الـتــلـفـــزيـــون مـصـــدراً لـلـمـعـــرفـــة

طــــبـقــات الـمــعــــانــاة


غاري هيل، 1991.


ارنالدو بومودورو، 1983.


جوديت باري، 1991.

متابعو النشرات الجوية التلفزيونية التي تبثها الفضائيات لا بد انهم لاحظوا في خضم سعي المحطات التلفزيونية لحيازة صفة العالمية، ان النشرات الجوية الحديثة تتسع وتصبح اكثر شمولاً إلى حد ان المرء لا يستطيع، إذا احسن متابعتها، ان يتعرف إلى ما تقوله عن الطقس المتوقع في بلده او مدينته في طبيعة الحال. ضريبة العالمية ان لا يعود المرء يعرف ما يجري لديه حقاً. ان يتأخر الخبر الأكثر تأثيراً على مجرى معيشه اليومي، إلى الهامش والظل. وربما إلى النسيان والتجاهل.

لا شك ان النشرة الجوية الشاملة تتوخى الصحة. لكنها في كل حال لا تتوخى الدقة ولا تتطلبها. فأن يستخلص المرء ان ثمة عواصف في مكان ما من العالم في هذا الوقت بالذات فيما تنعم امكنة اخرى بشمس وادعة، وتخضع امكنة أخرى لقسوة الشمس الحارقة، يعني ان النشرة الجوية لم تضف الى ما كان يعرفه من قبل شيئاً محدداً. فليس اكتشاف تزامن الصيف والشتاء على سطح الكرة الأرضية اكتشافاً يستحق ان تبذل لأجل ابلاغ المشاهدين بحدوثه كل هذه الجهود المضنية. لا تخطئ النشرات الجوية الحديثة لكنها ايضاً لا تقول ما يوجب ان نحاسبها على الخطأ فيما لو وقع. فقد تحولت وهي تلهث للحاق بركب العالمية وتصديق مقولة القرية الكونية إلى ما يشبه المعطيات الجغرافية المدرسية الثابتة: مناخ لبنان معتدل، حار وجاف صيفاً وممطر وبارد شتاءً. اما المملكة العربية السعودية فمناخها صحراوي جاف تندر فيه الأمطار وترتفع فيه درجات الحرارة ارقاماً قياسية.

المشاعر على ايقاع الشاشات

يتزامن هذا التعميم الجاف والقاحل في التلفزيونات مع اتجاه عام نحو تركيز الحدث والخبر في امكنة تضيق يوماً بعد يوم، حيث ينبغي لليبيريين ان ينتظروا فراغ الدارسين والمحللين والمراقبين الاميركيين من دراسة احوالهم ليقرروا ما اذا كان يجب ان يتدخلوا هناك ام لا. ويترافق تدخلهم فيما لو حصل مع تزايد الاهتمام بقضاياهم وعذاباتهم. هكذا ينتظر الليبيريون ان تدرس معاناتهم وتفحص عذاباتهم ليقرر العالم، بعد الدرس والفحص، اذا كان يحق لهم البكاء علناً على موتاهم، وتشييع جنازاتهم بالقدر اللازم من الحزن الذي يهز المشاعر. وإلى ان يحصل ذلك، على الليبيريين ان يؤجلوا البكاء والصلاة على الموتى ويقصروا جهودهم المضنية واللامجدية على تنظيم التظاهرات المطالبة بتدخل دولي فاعل في بلادهم.

لا احد يدري يقيناً ما إذا كانت حمّى العالمية التي تجتاح وسائل الإعلام المتلفزة تخصيصاً، هي التي تتسبب بهذه اللامبالاة ام انها سلطات العالم الجديد التي تقرر زمن الحزن والحماسة ومكانهما في كل بقاع الأرض بحسب ما ترى ذلك مناسباً. في الحالين معاً يجدر بنا تفحص هذه الواقعة والاصغاء إليها بانتباه. حيث وللوهلة الأولى يكاد الليبيري يحسد الفلسطيني على معاناته المنظورة ويحسد العراقي على مقاومته الغامضة المقاصد وعلى الاحتلال الأميركي لبلاده. وهذا ما يحصل علناً ومن دون لبس او عياء.

لكن ما يبدو ثابتاً في هذا كله يتعلق بالدور المعرفي الذي تدعي التلفزيونات اضطلاعها به: "كن الأول في معرفة الخبر" CNN!


مراتب النجو.


بيل فيولا،1992.


اسرائيل ضد الصحافة.

الحاضر المسلوب

بدا التلفزيون في الماضي القريب، كوسيلة اتصال ومعرفة، مرشحاً لاحتلال مكانة متصدرة بين وسائل الاتصال والمعرفة في العالم، والأرجح انه حل محل السينما في هذا الإدعاء. تفوّق على السينما بادعاء اشتماله على صفات لم تتحصل للسينما الجماهيرية والحاشدة في ازمان مجدها الغابر. كان التلفزيون يستطيع ادعاء قدرته على نشر انماط من المعرفة لم تكن السينما تستطيع احتواءها. فهو اولاً يملك القدرة على توسيع رقعة متطلبي مشاهدة الوثائق ونبشها: التلفزيون وثائقي بالتعريف. وثانياً يستطيع التلفزيون ان يقدم زمن المعرفة، فالمعرفة التي يتهجى حروفها المبهمة تتعلق بالمستقبل والحاضر اكثر مما تتعلق بالماضي. والتلفزيون، ثالثاً، يستطيع ان يشرك المشاهد في صنع القرار وابداء الرأي والتأثير على مجرى الأحداث بخلاف السينما السلطوية البث والإبداء. وفي هذه الأنماط مجتمعة كان التلفزيون يؤشر إلى انحيازه للحقائق بخلاف السينما التي تنحاز للخيال الجارف واللامحدود. مثلما بدا يشير بطريقة مواربة إلى الاهتمام بالراهن والجاري حدوثه اكثر من اهتمامه بما جرى. على هذا لا يتوجب على العراقيين بكاء موتاهم من ضحايا النظام السابق الذين اكتشفت رفاتهم في المقابر الجماعية، فالحدث اليوم هو اكتشاف الرفات لا حدوث الموت. لأن التلفزيون يطمح ان يكون شاهداً بارداً وليس منتمياً منحازاً ومنفعلاً.

استحالة المعرفة

حدّد جيري ماندر اربعة اسباب لإلغاء التلفزيون، اولها انه لا يقول الحقيقة، وثانيها انه يلغي التضامن الاجتماعي ويهدده، وثالثها انه عاجز عن التعمق والتحليل الدقيق، ورابعها انه يضر بالصحة العامة. وحيث ان هذه الأسباب بدت للكثيرين حتى يومنا مقنعة وعلى قدر لا يستهان به من الدقة، لم يعارضها المفكر الفرنسي الراحل بيار بورديو بل سلّم بها وافترض ان هذه الأسباب الأربعة الأساسية توجب علينا ان نبذل جهداً جاداً لنقل التلفزيون من حالته التي يبدو عليها إلى حالة أخرى يستطيع معها ان يعدل في وظائفه بما يتلاءم مع عمق المعرفة وأصالة الكشف وتوخي الدقة ومن ثم تمتين الروابط الاجتماعية ومراعاتها. وترك امر الضرر اللاحق بالصحة العامة للعلم المجرد الذي يستطيع تلافيها في المستقبل القريب. فقدم بحثاً طويلاً على الشاشة افترض انه معدّ لتستقبله العامة المرتخية والمضطجعة على الكنبات الوثيرة في بيوتها بعد نهار عمل شاق، في حين ان البحث نفسه لمن يريد التعمق مكتوب ومنشور في شكل اشد عمقاً واقل استطراداً وهذراً. بورديو على الأرجح لم يأخذ في الاعتبار ملاحظة رايمون وليامس في ما يتعلق بالتلفزيون، والأرجح انه اعتبرها من العوارض التلفزيونية وليست من المتن. فهذا الأخير رأى ان التلفزيون الذي يبث من دون انقطاع لا يترك للمرء مجالاً لمتابعة جدية ومجدية، لأنه لا يعطي المرء فرصة ثانية ابداً: يبث من دون انقطاع ويتطلب من المرء ان يتسمر امام شاشته ليتسنى له متابعة ما يجري فعلاً. وحيث ان المعرفة التلفزيونية هي معرفة تتحصل في اوقات الفراغ وتتطلب من الشاشة ان لا تكف عن الإبهار والمفاجأة، على ما يقرر تيد تيرنر، لتحتفظ بكسل المشاهد وتمنعه عن القيام لقضاء حوائجه او تغيير المحطة، فإن متابعة بورديو في تقديم نص طويل تبدو في هذا المعنى غير ممكنة فعلياً، رغم التكرار والإكثار من الأمثلة وتبسيط الأفكار.

تبدو ملاحظة وليامس قابلة للاعتراض السريع، فالتلفزيون الحديث صانع التكرار بامتياز. الخبر يتكرر على المحطة الواحدة مرات لا تحصى، فضلاً عن بثه على المحطات الأخرى في الأوقات نفسها في غالب الأحيان. درجة السبق لا تتعدى في هذه الحال الثواني المعدودة. والأرجح ان المرء يلتقط الخبر على هذه المحطة من دون تلك بمحض الصدفة، فليس ثمة سبب يجعله يسابق نفسه ووقته لينتقل بين المحطات بحثاً عن ثوان معدودات تجعل هذه المحطة سابقة لتلك. كل هذا مثبت ومختبر لدى المشاهدين في العالم اجمع، لكن السؤال يتعلق في ما إذا كان الخبر التلفزيوني هو خبر حقاً!

لعبة الحرب

على امتداد الحروب المتلفزة في العقد السابق والعقد الراهن، كان التلفزيون سيد الحدث بامتياز. تقنيات البث المباشر وطبيعة الحروب شكلتا فرصة لا تعوض للتلفزيون لتثبيت سلطانه على تقنيات المعرفة وإثبات الوقائع. قبل تلك الحروب لم يكن التلفزيون اكثر من وعد مستقبلي، ينتظر الفرصة المناسبة. حيث بدا الإصرار الشديد على جدوى البث المباشر من غير قدرة على تجاوز جموع المهتمين والمناصرين في العالم مهما اتسعت رقعة انتشارهم واحتشدت اعدادهم. فليس ثمة سبب يجعل المرء اليوم يجرؤ على تصنيف الأحداث التي تجري في مباريات كأس العالم في كرة القدم في وصفها هماً بشرياً عاماً. فهذا ضرب من الاهتمام ولا يسعه ان يتحول هماً. بصرف النظر عن الأعداد المهتمة بالنتائج والوقائع والأهداف، ورغم ان هذا الاهتمام لم ينتقل ليصبح هوساً إلا عند قلة قليلة بين ملايين المشاهدين المهتمين، إلا ان متابعة هذا الحدث العالمي توجب على المتابع ان يتمتع بالمعرفة التي تسبق مشاهدة التلفزيون: ليتسنى لك التمتع بمباراة بين الكاميرون والبرازيل عليك ان تعرف قوانين اللعبة اولاً، وعليك ان تتمتع بمقدار من المعرفة في ما يخص مهارات كل من الفريقين تخولك الانحياز بوعي لفريق دون آخر. ثم، وهذا هو الأهم، عليك ان تنحاز مسبقاً لأحد الفريقين بصرف النظر عن الربح والخسارة، وعن القوة والضعف. بعد هذا كله عليك ان تعتمد على القدر والحظ ليتسنى لفرحتك ان تتم. فقد تفوز الكاميرون على البرازيل رغم اختلال موازين القوى، لأن الحظ متسع في اللعب ولأن اللعب يستند إلى قوانين صارمة يخضع لها الجميع. وقد تخسر فتفترض ان اداء فريقك كان مشرّفاً رغم الخسارة، إذا كنت تناصر الفريق الأضعف في المباراة، ويكفيك فخراً ان فريق بلادك لعب لعباً نظيفاً لا تشوبه شائبة وخسر امام اقوى فرق العالم. تماماً مثلما يعتبر انصار اسامة بن لادن ان تنطّحه لمقارعة اقوى قوة في العالم واضطرارها لخوض المباراة ضده يكفيانه شرفاً وفخراً حتى لو هُزم وسحقت قواته في الميدان. وفي الحالين عليك ان تتابع الحرب التي تدور بين الجانبين، باردة وساخنة. فتفترض ان الإعلان الأميركي عن احتمال موت ابن لادن في القصف الجوي يملك حظه من الصحة التي يجب ان تثبتها الوقائع في ما بعد. مثلما تفترض ان إعلان ابن لادن نجاته مرة أخرى وتنفيذ عملية دموية في السعودية دليل قاطع على استمرار المباراة قيد البث المباشر. لكنك في هذا كله لا تغفر لأميركا ما يسعك ان تغفره لابن لادن في الخروج على قواعد المباراة. على الأميركيين بصفتهم الأقوى ان يبدوا قدراً من التسامح وان لا يخرجوا على قواعد اللعبة، فيما تجد خروج ابن لادن على هذه القواعد مبرراً ومتوقعاً وانما يدفعه إليه اختلال موازين القوى في غير مصلحته.

نجوم السذاجة

مغنيات الـ "فور كاتس" اللبنانيات التقين آل باتشينو. لقاؤهن به مصادفة تحول جزءاً من سيرتهن الفنية، فهن لا يفتأن يذكرنه كلما لاحت لهن الفرصة. اللقاء في حد ذاته لم يكن معجزة فنية. لقد التقاهن في مصعد في نيويورك من طريق المصادفة البحتة. حياهن قائلاً: Hi girls، وكاد يغمى عليهن. آل باتشينو نجم حقيقي. يقول الذين يعملون معه انه يمازحهم ويأكل مثلهم ويحادثهم بطبيعة ومن غير تكلف. ذلك انه يحق له ان يتكلف ويتعالى فهو نجم بامتياز ويدرك انه ممثل لامع ومن قماشة نادرة. على النحو نفسه تروي بريجيت باردو خيبتها قبل ان تصبح نجمة حين تسنى لها مشاهدة مارلون براندو عن كثب. اخذت له صينية الفطور إلى الغرفة التي ينزل فيها في احد فنادق باريس، لكن النجم الملهم كان يغط في نوم عميق، وما لبث ان انتبه من نومه ليجد مراهقة شقراء تحمل صينية بين يديها. بحركة طائشة من يده اوقع صينية الفطور فسال البيض والزبد على الفراش، وما لبث ان عاد ليغط في نوم عميق. لم تكن باردو ايضاً تصدّق ان نجماً كمارلون براندو يمكنه ان يكون بهذه العادية، فعلى النجم ان يكون نجماً حتى في نومه. لكن هذا الصنف من النجوم يخص السينما تقريباً. فنجوم التلفزيون لهم شأن آخر في ما يبدو. وليدرك المرء اسباب النجومية في التلفزيون عليه ان يجد إجابة مقنعة عن سؤال على النحو الآتي: كيف يكون "ميشو شو" برنامجاً ناجحاً في حين ان احداً ممن يمكن ان يسألهم المرء رأيهم لا يجد مقدّمه وبطله ونجمه الأول خفيف الظل او ذكياً او قادراً على تقديم معلومة مفيدة؟ الحق ان الإجابة عن مثل هذا السؤال شائكة، ليس لأن النجم التلفزيوني يظهر على حقيقته فعلاً، فهو ربما يكون في الواقع شخصاً مختلفاً عن الصورة التي يوحيها للناس على الشاشة الصغيرة، بل لأن التلفزيون يريد منا ان نصدّق ان هذه هي شخصيته الحقيقية. إذ نادراً ما يطيق التلفزيون نجماً واسع الثقافة وبالغ الذكاء. فالتلفزيون يريد ان يوحي للمشاهد ان النجومية في متناول اليد دائماً. ما ينقص المرء للحصول عليها قليل من الحظ وبعض المصادفات السعيدة. بعد ذلك ليس مطلوباً من المرء ان يفكر او يخطط او يتذاكى. عليه ان يترك الرياح تجرفه وتحمله إلى الشواطئ السعيدة والهانئة. ولو زدنا على هذه الواقعة واقعة ان مثل هذه البرامج تلجأ إلى استقبال اتصالات المشاهدين وتتوخى ظهور بعضهم على الشاشة نفسها لأدركنا ان قوة هذه البرامج انما تتغذى من الأمل الحزين والرجاء الخائب الذي يدغدغ كل من يفكر في المشاركة بالبرنامج وربح بعض الجوائز والظهور بمظهر النجم ولو لدقائق قليلة. لو ان برنامج "من سيربح المليون؟" لم يستضف سوى العباقرة وذوي الثقافة العالية، لما تجرأ الناس، حتى الأذكياء منهم، على محاولة الاشتراك في البرنامج اصلاً. ولما تسنى للمشاهدين ان يراقبوا بفرح خبيث غباء الذين فشلوا في الجولات الأولى فأدركوا انهم يفوقونهم ذكاء وحكمة ويسعهم ايضاً ان يكونوا نجوماً يشار إليهم بالبنان. التلفزيون، على هذا، يصنع نجوماً يشبهون المشاهدين. نجوم هم في الغالب اصحاب حظوظ اكثر مما هم اصحاب جد واجتهاد. الفارق الطفيف بينهم وبين المشاهدين ان هؤلاء الأخيرين يقبعون في بيوتهم فيما اولئك يحاولون جهدهم ان يجعلوا الاتصال بالمشاهدين ممكناً وأكيداً ويمكن ان نثبته بالقرائن الخادعة احياناً. فمعظم الذين يعملون في البرامج التي تبث على الهواء يعرفون ان اتصالات المشاهدين محضّرة سلفاً، واننا لو تركنا الأمر لهمة المشاهد الكسول لخسرت البرامج التي تبث على الهواء مباشرة بعض اثمن ما تقدمه على الهواء.

والحال، نحن حتماً نستطيع التعلم من شفيق الحوت اكثر مما نستطيع التعلم من احمد منصور، مثلما نستطيع ان ندرك ان المادة التي نريد الاستزادة منها مخزونة في احاديث الضيوف وليست على الاطلاق في اسئلة المحاورين. رغم ذلك، ثمة نقيصة في التلفزيون اشار إليها رولان كايرول حين لاحظ ان التلفزيون يفرض شروط النبرة واللهجة والمضامين على من يظهر على شاشته، أكان سياسياً ام فناناً ام مفكراً، ومهما جهد هؤلاء لا يستطيعون ان يفرضوا شروطهم عليه. والحديث هنا عن تلفزيونات حقة وليس عن الجهاز الذي كان يبث للعراقيين في ظل حكم صدام، او حتى الجهاز الذي ما زال يبث للسوريين حتى اليوم. عند الأخذ بملاحظة كايرول، لا بد ان نسقط من حسابنا امكان ان نعرف من التلفزيون ما يريد لنا من يظهر على الشاشة الصغيرة ان نعرفه حقاً. والأرجح ان ملاحظة كونديرا اللامعة عن التلفزيون تحدد الهيكل العام لأغلب مضامين التلفزيون. فما يثيرنا على التلفزيون ان تقبّل اللايدي ديانا طفلاً مصاباً بمرض نقص المناعة المكتسبة وليس خطاباً دقيقاً وذكياً عن حق المرضى في المساواة الاجتماعية والحقوقية مع الاصحاء. ينبغي ان نكرر صفتي نجوم التلفزيون التي اشار إليهما كونديرا: استبدال الخطوة الثابتة بخطوة راقصة، والمعرفة بالإبهار.

ثنائيات

نجم التلفزيون ينبغي ان يوحي انه لا يمثل على الشاشة الصغيرة. ينبغي ان نصدق انه حزين لمجرد اننا شاهدناه يبكي. من ذا الذي يتذكر سارتر من مشاهدي التلفزيون؟! الايحاء بالحقيقة والطموح إلى الوقوع في موقع شاهد الإثبات من غايات التلفزيون الملحة والتي يجهد لتحقيقها. هكذا في وسعنا ان نفهم معنى الدم المرغوب على الشاشات. فالشاشات تعشق الدماء والرؤوس المقطوعة، والثنائيات الحادة الملامح، ليس التلفزيون الأميركي فحسب من يعشق هذه الثنائيات بحسب ما يظن ميشال بوغنون - موردان، بل تلفزيونات العالم اجمع. علينا ان نجد رابحاً وخاسراً، خيّراً وشريراً، قاتلاً وضحية، ليتسنى لنا ان نستمتع بالمشاهدة الخدرة. فالتلفزيون يتطلب انحيازاً مسبقاً، فضلاً عن تطلبه معرفة قوانين اللعبة من المشاهد والتقدير الجيد لموازين القوى بين الخصمين. ليس عجيباً والحال هذه احتلال الرياضات التنافسية هذا الموقع البالغ الأهمية في التلفزيون. فهذا ملعبها، وفي هذا الصعيد وحده تنمو وتنتشر وتعم ويصبح ابطالها نجوماً.

شكلت حروب العقد الأخير من القرن الماضي والسنوات الأولى من القرن الحالي فرصة لا مثيل لها للتلفزيونات لإثبات ما جهدت لإثباته طوال زمن بثها. لكن الفشل بدا مريعاً منذ اللحظة الأولى. اولى علامات الفشل تمثلت في بحث بودريار الشهير عن مكان حرب الخليج. ما يمكن قراءته في قفا هذا البحث يفيد ان الواقعة ما ان تتحول صورة تلفزيونية تفقد واقعيتها وتصبح كأنها لم تحدث قط. لنعترف ان الملاحظة اللامعة لم تعمّر طويلاً، لأن انهيار الادعاءات التلفزيونية سرعان ما تناسلت من بعضها إلى حد جعلت هذه الملاحظة تبدو قديمة وباهتة حتى قبل ان يمر عليها الزمن وتدخل فعلياً في الأفهام. في حرب الخليج الأولى كان علينا ان ننبهر بالمشهد الاحتفالي للنار الحربية. كان المشهد جديداً وغير مسبوق. له نكهة هدف رونالدينو بعد الجهود الحثيثة التي بذلها الفريق مجتمعاً من دون طائل. لكن الهدف نفسه يفقد نكهته حين تعاد المباراة في اليوم التالي. على النحو نفسه لم تقدم الحروب التي تلت الحرب الأولى جديداً، كانت اهدافاً بائتة وتفتقد الحرارة والقدرة على الإبهار.

مشاهد عارف وتلفزيون جاهل

في الحرب الأميركية الأخيرة على العراق لم يتعدّ دور التلفزيون المقدرة على اثبات حسن تخمين المشاهد. منذ ما قبل الحرب بزمن طويل كان المشاهد يعرف ان حرباً ستقع هناك، ولم يكن مراسلو التلفزيون قادرين على اكثر من إثبات ظنه. كانوا ينتظرون اللحظة التي تتحقق فيها النبوءة. المعرفة التي حصّلها المشاهد وجعلته يتوقع نشوب الحرب لم تكن معرفة تلفزيونية في طبيعة الحال، فالمشاهد كان يختار منذ اللحظة الأولى الجانب الذي ينحاز إليه، ومع اختياره كان يختار المحطة التي تجعل نبوءته تتحقق على النحو الذي يريد. طبعاً، لم يكن بين المشاهدين من يشك بالهزيمة العراقية، لكن الانحياز بدا ضرورياً واختيار المحطة التلفزيونية بدا اكثر من ضروري، ذلك ان ما يتجنبه المرء في هذه الحال هو التضليل المعادي، لأن التلفزيون لم يفعل سوى التشويش على الصور وتفسيرها والتعليق عليها بحسب الأهواء والأمزجة والإنحيازات. والأرجح ان المشاهدين في بيوتهم ادركوا ان بغداد سقطت قبل ان يدرك ذلك الصحافيون الذين حوصروا فجأة بالنيران في وسط بغداد. في هذه الحرب تأخر التلفزيون عن المشاهدين وجعل علمهم ارفع من علمه وسلم بجهله بما يجري حقاً. فلو صدّقنا المحطات الأميركية في بداية الحرب لكان لزاماً علينا ان نكذب معلوماتنا التي لا يرقى إليها الشك في ان الجيش الأميركي سيتكبد خسائر ولو من طريق الخطأ. اما لو اردنا تصديق التلفزيونات العربية لكنا حتى اليوم نحسب ان بغداد لم تسقط بعد، وان المذبحة التي وعدنا بها محمد سعيد الصحاف وقعت حقاً، ومن بقي حياً من الأميركيين اعتنق الإسلام وهو الآن يحارب في عداد جيش صدام حسين. لم يكن ممكناً ان نتابع فصول الحرب الأخيرة اعتماداً على المعلومات التلفزيونية، كان علينا ان نتوقع نتائجها سلفاً وان نتمتع بقدر من المعرفة تخوّلنا ان ننحاز بوعي تام إلى الجانب الذي نريد الانحياز إليه. في هذه الحرب لم يكن البث المباشر سوى خدعة باهتة، وكان علينا ان نكتشف ان نجوم التلفزيون، صحافيين ومحللين وكتبة أخبار، بالغو السذاجة على نحو ما يتصف به نجوم التلفزيون في العادة. أليس معبّراً ان يتحول الصحاف نجم الحرب التلفزيوني من دون منازع شرقاً وغرباً؟ ذلك انه جمع في شخصه وخطبه وتعليقاته صفات نجوم التلفزيون كلها، فصار في وسع المشاهد السخرية من ادائه، بمرارة او بتشفّ لا فرق، من دون ان يشعر بتبكيت الضمير.

 

بـلال خـبـيـز - الاحد 27 تموز 2003 - النهار


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri