يمكن الاستفادة منها لتنقية مياه البحر

كائنات غريبة تلتهم حطام التيتانيك وتهدد حفارات النفط

عندما غرقت السفينة العملاقة «تيتانيك» في اولى رحلاتها عام 1912، تحولت المركبة إلى مقبرة رقدت داخلها جثث جميع من كان على متنها من رجال ونساء واطفال، وصل عددهم الى 1523 شخصاً. غير أن القدر شاء ان تتحول مأساة السفينة الى مصدر حياة لكائنات اخرى اجتذبها حطام السفينة بمجرد أن استقرت في اعماق البحر. ففي باديء الأمر جاءت إلى السفينة افواج من كائنات ميكروسكوبية اخذت تقتات على بقايا الطعام الذي كان موجوداً على السفينة، وذلك لمدة عشرة أيام حتى نفد كل ما كانت تحويه من غذاء ومؤونة، فتحولت هذه الكائنات البحرية لاكل حطام السفينة نفسه.

وبعد ذلك بـ 73 عاماً تمكن افراد بعثة علمية بقيادة العالم روبرت بالارد من اكتشاف حطام «تيتانيك» على بعد 750 كيلو متراً جنوب شرقي نيوفا ندلاند بكندا وعلى عمق 3800 متر من سطح البحر. وكانت أولى الصور التي شاهدها العالم لهذه السفينة قد أظهرت جسمها وقد ملأته آثار الصدأ، وأخذ شكل الكتل الحديدية المتمركزة تحت سطح البحر، تسكن كل كتلة منها كائنات بحرية تحولت على مر العقود الى حيوانات غريبة.

فكل كتلة من كتل السفينة أضحت تتكون من مجموعة من المواد البكتيرية والفطريات والميكروبات التي تعاونت فيها بينها لتكون مايشبه كتلاً عملاقة تحتمي بداخلها هذه المخلوقات من العالم الخارجي. ومنذ أن تم اكتشاف وجودها، وما شيدته من ابراج تحت الماء، بدأ العلماء محاولات كشف الحياة السرية لهذه المخلوقات.

الهدف من هذه الدراسات ليس انقاذ «تيتانيك» التي تبدو وانها تمر بحالة حتمية من التآكل والانهيار، ولكن للمساعدة على توفير مياه نظيفة في بلدان العالم النامي وتطوير مواد بناء جديدة يمكن انباتها وانماؤها بدلاً من تصنيعها كما يحدث مع مواد البناء حالياً.

وقد بدأت القصة عام 1996 عندما تم استدعاء العالم البيئي روي كاليمو من جامعة ريجينا في ساسكاتشوان وتكيلفه بمهة البحث في النشاط الحيوي الحاصل على السفينة الغارقة بعدما لاحظت الشركة المنوط بها عملية اخراج حطام السفينة من اعماق الحياة ان هذا الحطام آخذ في الانهيار بفعل مخلوقات غريبة.

وباستخدام المعدات والأدوات الحديثة للغواصة الفرنسية «نوتيل» تمكن كاليمور والفريق العلمي المصاحب له من جمع اجزاء من هذه الكتل واخذها لعمل من اجل اخضاعها لمجموعة متنوعة من التحاليل، ثم قام برحلة اخرى عام 1998 لإحضار عينات أكبر من هذه الكتل عندما تم رفع جزء ضخم من السفينة من قاع البحر. وكان طول أكبر قطعة استطاع كاليمور الحصول عليها من القاع حوالي 45 سنتيمتراً.

أثناء اجراء التحليلات اللازمة، تبين ان كتلة من هذه الكتل المتكونة تحت البحر تحتوي على 5 مجموعات من الميكروبات المختلفة على الاقل تعيش مع بعضها في حالة من التناغم والانسجام وفي معظم الاحوال تتجمع حول القنوات المائية التي تسير وتشق طريقها خلال الهيكل الموجودة فيه.

وهناك كذلك انواع من الفطريات التي تنمو الى خارج هيكل السفينة حيث تتلاقى القنوات مع السطح. وبجانب هذه الميكروبات، فإن هذه الكتل تحتوي على حوالي 35% من الحديد الذي يأخذ شكل خيوط من التجمعات الحديدية التي تتخلل الهيكل الكلي للكتل بالطريقة نفسها التي تشق بها الاعصاب او الاوعية الدموية طريقها في الجسم.

وقد كشفت التحاليل والبحوث التي قام بها العالم كاليمور ان هذه الميكروبات تعمل معا لتقتات على السفينة حيث تقوم معا بانتزاع الحديد من داخلها. وفي عام 1996، وصل هذا العالم والفريق العلمي المصاحب له الى تقرير يفيد بأن هذه الكائنات تقوم بالتغذي على 100 كيلوغرام من هيكل السفينة يوميا.

وكلما زاد نمو هذه الكائنات كلما زاد معدل التهامها لما حولها من مواد ومن هنا يتوقع كاليمور ان يختفي حطام السفينة في فترة تصل الى حوالي 100 عام تقريبا.

وتبين من خلال البحث والتجربة ان هذه الكائنات تستعمر اجزاء معينة من السفينة دون غيرها. ولمعرفة السبب وراء هذه الظاهرة قام كاليمور بوضع عينات من الفولاذ على سطح السفينة وألمحت الكشوفات التي توصل اليها ذلك العالم الى ان اكثر المناطق حساسية وجذبا لهذه الكائنات هي تلك التي يكون فيها الفولاذ ملويا نتيجة لغرق السفينة، و ذلك لان الانكسارات او الشقوق تسمح للميكروبات بالعثور على موطيء قدم لها داخلها.

واتضح ايضا ان هذه الكائنات تفضل الحديد المطاوع او اللين على الفولاذ. يقول كاليمور: «الامر لا يقتصر على ان الحديد المطاوع يستسلم بسرعة وبسهولة لهذه الكائنات ولكن المسامير من هذا الحديد وأماكن وجوده بشكل عام تتحول الى ما يشبه سوبر ماركت لنمو هذه الكائنات الامر الذي قد يحمل اخبارا سيئة ليس فقط للسفينة تيتانيك ولكن للسفن والهياكل الاخرى الموجودة تحت سطح البحر مثل حفارات النفط.

غير ان هذه البكتيريا المحبة للحديد يمكن ان تكون مفيدة، كما اوضحت البحوث والتجارب التي اجريت في هذا الشأن. فقد تبين انه يمكن استخدام هذا النوع من البكتيريا في التخلص من كميات الحديد الموجودة في المياه الجوفية التي يمتنع عنها الناس بسبب احتوائها على كميات من الحديد تضر بالصحة وسوف تثبت الابحاث الجارية في الوقت الحالي على هذه الميكروبات مدى القدرة على استخدام هذه البكتيريا كمرشحات للتخلص من الحديد الموجود في المياه الجوفية.

ولا تتوقف اهمية هذه البكتيريا عند هذه النقطة. فقد تبين لكاليمور ان هذه الميكروبات يمكن الاستفادة منها في عدد كبير من المجالات والاستخدامات الصناعية. فقد وجد ان هذا النوع من البكتيريا يمكن اضافته الى الاسمنت الطبيعي لتحسين ادائه واستخدام البكتيريا في هذه الحالة كأسمنت حيوي يمكن انباته وانماؤه. كما يمكن هندسة هذه الكائنات لتصنيع منتجات مثل البوليميرات والمواد الخافضة للتوتر السطحي الخاص بالسوائل المذابة، والتي يمكن استخدامها في اغراض طبية.

وفي هذا الشأن يقول كاليمور: «اذا نجحنا في التعرف على كيفية قيام هذه الكائنات بالتواصل مع بعضها البعض، اي اللغة التي تستخدمها في التعاون فيما بينها، فإننا سيمكننا تطويعها واستخدامها في اغراض شتى».

 

حاتم حسين - البيان


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri