"المعلم ومارغريتا"
لفرانك كاستورف في باريس

الصداع الذي سيقتلنا ذات يوم

يروي المخرج الفرنسي انطوان فيتيز في مذكراته انه ذات مرة في سبعينات القرن الماضي شاهد في موسكو، في مسرح "التاجنكا"، عرضاً مسرحياً لفرقة ليوبيموف عن رواية "المعلم ومارغريتا" لميخائيل بولفاكوف المكتوبة في الثلاثينات والتي لم تعرف طريقها الى النشر الا عام 1967 في روسيا. وفي أحد المشاهد يمد الشيطان يده بمخطوط الى المعلم بطل الرواية: هاك مخطوط روايتك. غير ممكن، يقول المعلم، لقد أحرقت مخطوط روايتي. يجيبه الشيطان: المخطوطات لا تحترق. يصف فيتيز كيف وقف الجمهور فجأة في الصالة وشرع يصفق. هو الفعل الجماعي نفسه الذي كانت دولته تقدسه، وباسمه حطمت كاتب الرواية وحاولت إحراق مخطوطه. المسرحية نفسها قدمها المخرج الالماني فرانك كاستروف، مدير مسرح الفولكسبونه (مسرح الشعب) البرليني، على خشبة بيت الثقافة في بوبيني في باريس.

المقهى في أحواله المسرحية.

باريس...

يقول كاستورف إن الروايات تمده بكثافة وتعقيد لا تملكهما المسرحيات الاوروبية المعاصرة. وفي الوقت نفسه يقول إن رواية بولغاكوف شديدة الالتصاق بالسياق التاريخي. عرض يقدم الحكاية المترعة بالخيال عن الشيطان وكاتب رواية المعلّم وموسكو الستالينية والخلاص عبر الحب. نرى روسيا والمانيا والكتلة الشرقية بعد الانهيار وعشر سنين من الليبيرالية والرأسمالية المنتصرة. تلتمع المخيلة الروائية والطبيعة السينمائية المحضة لبلاد اليورو وحلف الناتو. أحرف نيون مضيئة كتلك التي نراها في واجهات المطاعم السريعة: i want to belive (أريد أن أؤمن). في واجهة المطعم المبني على خشبة المسرح، هناك الكثير لكل من يرغب في شيء: سيرضى الجميع بالضرورة، كما تقول اعلانات السكس شوب. في "المعلم ومارغريتا" حكايتان. رواية داخل رواية. المعلم اديب روسي في الثلاثينات، كتب رواية عن بيلاطس البنطي اضطهده بسببها جهاز النقاد الرسمي مما أوصله الى حدود الاضطراب العصبي. حبيبته مارغريتا التي تركت زواجها المريح لأنها تيمت به، تعيش وحيدة بعدما غدا المعلم نزيل مصح عقلي وأحرق مخطوطه. تبدأ الرواية بحضور الشيطان متنكراً الى موسكو حيث ينتحل صفة خبير في السحر الاسود، ويقوم بعمليات تنويم مغناطيسي جماعية لاهل موسكو في المسرح، مدمراً في طريقه نماذج شديدة الطرافة والهزال لاهل الوسط الفني الستاليني المحدودين. ثم يرسل الشيطان أحد مساعديه الى مارغريتا عارضاً عليها ان تكون ملكة حفل سيقيمه على طول ليلة، فتقبل بأن تفعل ذلك وتشرب كأسا من الدم وتدهن جسدها بمرهم مقرف وتلتقي مجرمي القرن السادس عشر كي يساعدوها في استعادة المعلم. هذا ما يقوم به الشيطان في النهاية. وتتقاطع مع فصول هذه الحكاية فصول من رواية المعلم عن لقاء بيلاطس بالمسيح وتجريمه اياه على غير رغبة منه، حتى صلبه الاخير ومسألة قيامه الغامضة. تلعب الحكايتان دور المرآتين المتقابلتين: بين بيلاطس المتألم في تساؤله عن الحقيقة، والمعلم الذي يحاول الهرب في البداية الى ان ينقذه الحب رغماً عنه.

إعادة خلق

عرض كاستورف يعيد خلق هذا العالم المركب بأكثر من طريقة:

بنى مصمم السينوغرافيا بيرت نيومان مقهى ذا واجهة زجاجية من قسمين: على اليسار براد المشروبات الغازية ومقاعد عالية امام بار الواجهة، وعلى اليمين طاولة بلياردو وأريكة، وعلى السطح وفي وسطه شاشة تشكل مع المستطيل الذي يمثله المبنى صليباً عريضاً. هذا الفضاء المباشر المرئي، هو الفضاء المسرحي الاولي، بماديته وابعاده المحدودة. ثم هناك فضاء وسيط، داخل الغرفتين المبنيتين على الخشبة، تصوّر كاميرا فيديو ما يجري داخلهما وتنقله مباشرة الى الشاشة في الاعلى. هذا الفضاء الوسيط هو على التوالي مستشفى الامراض العقلية وشقة في موسكو، يستأجرها الشيطان، وفضاءات اخرى من فضاءات الرواية الحافلة بالاماكن والحركة. الفضاء الثالث هو خلفية المبنى التي لا نراها في طبيعة الحال. يتم تمثيل قصة المسيح. الرواية داخل الرواية هناك. الكاميرا تصوّر هذه الحكاية وتنقلها مباشرة على الشاشة نفسها. هكذا تحدد سينوغرافيا نيومان الشديدة الواقعية تفاصيلها. المقهى هو مقهى حقيقي بكل تفاصيل المقاهي الاوروبية التافهة الخالية من اي شيء جميل: المقاعد نفسها، البرادات الشفافة نفسها التي توزعها شركات مثل كوكاكولا. ثلاثة فضاءات: داخل وخارج وخلف. تماثل تقسيماً سينمائياً للفضاء في اللقطة السينمائية بين ما هو داخل الحقل البصري، ما هو خارجه وما هو خارج الخارج. لكن الطابع المسرحي الاصيل والخالص يكمن في كون هذه المعمارية الفضائية معبّرة عن البناء الدرامي [الرواية داخل الرواية] والمنتجة له: التجاور والاحتكاك بين عالم الحقيقة وعالم الخيال، واختلاطهما في "المعلم ومارغريتا". هذا يؤدي الى تحطيم واقعية الصورة السينمائية المعروضة عبر حضورها المادي المرئي (تصور الكاميرا ما يجري امامنا) او المدرك (تصور الكاميرا ما نعرف انه يجري خلف البابين في عمق المقهى، او خلف المقهى).

الكاميرا التي يعمل عليها مصوّران، مثبتة على عربة (شاريو) تدور على سكة تحيط بالمقهى. وفي أحد المشاهد يأتي المصوّران وتنقل الكاميرا امام الجمهور الحركة بين الفضاءات الثلاثة.

سينما المسرح.

كان كاستورف وفي ثلاثة من عروضه السابقة مع متخصص السينوغرافيا نيومان، يخلق فضاءات عدة، وبخاصة علاقات الداخل والخارج. الا أنه يستخدم في اغلبها تقنية الخشبة الدوارة، حيث تدور الخشبة بأكملها لترينا ما يجري خلف المشهد الذي نراه. يستغني كاستورف عن هذا في "المعلم ومارغريتا" مانحاً الشاشة السينمائية دوراً مركزياً في عرضه ومستخدماً حركة الكاميرا نفسها لكشف تلك الفضاءات الثلاثة في خصوصيتها وتعالقها في آن واحد. هذا الازدواج في وسائط التعبير، يعيدان انتاج تعقيد الرواية وتركيبتها الحاملة لشعريتها عبر اختراقات مباشرة للفضاءات. ففي لحظة معينة نرى بيلاطس، في قصة المسيح المنقولة على الشاشة امامنا، يتجه نحو خلفية مشهدية وهي صورة فوتوغرافية مكبرة لتلة فلسطينية، فيفتح باباً فيها ويدلف عبرها الى غرفة يفتح بابها فاذا به داخل المقهى، حيث يفتح البراد ويأتي بعنقود عنب ويعود عبر البابين نفسيهما الى عالمه الخيالي في الخلف.

يفلح اذاً كاستورف ونيومان في تقديم بناء مسرحي معبّر عن حكايتي بولغاكوف المتداخلتين والمتجاورتين في آن واحد. الحكاية التخيلية: الرواية داخل الرواية عن المسيح وبيلاطس نراها مادة تعبيرية لا مسرحية. نراها على شاشة. فيما حكاية "المعلم ومارغريتا" والشيطان في موسكو الستالينية، نراها مسرحياً. في فضاء داخل وخارج. يكون استخدام الوسيط السينمائي فيهما استخداماً مسرحياً، بمعنى انه ينقل اداء في فضاء مغلق لكنه يستقبل كامتداد للفضاء المسرحي المباشر والمرئي امامنا. الى ذلك يعبّر كاستورف عن علاقة المرآة امام المرآة في حكايتي الرواية: المعلم يكتب مأساة بيلاطس الذي لا يجد الخلاص والذي يعاني رفض الحقيقة حين ترفض المؤسسة الادبية البيروقراطية كتابه. يحمل كاستورف الممثلين على تأدية ادوار مزدوجة: مارتن فوتكه هو المعلم وهو بيلاطس في الوقت نفسه. إيفان بيزدومني، الشاعر الشاب الذي يكشف له المعلّم معنى الحقيقة، يؤدي دور متى في حكاية المسيح.

لحم الممثل

هذه هي الخطوط العريضة للحل الاخراجي، ثم تأتي التفاصيل الثرية التي تترع هذا البناء المركب بكثافة وطاقة انسانية تعبق بها الصالة الضخمة عبر خمسة عروض لكاستورف تتكرر فيها مشاهد تشي بمحبة مبدعها لتفاصيل انسانية عابرة وخاصة. في كل عرض هناك مشهد مضحك لثلاثة او اربعة او خمسة رجال ونساء يحاولون ان يستلقوا جنباً الى جنب على سرير مفرد: كيف يسقطون. كيف يضم بعضهم بعضاً ضاحكين، كيف يعود الناضجون اطفالاً. يمنح كاستورف ممثليه الفرصة ليعيشوا لحظات حميمية مثل هذه: داخل الغرف يراه الجمهور على شاشة. هو داخل حميمي وسينمائي: الممثلون يحيونه على خشبة مسرح، بخصوصية من تلتقطه كاميرا لا يعرفها. يفلح كاستورف في خلق خصوصية اللقطة القريبة السينمائية في اداء المسرح وفي فضائه. وتكون شاعريته وقوته في قمتها عندما يتوصل في احدى ذرى عرضه الى خلق التجاور بين السينمائية الحميمية والحضور الجسدي المباشر لممثليه في الفضاء المادي نفسه الذي يجمعهم بمتفرجيهم.

مارتن فوتكه، الممثل البرليني الشهير، يؤدي دور بيلاطس في تركيب ساخر وخاص. يرتدي ثيابه الرومانية ويضع نظارتين سوداوين. متعب حتى النخاع بسبب محدودية عالمه، يحدق في المسيح مثل كارثة: ما الذي أتى بي الى هنا؟ ما هذا المكان الذي لا أطيقه. لماذا تصر على قول الحقيقة. لماذا؟ ألا تعلم أنها لا تجدي؟ هذا كله يبثه فوتكه في تململه المضحك امام المسيح، كما نراه على الشاشة. وعندما يتمدد عارياً في حوض الاستحمام الذي أعده له جنوده الرومان وجواريه الخلاسيات، يطلب من الناصري ان يغطس معه، ويصرخ فجأة ناثراً الماء مثل طفل ملول: لا يمكنك ان تقول الحقيقة. الحقيقة بالنسبة الى المسيح "ان كل سلطة عنف ضد البشر وان زمناً سيأتي لا تكون فيه سلطة ولا عنف". التبرم الذي يشع من بيلاطس - فوتكه يلمس كل نماذج الكوميديا السوداء الحديثة. من وجه باستر كيتون الصامت الذي تتساقط الاشياء حوله، الى انتفاضات فلاديمير "في انتظار غودو" ضد معاملة الانسان بلا انسانية، الى شراسة جاك نيكلسون في هلوساته في فيلم "شايننغ" لستانلي كيوبريك. حاكم اليهودية الخامس، الروماني الذي يدعوه الناصري الجميل بالرجل الطيب، يريد ان يختفي كل ما حوله. يسأل المسيح: ما هي الحقيقة؟ "خبل كل شيء. الحقيقة هي انك تعاني من وجع رأس الى حد انك تفكر بشكل جبان في الموت".

فوتكه يبني بيلاطس انطلاقاً من هنا: شخص ممزق بين عنف مجتمع يهودي وروماني مقيت، وعنف الحقيقة التي يقولها الناصري، وعنف عدم إدراك هذا الاخير للعنف الاول: سوف يحطمونك. فيزداد تقطيباً وعصبية حتى الضحك. قبالته يكون المعلم مطفأ بطريقة اخرى. نراه على الشاشة في غرفة في المصح العقلي يتأمل بذهول الشاعر الشاب إيفان الذي جن لما رأى افعال الشيطان في موسكو: ماذا تفعل في الحياة؟ أنا شاعر. يخ، يقول المعلم لإيفان. هل قرأت قصائدي لتقرف هكذا؟ - كما لو كنت لم أقرأ غيرها. وهل هي جيدة قصائدك؟ لا. - اذاً، لا تكتب بعد الآن. هذا الحوار المضحك بين الرجل الذي أحرق مخطوط روايته، والشاعر الذي يصحح الحزب قصائده، يحمل مرارة عالم بولغاكوف وسخريته، ويحمل في الوقت نفسه ايمانه الغريب بالشعر. الحميمية التي تتولد بين ضحية الستالينية والشاعر الشاب الذي يخوض التجربة بعده، بين المسيح ومتى، هي المعبر الى مارغريتا، المرأة المخلصة. يقدم كاستورف مشهداً يلخص عالم هذا العمل الفني بين الشاعرين في المصح العقلي، وممرضة خلاسية في نهاية الفصل الاول . الممرضة تقود المريضين الى دوش وتبدأ بغسلهما بالطين. يصرخان مثل طفلين ويطلبان منها ان تتعرى فيقدم الثلاثة مشهداً على السرير المفرد، فيه كل الجنس والطفولة والاحساس بالقذارة والنظافة معاً. يستحمون معاً تحت الدوش، ثم يستلقون على السرير المفرد. يسقط إيفان الذي لا مكان له. يفلتان راكضين عبر الباب الذي ينفتح على المقهى امامنا. يتابعان الركض ويصطدمان بواجهة المقهى الزجاجية. يرتسم الطين في خطوط منداحة الى الاسفل: هذا الخروج العنيف والمفاجىء يقدم انتقالاً شديد السرعة بين الشاشة السينمائية والمشهد المسرحي. حتى ان اصطدامهما بالواجهة الزجاجية يماثل اصطدامهما بالشاشة كما لو كانا يحاولان الافلات من البعدين الى بعد ثالث. يعودان الى براد المشروبات الغازية الزجاجي حيث يخرجان بعض الطعام. تلحق الممرضة الخلاسية العارية بهما، يلتهمون ما يعثرون عليه في الاضاءة الباردة لمصباح البراد الكهربائي. تظهر الكاميرا على العربة فوق السكة من جهة اليسار، تصورهما عبر جدار البناء الزجاجي. نرى اللقطة القريبة واللقطة الكاملة في اللحظة نفسها. لدقائق عديدة يرتسم الحميمي والعام معاً. تصاب الممرضة بألم في المعدة يجعلها تفقد الوعي.

يقترب الشاعر من الواجهة. يجلسان على الكونتوار. يشعلان سيجارة حشيشة ويدخنان، فيما تتابع الكاميرا دورانها مصورة اياهما في لقطة متوسطة. على يمينهما اللافتة الكهربائية I want to belive (أريد أن أؤمن)، في الاسفل خطوط الطين التي ترسم وجهيهما اذ اصطدما، وعلى الارض جسد المرأة العارية ونثار ما أسقطا في حركتهما الهوجاء. يروي فوتكه - المعلم كيف احب مارغريتا. كيف قال لها ذات يوم: أنتِ تحملين زهوراً صفراء تحبينها. - لا. حملتها من أجلك. وكيف تركت كل شيء من اجله، كيف أذله النقاد ومنعوا نشر روايته حتى أحرقها. تعبق رائحة الحشيشة في الصالة مع اداء فوتكه المتوتر والخاص مثل ميكي روكي في "ذبابة الحانة" او مونولوغات مارلون براندو الطويلة في "التانغو الاخير في باريس". لكن النماذج المذهلة للاداء الداخلي والصدق الطبيعي المتفرد تغدو اكثر عمقاً وانسانية في تركيبة المشهد التي تقول وجع الشاعر وحبه للمرأة المختفية سينمائياً ومسرحياً. يغدو الاداء الداخلي اداء تبعيدياً وملحمياً، ويفقد التمييز بين بريخت وتينسي ويليامز معاً، لأن صوت الحب وكثافة الحقيقة يذوبان معاً، وتعبق الجرأة والصفاقة مثل دخان المخدرات الخفيفة اذ لم يعد هناك معنى لاخفاء اي شيء. في فوضى الوحدة والمشهد الاستهلاكي لم يبق للخجل مكان. معبد تدمير الذات الابداعي الذي بنته مرسيدس بينز ودوتش بانك وبيل غيتس وجورج دبليو بوش، يجبر الشعراء الروس ومن يحبهم على التضحية بقطعة من الدماغ لكسب وجه الحب ولو للحظة. في شاشة، على خشبة ووسط مسرح فرنسي، يعيد الممثل الالماني كلمات الشاعر الروسي الذي كتب قبل سبعين سنة رواية لينتقم ممن سيقتلونه لاحقاً، واضعاً يده في يد الشيطان.

من الطين الى الماء البارد، مع يد المرأة الخلاسية ونهديها اللدنين، الى برودة فراش المشفى ولون الغرف العقيم، الى نور يأتي من براد الكوكاكولا، الى جدار تتكسر الجمجمة عليه، ومجة الحشيشة وذكرى امرأة تحمل وروداً صفراء. هذه العناصر مجتمعة على خشبة في عمق تسعة امتار، ربما مصنوعة من الخشب المعاكس والزجاج والبلاستيك، يصوغ كاستورف قصيدة يحملها فوتكه الممثل على كتفيه وصدره القاسي. يغدو الوجه الذي شابه وجه هتلر بلسان دموي، بصلعه الخفيف وعظامه الناتئة، وجهاً ساحراً فيه كل فتنة رجل يحب. نتذكر كتاباً عن عمل بيرت نيومان حمل عنوان "تقليد الحياة". لعل السر يكمن هنا: المسرح تقليد للحياة.

قدما مرغريتا

ينهي كاستورف الفصل الاول بهذا الاختراق لكل فضاءاته وبمونولوغ المعلم عن يأسه المطلق، قبل ان يظهر الشيطان في الشاشة ليقول إن الاشياء لم تنته كما يتصور المعلم، في غرفة مبنية على سطح المبنى الى يمين الشاشة. تدور مارغريتا مع اغنية بوب من السبعينات عن الحب. مارغريتا في الفصل الثاني هي امرأة طفلة تصرخ امام مجسمات ناطحات السحاب المبنية خلف المقهى. مثل قط او طفل، لا يبكي بل يعترض. خبيرة ثياب داخلية وطفلة بباروكة شقراء تحب المعلم. لا يحرم كاستورف نفسه من اي فانتاسم. البطلة القريبة في اي لحظة من الابتذال تجعل كل التفاصيل تفاصيل امرأة تحب بلا حدود. بعد ان تخوض مارغريتا الليلة المرعبة مع الشيطان واعوانه، تصعد الى الغرفة وتلاقي المعلم. نراهما عبر نافذة، ونراهما في الشاشة العريضة في الوقت نفسه، مستندين الى جدار الغرفة، الى يمينهما مدفأة تتقد فيها النار. يروي المعلم المنهك زيارة الشيطان له وكيف اعاد اليه مخطوطه. قلت له: لقد أحرقت مخطوطي. قال لي: المخطوطات لا تحترق. يروي المعلم اذاً لحظة الذروة التي تحدث عنها فيتيز. جملة بولغاكوف الخالدة يحكيها ولا نراها. نرى مارغريتا غير آبهة بهذيان المعلم الطفلي والمريض في آن واحد. تخلع جزمتها ذات الساق العالية، ثم جوربيها القصيرين الطفليين. تمد ساقيها وتدفع بقدميها في المدفئة، فيما المعلم يقول: "المخطوطات لا تحترق". ثم ينتبه الى ما تصنع، فيصرخ: ماذا تفعلين؟ تخرج مارغريتا قدميها سالمتين. قدما مارغريتا لا تحترقان.

كاستورف يعيش الآن برلين نهاية الايديولوجيات والوحدة الاوروبية: فعل مارغريتا هذا يلخص حلاً بسيطاً ومذهلاً، المخطوط غير المرأة، نقطة الاهتمام، هدف الحياة، العلامة على استمرارها، الشيء الذي نهواه، نصنعه ونضيع في صنعه، جملة مثل "نحن محكومون بالأمل" او "اتحاد تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة" مثل "المخطوطات لا تحترق"، نفهمها عقلاً اذ ننحني لنقبّل قدمي امرأة في غرفة معزولة على سطح مقهى بارد في سوق مبتذلة. ممارسة الحب تشبه المسرح. حدث زائل، هو ذاته كل مرة لكن ولا مرة تشبه الاخرى. لعل انجاز كاستورف المركّب يحيا بهذه الطريقة. بقلق مركّب: مسرح حي، مسرح شكلاني، مسرح أدبي، وصور عن صعوبة الحب وفرادته وسط الفوضى المصطنعة. يزيّن بيرت نيومان الواجهة الزجاجية للمقهى. السينوغرافيا الشديدة الواقعية شيّدها بملصق لطائر صغير، كما لو ان ثقلاً شديداً قد هرسه على الواجهة. تجلس امامه مارغريتا ورسول الشيطان. يجلس امامه المعلم والشاعر الشاب اذ يخبره عنها. يجلس امامه الشيطان متحدثاً الى صاحب المقهى عن موته القريب فيقرر الاخير ان يستمتع بالحياة. بين هذا الطائر الاسود وجملة النيون الباردة "أريد او أؤمن"، بين هذين التفصيلين الاسلوبيين المسرحيين وشريط من احد الافلام السوفياتية عن ستالين "أبي الشعوب" الذي يلقي خطاباً في الساحة الحمراء تحت الثلج، يرسم كاستورف تاريخه الشخصي وزحام عالمه المسرحي. ستالين هو بيلاطس بمعنى ما: ديكتاتور وضحية امام حقيقة المبدع والمسيح: لكن الرابط بينهما مختلف عن ذاك الذي يجمع الناصري بقدس اليهودية الكريهة التي تفضل لصاً عليه. حاكم اليهودية الخامس كما تسميه الرواية، يجعل من موسكو بعد عشر سنين من الانهيار او من برلين في الفترة نفسها، معادلاً لذاك المجتمع الذي يصلب المعلم ويضع الحاكم امام صداعه الرهيب.

كاستورف امتداد لتاريخ من فن الاخراج المسرحي الالماني الصانع لشعرية "الآليات" المسرحية. تاريخ يبدأ مع ماكس رينهارت وبسكاتور وبريخت ويمتد حتى ماتياس لانغوف. عمله الآن في ذروة نضجه: توظيف الآلية في البناء الدرامي توظيفاً اصيلاً، وعمل فريق متسق في شروط انتاج مناسبة. انه العمل الاخراجي ضمن تناقضات المؤسسة المسرحية في دول اوروبا الغربية الغنية. المانيا وفرنسا تحديداً. يبدو عمل كاستورف النموذج الانضج لاستيعاب التناقضات، و"الانتاج العلمي للفضيحة"، كما حدد بريخت مرة مشروعه عند نهاية حياته. فتمويل حكومات الليبيرالية الجديدة بأقنعتها الانسانوية للثقافة، لا يخنق جذوة الرفض والحسية لدى هذه المجموعة من المبدعين. لعل صورة قدمي مارغريتا اللتين لا تحترقان رغم كل شيء، هي جملة في هذا الاتجاه. فمسألة "الرأسمالية والاكتئاب" التي نظم كاستورف ندوة حولها في مسرحه، تجد احياناً حلاً لحظياً حاراً، مالح الطعم ورطباً في قدمي امرأة دقيقتين، يتلاشى امامها كل شيء: القدس في ورق جدران مبتذل، جيوش الامبراطورية الرومانية، مسامير الصلب وذاك الصداع الذي نقول إنه سيقتلنا ذات يوم.

 

أسامة غنم - ملحق النهار - الاحد 21 أيلول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri