طعمها، لا يفنى.
كل
شيء في لوحاته كان يشير الى البدايات زمن كان الهواء انقى والطبيعة
ماوية والنبات مكتنزاً بعصير الشهوات المحرّمة.
ساحر
جنائن ويلي عرقتنجي، يغري العين والحواس باللون والشكل المسبط
حتى السذاجة الماجنة. ففتياته الموشحات باوراق الشجر يحملن تفاحة
حواء في اثدائهن، حوريات وبشر في آن واحد، اسطوريات وبنات البرية
البكر.
منذ
1974 اول معرض له في غاليري "كونتاكت" في بيروت الى 1994 آخر
معرض له في غاليري "إيبروف دارتيست" أتابع اعماله وأملأ حبري
بنسغه الماجن للكتابة عنه وبي حيرة امام هذه الازدواجية التي
تنعم بها رسومه: البراءة والخطيئة، الطفولة والاغراءات الماكرة،
الطرافة والشهوانية المهندسة بيد معماري، تناقض فطرتها وسجيتها.
فنه
ليس من وحي غابات افريقيا البكر ولا من اكزوتيات آسيوية. من
خيال خصب مترع بهواجس الطفولة وبيد عصامية لم تلجأ الى العلوم
الاكاديمية، مزج صباغات الاحاسيس الشبقة بالالوان المشبعة بماوية
الحياة.
يأتينا
خبر وفاته من بعيد وكأننا نتلقى نبأ معرض له في غاليري من غاليريات
باريس التي اعتمدها منذ اقامته فيها، او من غاليري في الولايات
المتحدة الاميركية. آخر معرض له في "ايبروف دارتيست" كان شاهداً
على دفق خياله وسعة ابتكاراته اللونية. فقصائد لافونتين عاد
ودرس مغزاها بألوانه الحامضة والسكرية. ومن اللوحات ولد كتاب
رسومه المقطوفة من حكايات لافونتين: "الصرصار والنملة"، "الغراب
والثعلب"، "الضفدع الذي أراد ان يصير بحجم البقرة"، "جرذ المدينة
وجرذ الحقل" وصولاً الى "اليمامتان".
ستون
لوحة لستين قصيدة، قدم لها الطاهر بن جلون والشاعر جان نويل
بانكرازي. وكلاهما لمس ناحية الحلم لدى ويلي عرقتنجي والنَفَس
الدافئ والجرأة في التلوين والتأويل. قال بن جلوّن:
"رجل
قدم من ضفة الحلم الاخرى ودخل في غابات برونزية حيث لكل شجرة
حكاية لاطفال يؤمنون بسحر الكلمات والالوان. فهذا الرجل يقرأ
في كل سعفة نخيل قصة غريبة، وانشودة ايمـائـيـة حـيناً ولطيفة
ناعمة حيناً آخر".
وقال
جان نويل بانكرازي: "مضى زمن لم أقرأ فيه قصائد لافونتين. ضاعت
مني مع الطفولة. امام لوحات ويلي عرقتنجي التقطتني دهشة ندية
كأنه اعاد اليّ سنواتي الفتية. أتقن هذا المزيج العادل بين البراءة
والوضوح، بين الدهاء والسذاجة، في تصويره حكايات لافونتين".
اختصر
الشكل، سطّحه، ولم يكثر من التفاصيل. فالحكاية تروى بالالوان.
وبعض الاشارات الظاهرة للعيان، المرمية في دهاء هنا او هناك،
تستفز قارئ اللوحة ليدخل سحرها. هذا الفنان التشكيلي اعاد الى
الذاكرة قصائد حفظناها غيباً أيام الصغر، وأقام في النسيان،
ما كنا نردده كدرس حياة واخلاق يأتينا من منطق الحيوانات، باسلوبه
"الاسيدي"، الندي، بأشجاره الجامدة، المثقلة بالمعـاني، بأغـصان
ونـبات كما يرسمها الاولاد، ماردة، أكولة، عنوان ريشته وطبيعته
الانسانية، المرحة، الزاهية.
فصّل
ويلي عرقتنجي الطبيعة التي يرسمها وثمارها من جسد المرأة، وتكاوين
قالبها وملمسها. ففي كل غرسة وسعفة وورقة ملمس مخملي تمتد اليه
اليد سهواً لمداعبته، المرأة عنوان الطبيعة البكر وليست من نماذج
"اكاديمية" صادفها في رجوعه الى سفر التكوين يوم كان العالم
النموذج الذي مـنه نسخ الله ثمار الجنائن فسرق حلم الخالق وتوسع
به في لوحاته.
يقول
جان نويل بانكرازي: "لو رأى لافونتين من عليائه لوحات ويلي عرقتنجي
لابتسم تأثراً وعرفاناً. هذا الرسام باشراقته المتواضعة وموهبته
العالية عرف كيف يتآلف عبر لوحاته مع نداوة لافونتين وحكاياته".
تبقى
الكلمة الاهم في فن عرقتنجي تلك التي وقعها الشاعر جورج شحادة
على قميص الكتاب: "رسوم ويلي عرقتنجي دعوة لا توصف الى الطفولة".
مي
منسى - النهار - الثلثاء 8 تموز 2003