عوالم بلزاك وديكنز وستندال وتولستوي... كما يراها ستيفان تسفايغ
ط¨ظ„ط²ط§ظƒ

بلزاك

من هم بناة العالم الخيالي؟ هولدرن، ديستوفسكي، بلزاك، ديكنز، تولستوي، ستندال، كلايست،... هؤلاء هم بناة العالم الخيالي في رأي الروائي النمسوي ستيفان تسفايغ وتفسير هذا الرأي وملابساته ودلالاته نجده في كتاب للأخير يحمل العنوان ذاته "بناة العالم" صدرت ترجمته بتوقيع محمد جديد عن دار المدى (دمشق، 2003).

يتناول تسفايج في مؤلفه تجربة هؤلاء الكتاب بدءاً من الأجواء الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي رافقت ظهورهم وولادتهم مروراً بمراحل الطفولة والصبا والمواقف التي تركت في نفوسهم ندوباً لا تمحى والنزعات والهواجس التي تصارعت في ذواتهم والقلق الذي طغى على تفكيرهم والأحلام التي زينت لهم ضنك العيش والخيبات الكثيرة، وصولاً إلى بلوغ هؤلاء مرحلة المجد الأدبي من دون أن يخططوا لذلك في شكل واع ومدروس فكانوا بذلك بناة عالم من القيم والأخلاقيات والمفاهيم والأفكار عندما كان للأفكار دور في اشتعال الثورات وفي تغيير العالم. فقد ربط هيغل الثورة البورجوازية بولادة الرواية، فيما اعتبر باختين أن الرواية منذ ملامحها الملحمية الأولى كانت تعكس عبر تعدد أصواتها التطلعات الثورية لعامة الناس. بيد أن الأفكار "لم تعد تقود العالم" الغارق في ثقافة الصورة وتكنولوجيا الاتصالات كما يذهب المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه.

ستندال.

ويبدو أن تسفايج في هذا الكتاب لا يستطيع التحرر من تعاطفه تجاه الأدباء الذين اختارهم فهو أيضاً روائي وهو نفسه عانى الكثير ويقال ان حياته انتهت بالانتحار ومن هنا فهو يخلط في معالجته للسيرة الذاتية وللتجربة الإبداعية لهؤلاء بين النقد الأدبي الموضوعي وبين الإعجاب والتقدير الذي يكنه لهم فهو من الكوكبة نفسها وبالتالي فهو يقوم أعمالهم من خلال ذائقته الأدبية الخاصة كروائي يمزج بين الذات والموضوع لكنه يجهد في الحفاظ على مسافة تتيح له رؤية جذوة الإبداع لدى هؤلاء بعيداً من كونه يحلق في السرب معهم وهو يختار شخصيات عانت في حياتها كثيراً من الفقر والنبذ والتجاهل والقلق وسطوة القدر ووطأة السلطات دينية كانت أم سياسية أم اجتماعية فلم يدب اليأس في نفوسهم بل واصلوا حياة البؤس بإرادة صلبة حققت المجد الذي يبجله تسفايج مستخلصاً القيمة الأدبية من مجمل ما كتبوه لا من عمل واحد...

وعلى رغم شهرة تسفايج (ولد في فيينا عام 1881) كقاص وروائي من بين أعماله "فوضى المشاعر" و"رسالة حب من امرأة مجهولة" و"قلوب تحترق" وغيرها لكنه اشتهر أيضاً بتحليلاته العميقة لحياة المشاهير عبر الغوص في تفاصيل حياتهم والإمعان في قسمات وجوههم والكشف عن الأسرار التي اكتنفت مصائرهم محاولاً الوصول إلى منبع الإشعاع الذي توهج، ذات إشراقة، في دهاليز روحهم ليشع بنوره على العالم، وتحقيقاً لهذا الهدف فهو يضع أعمالهم وسيرتهم الذاتية تحت مجهر النقد مستعيناً بتجربته كروائي يجهد في تأويل ما كتبه هؤلاء عبر قراءة جديدة للمراحل والظروف والحالات التي مروا بها والأمكنة التي عاشوا فيها وهو يقارب عوالمهم بكثير من الشغف والحذر والدراية وبلغة ترتقي إلى مصاف النص الأدبي الرفيع الذي ينأى عن إطلاق الأحكام النقدية الحاسمة والصارمة وإنما يكتفي بسرد هذه الحياة بكل تناقضاتها وتشعباتها التي تمخضت عن شخصيات ساهمت في بناء العالم الذي كان ينهار من حولها، ففضلاً عن أن كتابات تسفايج في هذا المنحى تعد مرجعاً مهماً إلا أنها وفي الوقت نفسه تحمل قيمتها في ذاتها في لغتها وأسلوبها وبنائها وكذلك في مرجعياتها الفلسفية والأسطورية التي تغني الوقائع والأحداث التي يأتي على ذكرها.

ديكنز.

يقول في حديثه عن هولدرن: "احتوت الطبيعة الرقيقة هولدرن بين ذراعيها والنسوة اللواتي يتسمن بالرقة يجتذبنه"، وكان يميل إلى الموسيقى لكن ذلك لم يتحقق له، ففي الرابعة عشرة من عمره يدخل الفتى المرهف الحس مدرسة الدير ثم المعهد اللاهوتي في (توبنغن) وبذلك "تحبس الطبيعة المنطلقة خارج الجدران ما يقارب عقداً كاملاً" من الزمان في حياة اجتماعية ثقيلة". وكان التناقض اشد من أن يذهب من دون أن يترك في نفسه أثراً مؤلماً بل مخرباً. فقد نقل الفتى من عفوية الألعاب الطليقة الحالمة على الضفاف والحقول ومن رقة الرعاية النسوية ليحشر في ثوب كهنوتي اسود. وأصبحت سنوات الدراسة في الدير لدى هولدرن كما كانت سنوات الدراسة في المدرسة الحربية بالقياس إلى كلايست إذ "أدت إلى كبح الشعور ومهدت لأشد ضروب التوتر الداخلي وزادت من حدتها وأثارت نزعة المقاومة ضد العالم الواقعي".

وبكثير من الحذر يتناول تسفايج تجربة ديستوفسكي الحافلة بكل ضروب البؤس والشقاء والحرمان والمرض فيقول: "انه لمن الأمور الصعبة المنطوية على المسؤولية أن يتحدث المرء عن ديستوفسكي وأهميته بالنسبة إلى عالمنا الداخلي حديثاً له قيمته لأن اتساع مدى هذا الوحيد وجبروته يقتضيان مقياساً جديداً... وديستوفسكي لا يكون شيئاً إذا لم يعانه المرء من الداخل... ولا نكون قريبين إليه إلا عندما نصل إلى جوهرنا الحقيقي جوهر الإنسانية الشاملة، فمن كان يعرف كثيراً عن نفسه ذاتها يعرف الكثير أيضاً عن ديستوفسكي الذي كان المقياس الأخير لكل إنسانية على نحو لم يكن لغيره". يقود ديستوفسكي القارئ عبر مسالك العواطف النبيلة وجحيم الرذائل ويرقى به كل درجات العذاب الأرضي والسماوي و"أن الطريق لمظلم ولا بد للمرء من أن يستعر لهيب عاطفته وإرادة الحقيقة عنده من الداخل لئلا يتيه في العالم الروائي المعقد الذي نسج ديستوفسكي خيوطه عبر أعماله "الجريمة والعقاب" و"الأخوة كارامازوف" و"الأبله"... وغيرها.

أما بلزاك الذي ولد عام 1799 فقد "بدأ في الكتابة لا لتأمين المال أو للإمتاع أو ليكون حديث رجل الشارع. فهو لا يتوق إلى الظفر بعصا المارشالية في الأدب بل يتوق إلى تاج الإمبراطور". ويبدأ كتاباته الأولى في حجرة مهجورة تحت اسم مستعار وكأنما يريد أن يختبر مقدرته وحين لا يرضيه النجاح ولا يشبعه التوفيق يطرح العمل جانبا ليعمل في مهن أخرى يراقب ويرى ويستمع ويتغلغل بنظره في العالم ثم "يبدأ مرة أخرى في استخلاص العناصر النقية من صخب الأحداث واستخلاص التناسق من اللغط المرتفع واستخلاص جوهر الحياة من مادتها الغزيرة المتسعة وحشر العالم كله في بوتقته لإنشائه مرة أخرى بإيجاز... لذلك يتخلف كل ما هو غير جوهري عن كتاباته لتبقى الصور النقية القيمة وحدها" و"ما من أديب يعادله في حدة التفاني والاستغراق في عمله وفي قوة الإيمان بأحلامه الخاصة".

إن شخصيات بلزاك ـ كما يرى تسفايج ـ تمثل خلاصات، وعواطفه عناصر نقية، ومآسيه عمليات تكثيف فهو لا يرضى في الأدب بأقل مما حققه نابليون بونابرت على الجبهات العسكرية ولم يكن من العبث ما كتب تحت صورة لنابليون "سأحقق بالقلم ما لا يمكن تحقيقه بالسيف" يكتب ذلك ويعي بأن اوجيني غراندييه (إحدى بطلاته) الفتاة الريفية الرقيقة لا تكون في اللحظة التي تهب فيها لوالدها كيس النقود وهي ترتعد أمام الأب البخيل اقل شجاعة من جان دارك التي تشرق صورتها المرمرية على كل ميدان في فرنسا.

تولستوي.

لقد عرف بلزاك المعارك ومناورات البورصة والمضاربات العقارية وأســرار الكيمياء وأحابيل العطارين والمناقشات اللاهوتية وخدعــة المســرح والــسياسة، وقــد عرف الريف وباريس والعالم، وكان قادراً على استخلاص الأفكار والمعاني من ملامح العصر الذي عاش فيه فصار عمله، بحسب أحد النقاد "اكبر مستودع للوثائق الإنسانية" لدرجة اعــتــرف معــها كــارل ماركــس بأنه "استفاد من روايات بلزاك في فهم العلاقات الاقتصادية في مجتمع القرن التاسع عشر في أوروبا اكثر مما استفاد من علماء الاقتصاد المعـاصرين له".

بهذه الحساسية المرهفة يمضي تسفايج في البحث عن الصورة النقية للأسماء التي اختارها ليحفز القارئ ويمهد له السبيل أمام قراءة مغايرة لأعمالهم إذ يزيل غبار السنوات فيظهر مرة أخرى ألق الحروف مستهدياً بدافع ينطوي على الحب وبقناعة تفيد بأنه لا يمكن للزمن تعكير صفو الإبداع الذي ظهر بالمعاناة والألم والشقاء والإخلاص.

 

إبراهيم حاج عبدي / دمشق - الحياة


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri