العولمة
وتحولات العالم

المؤلف:
محمد محفوظ
الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت -الدار البيضاء 2003
عدد الصفحات: 141 صفحة من القطع الكبير
لا تزال العولمة
تفعل فعلها اليوم وتثير خلافات عديدة، سواء في العالم الغربي
حيث نشأت، أو في بقية بلدان العالم الأخرى حيث كثرت النقاشات
والآراء المتضاربة حولها. وتثير النقاشات حول العولمة في الساحة
الثقافية العربية تحديدات غالباً ما تفتقر إلى تناول العولمة
كمفهوم له مركباته ومستوياته وامتداداته، كما تفتقر إلى تناول
العولمة من حيث هي ذاتها، إذ تنتقل إلى تناول آثارها ونتائجها،
بناء على موقف إيديولوجي معارض أو متحمس للعولمة، وفي كلتا الحالتين
غالباً ما يتم قسر النقاش في جانب أو مستوى وحيد، دون أخذ الظاهرة
في مجمل تجلياتها المختلفة. وفي معرض تناول العولمة والتحولات
المصاحبة لها تحاول مقالات هذا الكتاب رصد وفهم بعض التحولات
التي تجري في سياق العولمة، وسبل صناعة القوة الذاتية.
وقد برزت في العالم معطيات كبيرة على المستوى التكنولوجي مع
التحول الذي ظهر في التسعينيات من القرن العشرين وتجلى في الانتقال
من التكنولوجيا الصلبة (Hardware) إلى التكنولوجيا الرخوة (Software)،
وأدى ذلك إلى ثورة في الاتصالات والمعلومات والاختراعات، حيث
تدفقت المعلومات والصور عبر الأقاليم الجغرافية والقارات، وازدحم
الفضاء بالمركبات وبآلاف الأقمار الاصطناعية، فأرست بهذا التكنولوجيا
سيرورة مطردة لا يمكن إيقافها أو حدها بحد معين، ونجم عنها اتصالية
على مختلف الصعد، كان لها أثرها الفعال في الإنتاج والاستثمار
والتسويق والاستهلاك. ولا يزال هذا البعد وتموضعاته بعيداً عن
النقاش المحتدم في المستويات الأخرى، خصوصاً في المستويين الاقتصادي
والثقافي للعولمة، رغم أن التحكم في تكنولوجيا المعلومات يحيل
إلى تعزيز المصالح الجيوسياسية لقوى الهيمنة العولمية، ويتحكم
في مسار العولمة.
وإن كانت العولمة، كظاهرة حضارية، لها تجلياها المتعددة، التكنولوجية
والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، ولها تأثيراتها
الواسعة حتى على مستوى الأنظمة الفردية والفرعية في المجتمعات،
مثل العائلة والحياة الخاصة لكل فرد، فإن المؤلف يرى أن العالم
اليوم يمتلئ باليقينيات على مختلف الصعد، كما يمتلئ بأسئلة الشك
على مختلف المستويات. لكن مع ذلك تغير العولمة مشهد العالم اليوم
قصد توحيده بقدر ما تغير العلاقة بالأشياء والأفكار، حيث يتشكل
واقع جديد، لا مجال الآن لرسم حدوده الحاضرة أو المستقبلية بصورة
نهائية وحاسمة. وبالتالي فإن ما يجري اليوم، حسبما يقول المؤلف،
من أحداث وتطورات مليئة بالدروس والعبر، لكن المجتمع الذي لا
يعتني العناية الفائقة بأسئلة حاضره وراهنه، فإنه حتماً سيمنع
عن نفسه الاستفادة من هذه الدروس بما يخدم واقعه ومستقبله. فلا
نستطيع مواكبة العصر، إلا بالتواصل الفعال مع أسئلة الواقع،
والتفكير في بلورة إجابات عليها. فالعولمة تنطوي على عمليات
واسعة، تكرس اللا مساواة بين الدول وعدم الاستقرار في كثير من
المواقع.
وعلى المستوى الثقافي برزت مسألة جديدة تمثلت في تحول الثقافة
إلى اقتصاد، إذ يتم تحويل الثقافة إلى سلعة للاستهلاك من خلال
الصور والإعلان والنماذج السلوكية، كما تجري عمليات تذويب الأفكار
والرؤى الخاصة بكل ثقافة، وتختزل اللغات إلى مجرد رموز وأرقام
صناعية. وحيث يتحول المجتمع إلى مجتمع المشهد ـ الصورة، فإن
الإعلان يلعب بشكل متزايد دور الوسيط بين السلعة والسوق، بل
ودوراً مثيراً في توجيه فعاليات الثقافة المتعددة والشركات أو
المؤسسات الراعية لها. وهكذا تصرف ملايين الدولارات على الإعلانات
لفيلم أو مسلسل هوليودي بغية تسويقهما، وتوظف الرساميل الكبيرة
في الإعلان كي يلعب دور الوسيط الكامل بين الثقافة والاقتصاد.
ولا شك أن الحديث اليوم عن تسليع المشاعر والأفكار وأنماط السلوك
الشخصية أخذ يكتسب صحة ومصداقية أكثر من أي يوم مضى، وأخذت تلاقي
صناعة النجم الثقافي والفني والتجاري رواجاً كبيراً في عالم
اليوم. ويعتقد المؤلف أن شرط النجاح في مشروع العولمة، هو خلخلة
البنية الثقافية الذاتية وغرس مفاهيم وقيم ومعايير الثقافة الغربية
في جسد الشعوب والمجتمعات، لذلك يطرح مقولة الأمن الثقافي للتحرر
من المؤثرات «الخارجية الوافدة»، معتبراً إياه أعلى مظاهر استرداد
الهوية، وبالتالي يطالب بالمقاومة الثقافية الذاتية لمشروعات
الاختراق، وهذا يبين مدى خوفه من تأثيرات العولمة على الصعيد
الثقافي.
ويثير المستوى الاقتصادي للعولمة مسائل عديدة، بوصفه الموجه
الرئيس لسيرورة العولمة، ويتجلى في ظواهر مختلفة، يتداخل فيها
بروز الشركات العملاقة العابرة للقارات والمتعالية على الدول
والقوميات مع التوسع الكبير لأسواق المال، وارتباط الاقتصاد
الإنتاجي باقتصاد طفيلي يستفيد من المضاربات ومن قوانين التشجيع
على الاستثمار. وتتعقد المسألة الاقتصادية في البلدان الآسيوية
والأفريقية ذات الاقتصاديات الضعيفة والتي تشجع الاستثمار، حيث
أصبحت هذه الدول مرتعاً لرأسمال استثماري، يحتمي فيها من دفع
الضرائب، ويستفيد من الامتيازات التي تمنحها هذه الدول، وتمتدّ
تدخلاته لتطال القرار السياسي للدولة. وينظر المؤلف إلى هذا
المستوى من زاوية تأثيره على العالمين العربي والإسلامي، حيث
يطالب رجال الأعمال بالتفكير في تحويل بعض المؤسسات الاقتصادية
والتجارية إلى شركات مساهمة، ولكن لا أعتقد أن في هذا سبيلاً
للتخفيف من تحديات العولمة، فضلاً عن أن قوى الهيمنة تحاول فرض
شروط اقتصاد السوق الحر على مختلف الدول، ويلعب في هذا المجال
رجال الأعمال أينما كانوا دوراً مميزاً يخدم مصالحهم. وقد أظهرت
مؤخراً قوى المال المصرفي والاستثماري قدرة كبيرة في التحكم
بالقرار السياسي لبعض الدول، بل وحتى في مصير تلك الدول واستقرارها
السياسي والاجتماعي، فقد تحولت، مثلاً، النمور الآسيوية بين
ليلة وصباحها إلى نمور من ورق نتيجة تحويلات فورية لرأس المال
العولمي.
ويثير المستوى السياسي للعولمة مسألة الأمركة، أو محاولة الولايات
المتحدة الأميركية فرض هيمنتها على الأمم ـ الدول الأخرى، عبر
محاولة تخليق الأمم ـ الدول حسب مقتضيات استراتيجية تبعيتها
للمنطق الأميركي المالك للقوة العسكرية النووية المدمرة. ويصور
هذا المنطق أميركا بوصفها المالك للحق في إنتاج وبيع أسلحة الدمار
الشامل دون سواها، ويعتبر مصالحها القومية مصالح كونية وشمولية،
كما يسوغ النمط الأميركي في الديمقراطية الليبرالية بوصفه النمط
المثال، فضلاً عن محاولة فرض معيارية حقوق الإنسان التي يتبجح
بها الخطاب السياسي الأميركي. وهكذا فإن استقلالية الدولة ـ
الأمة ليس لها مصير، في ظل العولمة، غير المزيد من الاضمحلال
والزوال، حيث تتناقص قدرة الدولة على ممارسة سيادتها في ضبط
عمليات التدفق المتواصل للمعلومات والأفكار والأموال والسلع
والصور عبر حدودها، وحدّت ثورة الاتصالات والإعلام من أهمية
الحدود الجغرافية والإقليمية. لكن المستوى السياسي للعولمة ليس
هذا فقط، بل يقترن بانتشار الديمقراطية على المستوى الدولي شيئاً
فشيئاً، لكن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة نحو سلم عالمي أو نحو
استراحة ما بين مرحلتين من الحروب التي كثرت في زماننا.
كما يؤسس هذا المستوى لمعارضات مختلفة بين الخصائص والتمايزات
القومية، وهو ما يفسر بروز النزعات القومية والاثنية الجديدة
وإحيائها في ظل العولمة، وقاد العديد من الباحثين إلى اعتبار
العولمة ليس مجرد عالماً أحادياً، بل متنوعاً من خلال ظهور أقطاب
عديدة، مثل اليابان، والاتحاد الأوربي، والنمور الآسيوية والصين
وسواها. من هنا يمكن فهم تأكيد المؤلف على الثقافة الوطنية ومسألة
الهوية، رغم أن هذا التأكيد لا يجد تحققه إلا في المجالين العربي
والإسلامي لديه، فنراه يطالب بالبحث عن أطر مجتمعية لتفعليها
وجعلها حاضرة في الحركة اليومية. كما يعتقد أن استيعاب التقنيات
الحديثة ومكاسب العولمة، يشكل الخطوة الأولى لتحريك عناصر الثقافة
الوطنية، وتنشيط أطرها المجتمعية.
إن الهم الذي يؤرق المؤلف هو بالدرجة الأولى ثقافي، من منطلق
الحفاظ على الهوية، وهذا السؤال لا يزال ينير عتمة الكتابات
العربية منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، لكنه بقي سؤالاً بفعل
التسمية، يستجر مشاريع فاشلة في التحرر والنهوض، ويستدعي كل
دعوة تأصيلية.
وظلت إشكالية التنمية التي يعلن عنها العنوان الفرعي للكتاب
بعيدة عن التناول الفعلي، فليس المهم الدخول في التاريخ العالمي،
والمشاركة الفعالة في الحضارة الإنسانية، بل المهم في منطق تفكير
المؤلف هو التأصيل لمختلف المفاهيم والمعارف الحديثة، مع أنه
لا يفهم التأصيل في البحث عن دليل شرعي عن واقعة أو ظاهرة اجتماعية،
إنما بوصفه جهداً نظرياً يروم بلورة نظرية معرفية متكاملة.
لكن كيف يمكن بلورة ذلك؟ لا يجيب المؤلف عن سؤال كهذا، بل يذهب
إلى التعميم والاختزال، حيث يكفي القول بأن المثاقفة والتواصل
المعرفي الجاد مع منجزات الإنسان الحديث ومكتشفاته الجديدة،
يشكل جزءاً من مفهومه لعملية التأصيل في العلوم الاجتماعية.
هكذا يفهم المؤلف تحديات العولمة، وينظر إلى الواقع العربي والإسلامي
وفق تعميمات لا تقدم ولا تؤخر شيئاً في «الأخطار الكبرى التي
تواجهنا في العالمين العربي والإسلامي»، مع أن هذا الجمع بين
هذا العالمين يشكل بحدّ ذاته جمعاً بين بلدان ومجتمعات لا تشترك
بذات الهموم والإشكاليات إلا في نطاق تجريدها وعمومياتها، فمجتمع
مثل ماليزيا أو تركيا، لا يواجه ذات المشاكل والهموم التي يواجهها
بلد مثل السعودية أو سوريا أو غيرهما من البلدان العربية والإسلامية،
لكن في هذا التعميم يمكن الكلام عن أي شيء، وهو إجراء يحاول
عدد من الكتاب اللجوء إليه وفق منطق التعميم، فما يصلح لهذا
البلد يصلح للآخر، وهكذا يبدأ فعل التسمية فعله، دون التكلف
بتسمية الأشياء بمسمياتها الفعلية.
إن مستويات العولمة وفضاءاتها تكشف عن إيهامات عالم أثيري. عالم
متحرك ومتعال وفوق واقعي، يحمل بين طياته نماذج لتعبيرات القوة
المختلفة المظاهر، فيها من التشابه والتطابق بقدر ما فيها من
السطوة والقسر والاختزال، وليست تأثيرات عمليات العولمة ذاتها
لمختلف بلدان العالم، بل تختلف من بلد لآخر. ولن يذوب الاختلاف
فيها أو يقصى لصالح تكنولوجيا النمذجة والتصنّع وإيديولوجيا
الهيمنة القائمة على تراتبية القوة وتجسيداتها، وعليه فإن هذا
الأمر يستدعي قراءة معطيات الحاضر لكل بلد قراءة جديدة، وضرورة
تشكيل استراتيجيات لمواجهة سلطة إيديولوجيا الهيمنة وتراتبية
القوة التي تتحكم في مسار العولمة ومستوياتها، وتبني ثقافة منفتحة
تقوم الحوار والتفاعل والتواصل بين مختلف الثقافات والحضارات
العالمية مقابل الثقافة المنغلقة الأحادية والمهيمنة، وكان بودنا
أن نقرأ في هذا الكتاب ما وعد به المؤلف في إضاءة بعض الأمور
المتعلقة بالتحولات والتطورات التي تجري في بلد معين في سياق
عمليات العولمة المتسارعة.
عمر كوش - الأثنين 28 يوليو 2003 - بيان
الكتب