أنطونيوني/تشاتمان: نحو قراءة معرفية للسينما

مايكل انجلو انطونيوني

ترى من اي زاوية يمكن تفحص المنجز السينما/ معرفي الذي واكب حقبة التحولات بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً؟ من الوجهة الجمالية ثمة تراكم ما يفصح عن تتابع كرونولوجي خالص نقرأه في ظل المدرسة الواقعية الايطالية ورموزها: دي سيكا، روسيليني، زافاتيني، فيسكونتي، بازوليني وأنطونيوني، ونخبة موازية من كتاب السيناريو ومديري التصوير.

هذه الكثافة التي واكبت اليسار في رد فعله على الفراغ الفكري والانساني الذي خلفته الحرب التي ازهقت ارواح ملايين عدة من البشر ودمرت امهات المدن الاوروبية وخلفت اسئلة عميقة وجوهرية بلا اجابات. من هنا نلامس المعطى السينمائي/ المعرفي للسينما الايطالية بخاصة عبر واحد من اهم رموزها وهو مايكل انجلو انطونيوني. وربما كان احد اهم الدوافع في اعادة قراءة هذه التجربة هو الحوار المهم الذي كان قد اجراه سيمور تشاتمان مع انطونيوني وأعيد نشره في اكثر من دورية وموقع للانترنت وهو حوار وجدل ونقاش تجدد رؤى انطونيوني، وكانت المجلة المهمة Film Quarterly قد وثقته في ملف مهم عن انطونيوني وذلك في احد اعدادها السابقة.

اما بالنسبة الى تشاتمان لمن لا يعرفه فهو احد ابرز دارسي البناء المعرفي في فن الفيلم، وهو جامعي بدرجة بروفسور في جامعة كاليفورنيا وما زال كتابه "القصة والخطاب" يشكل مصدراً مهماً في قراءة السرد السينمائي في محور الرواية/ الفيلم وله ايضاً كتب اخرى لا تقل اهمية منها: انطونيوني: سطح العالم: 1985 والحقب القادمة: 1990 وغيرها.

وميزة القراءة الـ"تشاتمانية" لأنطونيوني انها ليست بقراءة تقليدية او ملامسة عابرة، بل انه في حواره وقراءته لأنطونيوني يلامس البناء المعرفي في منجزه.

يؤكد انطونيوني انه منذ افلامه الاولى: "ناس أكا" (1943) و"روما مونتفديو" (1948) و"قصة حب" (1950) و"فيللا مونستر" (1950) و"ففتي" (1953) و"الفرحة (1957) مروراً بفيلم "المغامرة" (1965)، (الذي عرف بأنطونيوني) ثم "الصحراء الحمراء" (1964) و"الانفجار" (1966) انه لا يريد ان يوضح اي شيء... ويقول انه لا يريد ان يبدأ من فكرة ولا يريد ان يشرح لجمهوره او ان يخاطبه "ان هذه هي فكرتي". ويؤكد مراراً انه يريد فقط ان "يروي" وينشط مخيلة وعاطفة مشتركة ووعياً مشتركاً لجمهور ما... يجهله تماماً، لكنه يدرك امراً مهماً هو ان هذا الجمهور يريد ان يعرف.

ويؤكد انطونيوني انه لا يعرف كيف يقوم افلامه، لكنه يستطيع - كما يقول - ان يقوم رؤاه وعواطفه وينظر الى الخلف، الى حياته، وان افلامه تحمل جزءاً كبيراً من ذلك. لكنه يستدرك، ان العاطفة وحدها لا تكفي لصنع سينما، ولم تكن السينما الايطالية يوم خطت خطاها الاولى مع الموجة الواقعية الجديدة لتنتج عواطف او تحرك عواطف جمهورها لكي تعرف، وعند انطونيوني ان المسألة مقترنة بما هو ابعد من ذلك، باتجاه التجارب والخبرات والافكار والرؤى. مراقبة الواقع وقراءته فلسفياً وفكرياً وثقافياً.

وباختصار شديد يؤكد انطونيوني رأيه المعروف: "انا لم افكر قطعياً بالجمهور، والآخرين، فهنالك شخص واحد يمثل هذا الجمهور والآخرين... انه انا... نفسي".

راديكالية

وعندما يناقشه تشاتمان بأن هذا التصور للذات التي تعرف البدائل وتمثل الآخرين او تستبدلهم بالمخرج ذاته، هو تصور اقرب للراديكالية التي انطلقت كما يبدو منذ عام 1909عندما اطلق انطونيوني فيلمه المهم "المغامرة"، يجيب انطونيوني قائلاً: "انني لا. لا. لا. (يكررها ثلاثاً) لا افكر في ذاتي كمجرد، انني اطرح ذاتي (كرجل في حال فعل) و(ذات) في حال ابداع، ودائماً ما افكر بأن ما انجزه في كل مرة وما انجزته سابقاً من العسير جداً ان اقرر انني استطيع تكراره بالمستوى نفسه مرة اخرى. ويستدرك انطونيوني مؤكداً فرضيات تشاتمان المعرفية لابداع انطونيوني، يستدرك بأنه وقد تجاوز السبعين من العمر، ان هذه الرحلة الزمانية هي رحلة لقراءة الذات والآخر ايديولوجياً وأخلاقياً ومعرفياً، ولهذا يجب ان تتذكر، يقول انطونيوني، انك اذ تقرأ هذه المتغيرات قراءة متغيرة وجديدة فإنك ستكون إزاء طريقة جديدة وأسلوب جديد في قراءة هذا الواقع معرفياً. ويضيف انطونيوني ان نوع قراءته ذاته قد تحول معرفياً فهي - كما يقول - اصبحت قراءة كونية اذ يهتم لاحقاً بالفلك وفلسفة العلوم، فلأنه كما يقول امام اتجاه معرفي لقراءة الواقع صورياً، هذه الكثافة الشعورية للصور متغلغلة في صميم هذا الخطاب الكوني الذي لا يشغلنا كثيراً لكنه يفعل فعلاً مؤثراً وعميقاً في حياتنا وأفكارنا.

المسألة الاخرى في السينما، بحسب انطونيوني هي ان هنالك تحدياً يكمن في ان الظواهر من حولنا تتكرر مراراً، التحدي هو ان تعرض الشيء ذاته ولكن بطريقة مختلفة.

وعندما تكون الفكرة في مواجهة التكنولوجيا والأداة، يؤكد انطونيوني انه لا يفكر في التقنيات وانه يختار التقنية بدل ان يفكر فيها، وانه لا يختارها الا حينما يوشك على بدء التصوير وليس قبل ذلك مطلقاً، وهو في هذا يؤيد ما يذهب اليه تشاتمان من ان الموضوع يبدأ مع الرؤية البصرية.

مكان مزدحم مفاجئ

ويتساءل تشاتمان ان كان انطونيوني وعبر قراءة افلامه يرى من حوله حالاً ما ثم يحولها الى نص واطار فكري ثم يجذرها مكانياً...؟ اي يحيلها الى معطى واقعي مكاني. فيجيب انطونيوني بأن له رؤية موازية، وانه يجب ان يرى المكان ويعيش تفاصيله في اثناء الكتابة وليس بعدها، ويؤكد انه لا يتصور كيف يمكن ان يكتب مكانياً من دون ان يعي جيداً ما يكتب تفاصيله الدقيقة.

... يكتب انطونيوني هذه السطور:

"فجأة اجد نفسي في مكان مزدحم كبير، الاصوات لا تأتيني من هذا المكان بل من اناس آخرين لا اراهم هنا مباشرة، فالذين امامي يسيرون صامتين، اما اصواتهم التي اسمعها فتأتي من شريط آخر اعرفه، ومراراً اقوم بالربط بين هذه الاصوات عبر المشهد في مكان ما... هناك...".

وتمضي قراءة تشاتمان في تتبع تحولات الرؤى عند انطونيوني، وهو في عدد مجلة الفيلم Film Quarterly يقدم خلاصة لما يراه في انطونيوني، وكيف يقرأ منجزه معرفياً، وظروف لقاءاته به في روما والولايات المتحدة، وهو يستخلص كل هذا ويضمنه في كتابه: "انطونيوني، سطح العالم".

كثافة متداخلة من الرؤى الفلسفية والفكرية يكتنز بها عالم انطونيوني هذا الذي يقدمه تشاتمان في خلاصات مؤثرة.

 

الطاهر علوان - كوالالامبور (ماليزيا) - الحياة - 2003/05/09


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri