"أوريليا"

لنرفال
الى العربية
يرار
نرفال أحد كبار رواد الحداثة في الشعر الفرنسي، وأحد الذين مهّدوا
للسوريالية، عبر تفجير المخيلة، واللاوعي،
واستبطان
الداخل، وعبر محو الحدود بين الواقع وما فوق الواقع أو دونه، وبين
الحلم والمعيش، والجنون والحكمة، وزواج بين النصوص الشعرية والإيقاعات
والنثر في متن مفتون مهم أيضاً لما سمي النص خارج التصنيف. شاعر
كتب بالموزون وأجاد، وكتب الرواية ذات المناخ الشعري و العمق الدراسي
لتكون هذه السردية الراوية امتداداً لقصيدته.
احدى روائع نرفال "أوريليا" التي حفرت عميقاً في الكتابة الروائية
الحديثة، ترجمت إلى العربية (عن دار الفارابي، بيروت)، وتولت ترجمتها
ماري طوق وراجعها انطوان مالك طوق.
نقتطف من الكتاب فصلاً من فصوله.
إندياح الحلم
وهنا بدأت بالنسبة لي مرحلة اندياح الحلم على الحياة الواقعية.
وبدءاً من هذه اللحظة أخذ كل شيء يكتسب أحياناً طابعاً مزدوجاً؛
وهذا من دون أن يعوز التفكير شيء من المنطق أو تفقد الذاكرة أدق
التفاصيل لما يحدث لي. كل ما في الأمر أن أفعالي الخرقاء في الظاهر
كانت خاضعة لما نسميه وهماً وفق العقل البشري.
وثمة فكرة عاودتني مراراً في الأوقات العصيبة من حياتي ومفادها
أن أحد الأرواح المقيمة في العالم الخارجي يتجسد فجأة في شكل إنسان
عادي محاولاً التأثير علينا من دون أن يكون مدركاً لذلك أو قادراً
على تذكره.
وإذ رأى صديقي جهوده عقيمة، تركني في سبيلي معتقداً من دون شك
بأنني كنت تحت سطوة إحدى الأفكار التي يمكن للمسير تهدئتها. وعندما
ألفيتني وحدي، نهضت بصعوبة وتابعت طريقي مهتدياً بالنجمة من دون
أن أكفّ عن التحديق فيها.
ورحت أغني أثناء الطريق نشيداً غامضاً خيّل إليّ أني سمعته في
حياة سابقة، وكان يملؤني غبطة غامرة. في هذا الوقت، أخذت أتجرد
من ملابسي الأرضية وأبعثرها حولي. بدت لي الطريق وكأنها ترتفع
بلا انقطاع والنجمة تكبر وتكبر. ثم أبقيت ذراعي ممدودتين منتظراً
اللحظة التي ستنفصل فيها الروح عن الجسد منجذبة بشكل مغناطيسي
إلى دائرة النجمة. وعندئذ ارتعشت. كان تحسّري على الأرض وأساي
على هؤلاء الذين أحبهم فيها يفطر قلبي. وفي داخلي، رجوت الروح
الذي يجذبني نحوه، توسلته بشدة بحيث بدا لي أنني، لا محالة، عائد
إلى عالم البشر من جديد. وطوّقتني هالة ليل ـ كنت أحس أنني صرت
عملاقاً وأنني مغمور بالقوى الكهربائية وسأُوقع أرضاً كل ما يجاورني.
كان هناك شيء مضحك في اهتمامي بمراعاة قوى الجنود الذين أمسكوا
بي وحيواتهم.
لو لم أكن أعتقد بأن رسالة الكاتب تقوم على إجراء تحليل واف ودقيق
لما يعانيه في أحلك ظروف حياته، ولو لم أرسم لنفسي هدفاً أعتبره
مهماً بالنسبة لي، لتوقفت هنا ولما حاولت أن أصف معاناتي اللاحقة
من خلال سلسلة من الرؤى الجنونية ربما أو المرضية كما يُقال عنها
عادة.
كنت ممداً فوق سرير ميدان وخُيّل إليّ أن السماء تنفتح متجلية
عن ألف مشهد رائع أخّاذ. وبدا لي أن مصير الروح المنعتقة يتضح
أمامي كي يجعلني أندم على رغبتي الجارفة في العودة الى الأرض التي
كانت على أهبة مغادرتها... وارتسمت أمامي في اللانهاية دوائر شاسعة
أشبه بالحلقات التي تنشأ عن سقوط جسم فوق صفحة الماء. واحتشدت
في كل هالة صور بهية ساطعة تتلوّن وتتحرك لتختفي تباعاً، فيما
يظهر إله، الإله نفسه على الدوام، ويرمي مبتسماً الأقنعة الخفية
لظهوراته المختلفة، ثم ينأى أخيراً متوارياً في سماوات آسيا الزاهية.
هذه الرؤية السماوية التي أمكن للكثير مشاهدتها في بعض الأحلام،
لم تكن لتجعلني غريباً عما يدور حولي. ممداً فوق سرير الميدان،
كنت أسمع الجنود يتحدثون عن مجهول أوقف مثلي، وكان صوته يدوي في
القاعة نفسها. وتراءى لي أن هذا الصوت يرن بفعل تموّج غريب داخل
صدري، وأن نفسي تنقسم مشطورة بوضوح بين الرؤية والواقع. لوهلة،
خطر لي أن أقوم بالتفاته نحو ذلك الذي كان موضوع الحديث. ثم ارتعشت
لتذكري عادة معروفة جداً في ألمانيا تقول بأن لكل إنسان قرينه،
وبأنه حالما يرى هذا القرين، يكون أجله قد دنا. أغمضت عيني ودخلت
حالة من البلبلة تتكسر فيها الصور الوهمية أو الحقيقية المحيطة
بي إلى آلاف الأشكال الخاطفة. لوهلة رأيت قربي اثنين من أصدقائي
جاءا للبحث عني فأشار الجنود ناحيتي. ثم فُتح الباب وخرج أحدهم
مع صديقيّ اللذين حاولت عبثاً تذكرهما. لم أرَ وجه من خرج ولكن
قامته في مثل قامتي. فصرخت: "ولكن هناك خطأ! أنا من جاءوا للبحث
عنه وتخرجون واحداً آخر بدلاً مني!"، وأحدثت ضجة كبيرة مما دفع
الجنود إلى احتباسي في زنزانة.
مكثت ساعات هناك في حالة ذهول وأخيراً جاء الصديقان اللذان ظننت
أني رأيتهما سابقاً ونقلاني في عربة، فرويت لهما كل ما جرى لي
ولكنهما أنكرا مجيئهما أثناء الليل. تناولت العشاء معهما بهدوء.
ولكن، كلما كان الليل يقترب، كنت أخشى أكثر دنوّ الساعة التي أوشكت
البارحة أن تكون حاسمة بالنسبة إليّ. فطلبتُ من أحدهما إعطائي
خاتماً شرقياً يضعه في إصبعه. عاينت الخاتم وكأنه طلسم قديم. ثم
أخذت منديلاً علقت إليه الخاتم وعقدته حول عنقي حريصاً على أن
أدير الفص الفيروزي نحو موقع الألم في عنقي. كان هذا الموقع بنظري
النقطة التي تخرج منها الروح عند التقاء شعاع منطلق من النجمة
التي رأيتها أمس بالسَمْت. وإذ بي في الساعة نفسها أسقط مصعوقاً
ربما مصادفة أو بفعل إنهاكي الشديد. لوقت طويل، فقدت الإحساس والرابط
بين الصور المترائية لي.
بقيت على هذه الحال أيام عدة نُقلت بعدها إلى أحد المصحات. وجاء
لزيارتي الكثير من الأصدقاء والأقارب من دون أن أتمكن من التعرف
إليهم. كان الفارق الوحيد عندي بين اليقظة والنوم هو أنه في حالة
اليقظة كان مطلق شيء يتحول أمام عيني فيبدو كل شخص يقربني متغيراً
والأشياء المادية محاطة بغبش يبدّل ملامحها. وكان تمازج الأنوار
وتراكب الألوان ينقسمان ويتداخلان، ممّا يجعلني مستغرقاً في انطباعات
متعاقبة متشابكة لا يلبث الحلم المنعتق من العناصر الخارجية أن
يتابع احتمالاتها.
المستقبل
- 2003