هذا
العدد الخاص ليس وليد الصدفة أو الضجر. إنه مقصود في ذاته بما
ينطوي عليه من تحدٍّ للذات وبما ينبىء به من آفاق غامضة، ربما
تتخطى حدود الكلمات ووسائل التعبير التاريخية المعروفة. وهو يولد
من رحم السؤال العاديّ والبسيط: بأيّ "شيء" ثقافيّ نسدل الستار
على السنة الثالثة من عمر الألفية الثالثة، وبأيّ "هدية" نستقبل
الرابعة؟ لقد كان علينا حيال هذا السؤال إما أن نغضّ الطرْف وإما
أن نقترح "جديداً" فعلياً يعطينا أن نواصل "شرعية" حلمية، نقدية
وتأويلية، تعجم عودنا باستمرار وتمتحننا باستمرار. لقد كان علينا
أن نختار "امتحان" البحث وأن نحاول النظر الى ما آلت إليه أحوال
الحداثة وما بعدها، وما بعد بعدها، جاهدين في استقراء الوجوه الخلفية
لمرايا العقل الباطن وأقنعتها وتجلياتها المحتملة.
هكذا
ارتأينا أن نعيد المسألة الثقافية والأدبية والفنية، مرةً إضافيةً،
الى نصابها الأساسي. لكنْ من منطلقات ومواضع لا غنىً عنها: أي
أن نكون في قلب العالم لا في خارجه، فنشارك في "معرفة" ما يجري
أو ما "يدبَّر" في أرض الينابيع الخفية التي تروي بساتين الخلق،
وأن نشهد "لـ" أو "على" ما يحدث فعلاً وحقيقةً، وما يمكن أن يخرج
الى حيّز التعبير.
هل
كان علينا أن "نتهرّب" من مواجهة هذا النصاب بزعمنا المتواضع أننا
"خارج" ما يجري في كوكب العولمة، وأن لا ضرورة لـ"تشغيل" العقل
ومناطق الهجس والافتراض والخيال والحلم في "استجماع" العناصر والشظايا
التي تتشكل منها فسيفساء الخلق في الحياة المعاصرة الملأى بالعجائب
والغرائب والسريعة التحوّل والتغيّر (و... الانقلاب) والكثيرة
التعقيد؟ هل كان علينا أن ندير الظهر لهذه الحياة نفسها ــ ولاختبارات
الحياة الإبداعية خصوصاً ــ قائلين: دعوا الأحياء يلدوا الأحياء
أما نحن فسندفن موتانا؟
لقد
اخترنا أن نكون في الدائرة التي تستكشف وتنبش وتقارن وتستنتج،
من أجل "تحديد" "الساحات" والفضاءات والمواضع والمعارف و"الكلمات"
التي تؤول إليها اختبارات الحداثة وما بعدها. أو من أجل "تحديد"
عناصر "الانقلاب" عليها. لقد اخترنا ما اخترناه لأننا نريد أن
نكون "داخل" العالم - وإن في الهامش الخلاّق فحسب - لا "خارجه".
إرادة المعرفة وتواضعها والتوق الى المزيد منها، هي التي تحملنا
على فتح هذا الباب الثقافي الدقيق جداً وتشريعه على الجهات الأوسع،
وهي التي تحمل بعض الأعلام الكبار في "عائلة" هذا المنبر، الكثيرين
جداً جداً في "العالم المعولم"، على المشاركة في هذا العدد الخاص
الذي يريد أن "يعرف".
هذا
العدد يريد أن "يعرف" هل تعيش الآداب والفنون جميعها، من الشعر
والرواية والمسرح الى اللوحة والمنحوتة وأعمال التجهيز فالى الموسيقى
والسينما والى العمارة،... صرعات وموضاً عابرة وزائلة وسريعة العطب،
أم تعيش حقبةً جديدة من تحوّلات حداثتها وما بعد الحداثة، أم هي
تنصت الى الإيقاعات الأولى الناجمة عن قرع طبول الإنقلاب عليها؟
هذا
العدد يريد أن "يعرف" هل اللغات عموماً ــ لغات الخلق كلها وأرواحها
وأساليب تعبيرها وتقنياتها ــ هي في مراحل الشيخوخة والاحتضار
والفناء أو... التقمص، أم هي ــ يا ترى ــ تغرق يوماً يوماً في
رمال التيه ودوّامات الاختبار، أم هي في حالات التخلّق والتكوّن
الجنينية باحثةً عن حيوات جديدة ورؤىً وتعابير ولغاتٍ مختلفة؟
هل العقل الخلاّق يعيد النظر في طبيعته، أو هل هو يحبل بنفسه من
جديد، أو هل هو ينقلب على ذاته، مطيحاً، مخرِّباً، مدمِّراً، ومبتكراً
عوالم بكراً ومناهج جديدة في التأمل والتفلسف والتفكير والتعبير؟
أهي
الحداثة من جديد، لكنْ منقلبةً على نفسها بفعل "العقل" العولماتيّ
الذي يؤسس لحقبة جديدة من الحياة تغاير الأولى وتوازيها، وربما
تنقلب عليها؟ هل نحن في ليلة الطوفان، أم عشيتها، أم في الفجر
الذي يعد بالتكوين؟
الى
أين تذهب بنا الآداب والفنون في هذا العالم؟
هذه
الأسئلة الشائكة والكبيرة، يحاول عددنا الخاص هذا أن يلامسها،
من خلال جولة معرفية، ميدانية ونظرية، في مناطق الخلق، في العالم
وهنا، محاولاً لا إدّعاء تقديم الإجابات العمياء أو الحاسمة، سلباً
وإيجاباً، رفضاً وتأييداً، وإنما الغوص على "الداخل المعرفي" من
أجل أن نكون داخل الحياة لا خارجها.
ينبغي
لنا الآن ونحن نقترح هذه الجولة المعرفية في داخل اللحظات الراهنة
التي يحياها ويختبرها عالم الثقافة والآداب والفنون، أن نعود نصيخ
الروح، جيداً وعميقاً، الى جملة بول كلوديل الشهيرة التي يتحدث
فيها عن الأشياء الخالدة ــ الأبدية. فكيف يمكن، والقول لكلوديل،
ألاّ أكون شاهدها، وشاهداً لها، ودائماً، والى الأبد؟
نحن
نحاول في هذا العدد أن نبحث عن بعض "الأشياء" في الآداب والفنون.
عن بعض "الأشياء" التي تحمل نسماتٍ من الخلود والأبدية. لأننا
نؤمن، مثلما كان يؤمن صديقنا اللعين الأول شارل بودلير، أن الحداثة
هي العابر الزائل، لكنْ ممزوجاً بالأبدي والخالد. لا فنّ، لا أدب،
ولا حداثة، بدون هذا الأبدي والخالد. والقول لشارل بودلير نفسه.
وإذ
نحاول ما نحاوله، نتذكر قول بول سيزان عندما كان الكثر من الذواقة
والنقاد والفنانين والأدباء يعتبرون الانطباعية نوعاً من النفايات
الفنية، إذ قال إن العبقرية هي أن تصنع من الانطباعية فناً راسخاً
وقوياً يشبه الفنون التي توضع في المتاحف.
في
هذا العدد تكتب زميلتنا جمانة حداد في حال الأدب اليوم، الشعر
خصوصاً، وتحصد بثقافتها "المعولمة" واجتهادها، الى مقالها الدقيق
والموثّق، شهادات ومقالات غير مسبوقة وغير منشورة، بل كُتبت خصيصاً
لـ"الملحق"، وهي لكلٍّ من المفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو،
والروائي الأميركي بول أوستر، صاحب "ثلاثية نيويورك"، والشاعر
الفرنسي جان باتيست بارا، رئيس التحرير المساعد في مجلة "أوروب"
الأدبية الفرنسية، والشاعر والرسام والناقد الإيطالي نانّي بالستريني،
والناقد الأدبي الفرنسي ومؤسس برلمان الكتّاب الأوروبيين كريستيان
سالمون والمخرج والكاتب المسرحي الفرنسي إوليفييه بي (الأخيران
يوقّعان مقالاً مشتركاً)، والناشر والناقد الأسباني خافيير رويث
بورتيّا. ويشارك في هذا العدد أيضاً المهندس المعمار الأميركي
مايكل ستانتون، الأستاذ الحالي وعميد كلية الهندسة سابقاً في الجامعة
الأميركية في بيروت. والروائي والناقد المغربي محمد برادة، والمسرحي
نبيل الأظن، والسينمائي محمد سويد،، والموسيقيّ زاد ملتقى، والفنان
والباحث التشكيلي السوري أسعد عرابي، والزميلان غسان الحلبي ومحمد
شرف.
...
إنه عدد خاص وجديد عن أسئلة ثقافية وأدبية وفنية ستظلّ تقضّ مضاجع
أهل الخلق والفكر الى زمن بعيد. وهي تقضّنا نحن اللبنانيين والعرب،
لأننا مقيمون من الأساس في جحيم الحداثة وجحيم ما بعدها، وأيضاً
تحت نيران الأسئلة الخلاّقة والنقدية الممضة، وإن كنا لم نجمع
حتى الآن إلاّ القليل من قمح "الحداثة الجديدة"، وبعض الكثير من
زؤانها.
ملحق
النهار - 28 كانون الاول 2003