<<غراسياس دو
مدريد>> في كازينو لبنان تنغيم العنف

مشهد
من الاحتفال بترويض العنف (مصطفى جمال الدين) |
على
إيقاعات الفلامنكو، كان الرقص بعيداً عن التمايل الهادئ للأجساد،
بل كان بعيداً عن لعبة هزّ الخصر بالتحديد. الرقص هنا أكثر اعتماداً
على حركة الأطراف لا حركة الوسط، أي حركة الأيدي والأرجل، على
أن هذه الحركة لا تتجه عموماً نحو الهدوء والرومنسية بقدر ما
تتجه نحو التصعيد الحركي أو الدينامية المتنامية التي تستجيب
لإيقاعات عنيفة في أكثر الأحيان.
كان علينا أن نتنقل بين تنويعات الفلامنكو الأسباني، الفلامنكو
الذي يستلهم التراث ويستحضره بحنين ودفء، وذاك الذي يضعنا أمام
مروحة من تنويعات الفلامنكو الحديث، أو الفلامنكو المثوّر.
كنا أمام سبعة فصول وثلاثين راقصاّ، وقد جعلت المتعة المكثفة
الوقت ينزلق بسرعة. إذ إن الحركة السريعة والخفة الباهرة والأداء
الرشيق والمشاهد المشغولة بتوليف ذكي للمشاهد البصرية، التي
تتداخل فيها لعبة الأضواء والأزياء والألوان، التي تمتد من الأبيض
الناصع المبهج، في البداية، حتى تلك القاتمة في بعض المشاهد.
كارمن موتا
وكالعادة في مثل هذه الإستعراضات، التي تأخذ بعين الإعتبار مشاهدين
يهوون سهرات الكاباريه (بالمفهوم الغربي) التي تجمع بين التسلية
الخفيفة من جهة، والفن الراقي من جهة ثانية، كان لا بد من تمرير
بعض أعمال الخفة البدنية بين الفصل والفصل الآخر، أو ما يمكن
أن نسميها الألعاب السحرية، التي تعتمد على الخدع البصرية أو
الحركة الخفيفة الشديدة التركيب. ثم كان لابد من ذلك البريق
الضوئي وتلميع الألوان والبحث عن أناقة شديدة الدقة في شكل الملابس
واختيار أزيائها.
المشاهد، التي وضعت أفكارها وأخرجتها الفنانة الشهيرة كارمن
موتا وصممت رقصاتها مع خواكيم مارسيلو، لم تنفصل عن الخصوصية
الأسبانية، حتى وهي تنحو في اتجاه الموسيقات العالمية الحديثة،
بل أكثر من ذلك، كأنما كان هناك إصرار على حضور العنصر الأسباني
بقوة. هكذا أفلحت كارمن موتا في استحضار رموز أسبانية فنية،
تكريما لها واهتماماً بها واستجلاء لصورتها. فاستحضرت في الموسيقى
التي اعتمدتها، مثلاً، مقطوعة موسيقية للمؤلف الموسيقي الشهير
ساراسات الذي رحل في بدايات القرن الماضي، ومقطوعة أخرى لمانويل
دو فالا، ثم تركتنا مع موسيقى أوبرا كارمن. وهي زاوجت بين استحضار
المقطوعة الموسيقية واللوحة التشكيلية، عندما أخذتنا إلى أجواء
الفنان الأسباني الشهير غويا، وذكرتنا بلوحته الشهيرة <<لا
غالينيتا سييغا>> وبلوحات النساء لجوليو دومورو دو تورس.
نبض الأقدام
تحيي المشاهد عصورا ماضية من التاريخ الأندلسي، بالعودة إلى
أزياء القرن الثامن عشر، وقبله زمن الأندلس، وكذلك العودة إلى
إقليم أراغون في تمثيل الحركة القوية، التي وإن اختلفت بأسلوبها
مع الفلامنكو، فهي تتوافق معه بالحركة القوية والعنيفة.
ويتخصص المشهد الأخير بالأجواء الأسبانية الشعبية التقليدية،
عندما تدخل المسرح فجأة فرقة غجرية فيها عازفو الغيتار ومغن
وراقصون، يقتحمون المسرح تماما كما يقتحمون، في العادة، أي مجموعة
من السياح في أحد شوارع بلاد الأندلس.
لا تتحرك الأجساد الراقصة على إيقاعات الموسيقى فقط، وإنما أيضاً
على إيقاعات صوت المغني. وحركة الراقص السريعة جدا تبدو أحيانا
كأنها حركة ذاتية غريزية لا تنتظر أوامرها من الدماغ، فما نراه
من خفة تلك الطرطقة التي تحدثها الأقدام وميكانيكيتها السريعة
وغربلتها المذهلة والمعجزة، تجعلنا نتساءل عن سر تلك القدرة
على ضبط ذلك العنف الذي تختزنه الحركة وترويضه وإدخاله في نظام
إيقاعي صارم. نشعر أن المسافة برقية وقصيرة جداً بين الرأس وأصابع
القدم.
فروسية
وما نلاحظه في هذا المجال أن الراقصين الرجال أكثر قدرة على
تمثيل تلك الحركة الإيقاعية السريعة من الراقصات الإناث، ذلك
أن العنف في رقص الفلامنكو مادة أساسية لابد منها، بل إن لغة
التحدي واستعراض القوة والحاجة إلى الفروسية أكثر تناسباً مع
الرجال. وما كان بارزاً أيضا في البحث عن شق الاختلاف بين الرجال
والنساء في العرض، أن أزياء الفريق الأول كانت ضيقة تظهر حركة
الجسد بشكل أكثر شفافية، في حين أن أزياء الفريق الآخر غلبت
عليها الفضفضة والأشكال الجرسية الكثيرة الثنيات.
كان الرقص، في العرض الذي حمل عنوان <<غراسياس من مدريد>>،
احتفالاً ببلاغة الحركة، وإيقاعات الأقدام الرشيقة، والفلامنكو
الأسباني.
أحمد
بزّون - السفير - 04.08.2003