مرارة
الانتقال من الحلم الى الواقع

تطغى
الخيبة والحنين على ديوان عبده وازن الجديد "نار العودة" الصادر
عن دار المدى، دمشق. يشتاق الشاعر الى حال الروح الأولى "عندما
كانت السماء قريبة" وكان كل شيء ممكناً بفضل الوحدة مع العالم
والسيطرة البريئة للأوهام. "عندما كانت السماء قريبة / كنا نلمسها
بأيدينا(...) نلمس السماء بشهقاتنا(...) وكنا نغتسل بضوء لا نراه"
(ص 5). يحن وازن الى حال الاتحاد "الأصلي" والبطولة الحالمة التي
تحرك الجبال بإيمانها لا قوتها، ويسجل في "نار العودة" مرارة الانتقال
من الحلم الى الواقع، من الوضع "الطبيعي" البريء الغافل الى عالم
الكآبة والفراق و"أشواك الألم". "لم نكن نرفع صلاة/ لم نكن نحني
رؤوسنا(...) عندما كانت السماء جارة أيدينا/ كنا نسامرها بحبور(...)
باللهفة التي تسكن عيوننا(...) كانت أقدامنا تطأ حقول الضوء (و)
ذئب العتمة أرق من منديل" (ص 6-8). يشكو الشاعر الانفصال وخسارة
الجنة التي كان يدخلها خلسة من دون أن يضطر الى طرق بابها. يرثي
عبده وازن سقوط الفرد المفجع ودخوله القاسي متاهة التحولات التي
يحاول معها عبثاً العودة الى البداية "الكاملة": "النظرات تفصح
عن وجه وراء وجه(...) ما أبصرته في المرآة كان ذكرى وجه" (ص 31).
"في آخر المنظر ينبثق منظر آخر" (ص 13). "أبواب مفتوحة على أبواب/
نوافذ تطل على نوافذ" (ص 33). "النوافذ تطل على ليل/ تلو ليل"
(ص 37). "السماء التي ما وراء السماء/ أشد انقشاعاً من مرآة الظهيرة/
الليل الذي ما وراء الليل/ أشد إلفة من حديقة الغرباء" (ص 62).
سكون
عبده وازن بالنهايات وهشاشة الفرد الخاسر نعيمه السابق الذي لن
يعود. "على شفير العالم تقف/ لتبصر عالماً يقف/ على شفير عالم"
(ص 83). تمتزج الصوفية بالفلسفة اليونانية التي اعتقدت بانحباس
الروح النقية في أدران الجسد لتخلق حالاً شجية عذبة كسيرة تفتش
الروح المنفصلة معها عن الحقيقة السابقة بلا أمل. يكفي النظر الى
عناوين القصائد لنرى "وهدة الروح (التي) تحملك الى سفوح أخرى":
نبيذ الشقاء، كأس الوداع، عدم، طعنة، دمع، بئر الماضي، الشفير
الأخير، سقوط، عطش، سماء مقفرة، مقتلة. لا يعيش الفرد حقيقته بل
يساوم ويخاف ويشك ويخيب ويُغش في سعيه المسعور الى "عسل الإلفة"
تحت "السماء المقفرة التي تظلل حياتنا" و"الخواء الذي ينتشر من
حولك". تتكرر كلمة "لون" في قصيدة "احتمال" لتشدد على الخسارة:
"لو كانت الطريق أقل وعورة لوصلت الى الغابة/ التي أبصرتها خلف
سياج الغفلة". الغابة هنا هي الفردوس المفقود لا الغاب الذي نشكو
سيادة قانونه ونبغي الهروب منه الى العالم الأول الذي احتفظنا
بمثال فطري عنه وفق أفلاطون. والغفلة التي يراها وازن نافذة وحفرة
وعصافير وبئراً في (ص 22 و40 و65 و94) ليست غير وجودنا الحالي
الذي يلهينا عن ذلك الأول الحقيقي.
تدون
"وردة في حديقة الله" فجيعة الشاعر بموت صديقه الصحافي سمير كامل
وإحساسه بالخيانة لغياب "المسيح الصغير". لا يصدق رؤيته "مضرجاً"
كملاك مع سائر الأصدقاء "المثخنين بعذوبتك". الصديق الذي تألم
سراً وحدّق محتاراً في السماء سقط كريشة: "حين سقطت لم تحدث جلبة"
(ص 18). ولم يكمل المسار: "الحروف التي لم يتسن لك جمعها"، "ليتك
أكملت كأسك بيننا(...) ليتك أكملت صلاتك التي طالت/ أغنية فيروز".
رحيق الطيف، كان، لكن "عيناك اللتان أغمضتهما/ تضيئهما شمعة أمك"
والراحل تخفف من "ضوضاء السنين الخاسرة(...) لئلا تحمل معك سوى
روحك المنهكة" (ص 24). على أن موت لطفاء الروح عودة وانتصار على
العالم: عندما تجتاز سور نومك/ تبصر فجر اللازورد/ ينهمر ملء السفوح/
تبصر شمس الليل تنبثق من قبة السماء" (ص 23). يعارض وازن الليل
بالأزرق كما يفعل فنانون كثر ويجعله مجازاً للحلم والانتصار والأمل.
في قصيدته عن السماء القريبة المهداة الى الشاعر أنسي الحاج تحية
للأخير باستعارة جميلة. "وإذا أطلنا التحديق/ تمسي عيوننا زرقاً".
في الصفحة 113 تلمع العينان "بزرقة خافتة" في "سراب" وفي (ص 169)
تبدأ السماء وتنتهي بزرقة القلب الذي "يشرق قبل العين".
"نار
العودة" عن عودة الفرد الأليمة الى نفسه مساء بعد انتهاء مشاغل
كل يوم وبدء الزمن الآخر الذي ينظر فيه الى المرآة ويحدق في الغريب
الذي يراه. حساب الربح والخسارة يختلف في هذه الخلوة التي تظهره
وحيداً ضائعاً في فضاء واسع موحش بارد. "الكراسي تضيق بأرواحنا"
(ص 37)، "مثقلين بأوهامنا(...) جروحنا تومض خفية" (ص 38)، "العيون
مجروحة(...) والنظرات مكسورة كسنابل الشمس" (ص 46). البشر عند
وازن "وحيدين كذئاب تحت الثلج/ نمشي من غير ان نبصر طريقاً" (ص
49) "شاحبين كالموتى/ نخشع أمام أيقونة خوائنا" (ص 50)، ينتظرون
عبثاً وصول "غودو" ما كبطلي صامويل بيكيت: "قل ماذا تنتظر هنا،
جالساً على حجر السأم (...) قل ماذا وهبك الليل عندما مر بك(...)
هل سيزهر القلب يوماً؟" (ص 53-54). يسعون في خواء ويبحثون عن المعنى
والجدوى في حياة لا يملكونها: "علمنا أيها الزارع كيف نعود كالغرباء
الى منزل ليس لنا، ونجلس على العتبات بأحلام مجروحة، منتظرين رسائل
لا تصل" (ص 60). وسط كل ذلك الخواء يهتز الإيمان: "كغيمة من بنفسج
يتهادى ملاك الأيقونة (لكننا) نلمس بخور حيرته" (ص 57). الحقيقة
ليست في أنفسنا ولا في حياتنا. "أنت لا ترى وجهك/ بل وجه شخص كنته/
قبل هنيهة/ وجه شخص سوف تكونه" (ص 147). "الأغنية التي لا يؤديها
أحد(...) مزهرية فارغة اسمها الحياة" (ص 117) و"أنظر الى وجهي
فقط/ لأعرف كم أنها وهم/ تلك التي يسمونها الحياة" (ص 148) و"لا
يحلم إلا حلماً واحداً/ هو ما كنت أسميه الحياة".
ننتظر
حتى الصفحة 67 لنقرأ عن امرأة "حين تملأ روحها الردهة/ تفوح رائحة
تراب قديم" لكنها إمرأة ماضية والتذكر يشوبه "ثلج الندم". "نار
العودة" لا يهجس بالحب بل بالقلق الوجودي والصوفي الذي يبحث عن
الجواب ولا يجده إلا في الذكرى، أي المثال المتبقي من الحياة السابقة.
الفرح فيه قليل وكذلك الوعد، إلا ان القصائد والنصوص النثرية بريئة
من الثقل. "نار العودة" ممتع، عميق، يمتزج فيه الجمال بالشجن الذي
يخاطب الروح برقة وخشوع وقليل من الأمل: "اقرعي الباب ولو خضّب
الدم يدك. أحد ما سيفتحه اليوم أو غداً(...) اقرعي الباب ما دمت
في الخارج، هناك حيث تنتظرين مرتعدة كالفريسة" (ص 79).
مودي
بيطار - الحياة