حيث
لا ننتبه

مكايدات
لعزله ماهرة
إليك
صادق.. تمضي فائراً في الحكايات والبرد والذاكرة..
ها
(علي)..
افتح
هاهنا نافذة في هذا البياض لولهك بالحكايات التي ربيتها طويلاً
في دماغك وفي جيوب الوقت المسروق،واثقب هذه الحرارة التي تحيط
بروحك بقهقهات تُطلقها بلا تروي في أمكنة لا تصلح حتى للتذمر..
ها(علي)..
كيف
لك أن تفض بكارة هذا الصمت الباهت وتفضي بالمكائد إلى كلمات
مجروحة بالعشق.. كيف لك أن تفتعل الشجارات مع البعوض والهوام
والليل الذي لاينام إذا لم يكن قلبك مفتوحاً على الهذيان والولع
العاري ومليئاً بأشواق طازجة ومعروقة ومصابة باللهاث..
هذه
الأمكنة لاتسع يا(علي).. هذه الرمال لا تكفي لتطلقك باتجاه جنون
تحتاجه أو لتمرغك بالاكتشافات التي تركض نحوها ملهوفاً وفاتحاً
عينيك وفاغراً فاهك. لاشيء يكفيك أيها الفتى الأسمر النحيل ذو
الصوت المكهرب وذو الأسمال التي خاطتها نساء القرية وهن يتبادلن
الغمزات الضاحكة وحكايات عشقك الفائرة مع الجنيات ومراودتك للنساء
العابرات في مواسم الحصاد والأسواق الأسبوعية..
أنت
ذلك الوحيد يا(علي)كقبلة أخيرة بين عاشقين، من تمضي سريعاً في
نميمة توقد ليلاً للسمر والتسلية..ترقص متشفياً بالأساطير الهزيلة
التي لا يصدقها سوى رجال قلوبهم تشبه مقابر السفن وغابات الشوك.لاشيء
يسعك حتماً يا(علي)،ورغم ذلك مازالت عيناك تلمعان وقلبك تلسعه
دهشة حارة -كفرح طفل بالسكر-كلما أوقدت امرأة تنورها بالخشب
والخوف ورسائل الحب السري..تحب الأغاني الموبوءة بالشجن حين
تُطلقها شفاه (راعية) شابه تهش أغنامها بالعصي وقلبها بالحنين.ليس
سواك يا(علي)..أنت لوحدك،من تحتفظ بأحجار النبؤة نظيفة ولامعة
في قلبك الصغير والمتعب..وفي عينيك تتقافز لهفة فتيه كماعز صغير.وحدك
من يخبئ أولياء الفقراء في جروح روحك الطرية أسرار السهر وماء
الانبهار الساخن بالآلهة الكثيرين..يزرعون مساحة للبهجة والشغف
تنبت الأشواق فيها كما ينبت العشق المجروح في قلوب نساء الصيادين..
?
? ?
كان
نهاراً حافلاً جداً..
ورغم
تزاحم الكثير من الأعمال إلا أنني اختلست وقتاً كافياً لاصطياد
الكثير من الحكايات والأشواق التي يدسها (علي المبهوت) في علبة
صدري وفي الفضاء الفارغ.كنت واقفاً يومها أتابع اللمسات الأخيرة
لنصب أحد الأعمدة الخشبية الخاصة بمشروع كهرباء هذا الريف الخالي
إلا من (عشش) القش والكثير من البعوض والرمل والريح الساخنة.قدم
(علي) نحوي راكضاً يصرخ ويلوح بيديه من بعيد،عيناه متقدتان دوماً
بحكاية جديده أو أخبار طرية يحرص على أن لاتفقد اشتعالها:
*أجا
صاحب التغذية يا أستاذ..
*شكراً
(علي)..تعال واجلس هنا..
استند
بجسده الهزيل والمتعرق بشده على جدار قريب،الظل المائل عليه
لا يستطيع حجب لهفته،أشياء كثيرة قائضة في صدره..ولاشيء ينتعله.تحمله
دوماً رغبة حارة بمسابقة غيمه تمر سريعاً من فوقه.يحكي لي كثيراً
عن رغبته بتثبيت ظلها على الأرض وعن رغبته بإقامة احتفالات رقص
لنساء لا يعرفهن أبدا..احتفالات لا يوجد فيها رجلاً واحد سواه.هو
وحده سيكون سيد الأغنيات التي تتصاعد من الأرض ومن نسوغ الشجر
ومن الشقوق الصغيرة في جسد البهجة لتلتصق بأجساد النساء المتعرقات
والمصابات بشهوة خرافية على هذه الأرض الحارة.حكى لي كثيراً
عن الجنيات التي يتخبأن له في عروق الورود وفي روح الضوء ويتساقطن
عليه كالثمار الناضجة والمطر،قال إنهن أحيانا يصعدن من ثقوب
الأرض كالدود..يمسكن بأقدامه الحافية ويجعلنه يدور ويدور على
نفسه وهن يضحكن حتى يقع.قال إنهن يحببن دعك أجسادهن بقسوة على
جسده العاري حتى يتصاعد البخور من مكان ما في الجلد والروح..يهمسن
بصوت خافت في أذنه ويملأن دمه بعطر مسروق من الشغف وفجأة يدُسسن
فمهن في فمه وهن مغمضات العين إلى أن يتحولن إلى بخار ساخن يلتف
عليه وينهض به بعيداً إلى ظل لا يعرفه.يبتسمن له ويقلن: هذا
الظل لم تسرقه أنت من غيمه عابرة..هو من هبط ثقيلاً على الرمل
والأشواق لِنصنع منه وسائداً للخرافة وشباكاً لاصطياد الحب.
قال أيضا،إنهن بعد أن يفرغن من دعك أجسادهن بحرارة على جسده
يتكاثفن بسرعة كالبخار الذي يتجمع على سطح بارد..يتحولن إلى
امرأة واحدة تمتلك سيقاناً من الصدف ونهوداً من التمر وقبعةً
من النخيل والغيم.وفجأة،تُطلق تلك المرأة شهقة حادة تفض لحم
السماء كالسكين..إنها كشهقة تلك المرأة في القرية..في ليلة دخلتها،تلك
الشهقة التي غرسته عميقاً في الارتجاف والعرق حين كان اسفل النافذة
الوحيدة (للعشة)التي افردوها لها هي وذلك الرجل في تلك الليلة.
كان
(علي) يسن الحكايات ويشعل الكلمات بقوة..الشغف بالروئ التي يربيها
ركضه في الإمدادات المريبة للرمل من حوله يطلقه بجنون في ماء
الهذيان وعجين الدهشة.كنت استمع..وكان هو يطوح بيديه في الهواء
وهو يتحدث بانفعال.إنه ساخن تماماً والحكايات الكثيرة لا تكف
عن التسرب من بين أسنان فمه المكسورة والتي قال إن أحد الجنيات
كسرتها حين رفض لمرة تقبيلها.إن (علي) لا يلقي بالاً للسخرية
التي تطاله من أفواه الجميع..كان يُنعت من الجميع بالهبل والجنون..وكان
هو يدعي بأنه الوحيد الذي يستطيع الإصغاء لأحاديث الأولياء وانه
يستطيع معرفة ما يخبئونه من أسرار في الأضاحي التي تُذبح لهم
وتصعد أرواحها حاملةً هذه الأسرار إلى الله.كان يقول أيضاً،إنه
يعرف أسرار الريح التي ترفع فساتين الفتيات وتطوح بقبعات القش
والأحلام بعيداً،ويعرف لماذا اختبأت (فاطمة المجنونة)في الجبل
البعيد ولم تظهر مرةً أخرى..
كان
(علي) وطناً للهذيان وطيناً ملائماً للأسرار التي تختبئ من الاكتشافات
السهلة للقرويين الذين لا يجيدون سوى تربية المواشي والقسوة
ومداعبة الزوجات بغباء..
?
? ?
أعود
للعمل مرةً أخرى حتى انقضاء النهار،الحرارة تملأني برائحة تعرق
سيئة وبانزعاج يمتلك أطرافاً كافيه لجعلي اشعر بالسخافة والقرف
من كل شيء.الرمل الذي تبعثره الريح الساخنة في الهواء الذي لا
يكف عن الارتطام بعيني وإجباري على دعكهما بقوة حتى تُصابان
بالاحمرار:أنا بحاجة لصخب هائل يتصاعد في دمي ويسرقني من مصيدة
الضيق الآن..بحاجة لنساء كثيرات يذبن في روحي كالشمع ويملأنها
بالطراوة قبل أن تُصاب باليباس والتقصف..
?
? ?
الليل
جاف وبارد على القلب..موحش كموت يتعرى،وأنا لوحدي..ازحف فيه
غريباً كدودة.(الهنجر)الخاص بي مُضاء بمصباح يتيم وشاحب كوجه
ميت.لاشيء سوى الملل الذي يتسلق الروح بسرعة وكتاب ملقى بإهمال
في الزاوية وكلمات غير مفهومة تنطلق من جهاز الراديو الذي لا
أستطيع الإصغاء إليه أو جعله يجد شيئاً مناسباً.أشياء كثيرة
أهملتها وتركتها سائغة لفم النسيان تبدأ بالاستيقاظ وتزحف نحوي
في هذا الليل.لاشيء محدد ينبت في الذاكرة ويجبرني على تذكره..ولكن
هناك الكثير الذي يتداخل في أعصابي الآن:الحنين..الكآبة..الرغبة
بتناول نبيذ وتقبيل امرأة..
لا
أستطيع أن افهم شيئاً،أو أن لاشيء يرغب بالانتظام في هذا الليل
الذي يحتدم في كل شيء،أشعل سيجارة وابدأ بمشاغلة حواف المنفضة
بجمرتها الملتهبة كقلب امرأة تنتظر.الريح تصطدم بالجدران المعدنية(للهنجر)مصدرةً
صريراً مزعجاً من حين إلى أخر.اقبع بائساً تماماً في هذا المكان
الغبي وهنالك شيء لا يريد الانطفاء في أبداً..شيء يحرض في صدري
رغبة هائلة بالسباب وباتخاذ قرار بترك هذا المكان الذي لا يشبه
شيئاً سوى انتحار بارد يقف عارياً في مدخل روحك ليبصق عليك ويبتسم
بسخرية حادة: قال (علي) مرةً¡إن الليل هنا هو قلب ملاك
مضغته امرأة تشبه الدخان..قال أيضاً،إنه كان ضفة لحنين لا يهرم..تزاحم
العشاق عليه فلم يعد يكفي وترك بعدها فارغاً ومصاباً بالوحشة..
الانشغال
بقضايا هامشيه تنبت فجأة على هامش العمل اليومي،تستهلك معظم
الوقت الذي اقضيه هنا وتقضم أطراف أعصابي بقسوة.مُصاب أنا هنا
بتوتر وانزعاج دائم..ويتمدد في جمجمتي ترقب مفزع لمفاجئات أخشى
من ظهورها فجأة وإجبارها لي على البقاء لوقت أطول في هذا المكان
الذي يحاصرني بأحكام ويبتر اتصالي تماماً بحياة تركض وتصطخب
وتتدافع في المدن البعيدة: وحده (علي) من يجبرني على الانتباه
حين يبدأ ركضه كوعل،وحين يبحث عن كائنات مكشوفة على العراء والرمل
ليبادلها المتعة وما يجمعه من عشق ملتبس. وحده (علي) من يندس
في كسلي كالحمى ويبدأ بالانقسام والتكاثر في دمي كالجراثيم..يُعيد
وصلي بمتع تخصه يجيد لوحده اكتشافها واطلاقها في روح المكان.لاشيء
يشبهه هو العاري الصدر والمعروق ذو الجلد اللامع والأقدام الحافية،يبدو
منزوعاً من غواية السواد وروح الجبال الوحيدة..يشبه خيانات الظل
وارتباك التعاويذ.قيل أن (علي) ولد على حافة الوحدة..كانت أمه
ترعى قطيعاً من الماعز في البرية حين فاجأها الطلق.. لم يكن
بجوارها أحد.. كان لديها القليل من الماء وبجوارها العشب البري
والرمل..صرخت كثيرا وهي تطلقه لهذا العالم.لم تتلقفه سوى الريح..دعكته
بالرمل والأعشاب البرية وغسلته بالقليل من الماء ثم غطته بجلد
ماعز كانت تحملها دوماً معها.وحين عادت للقرية أخر النهار قالت
للجميع انه ابن اللحظات اليتيمة وانه لا يشبه سوى هذا الريح
التي تسربت في دمه منذ اللحظة الأولى.
الصباح
مبلول بضوء خفيف..الصمت المدهون بالكسل عالق على أطراف الهواء
البارد،والارتخاء الممتد برسوخ في أعصاب المكان يبدأ بالانسحاب
حين يبدأ الاستيقاظ النشط للكائنات بلدغه من أطرافه.الوقت باكر..والجميع
يستيقظ.يتدافعون في المساحات المشرعة أمام (العشش):إنهم يعاندون
الكسل الثخين باستيقاظ حار..ينهضون حاملين إعياء السهر والليل
الثقيل ويدعكون العيون المحمرة..يتشاغلون عن الخوف بالأعمال
المتعبة والجيدة للحفاظ على الرمق الأخير من الكفاية..
المشهد
ذاته أمامي كل صباح.لاشيء يقفز في ذهني ليبتر هذا الإصرار الملح
لدي على استعادة هذه التفاصيل بشكل يومي.اشعر بإدمان حقيقي للتفاصيل
المستهلكة والمصابة بالملل.أصبحت غبياً ومتأقلماً مع هذا التشابه
الذي يساوي بين كل شيء ويترك إحساساً عالياً بالتسطح..
كانت
(فاطمة المجنونة) وردة العراء والأماكن المفتوحة..وحاملة الأسرار
المضيئة والأشواق التي لا تخذل..
فجأة
بدأ(علي) بالحديث عنها ونحن نمشي مبتعدين عن القرية.كان يتطلع
إلى الجبل البعيد الذي اختفت به في (فاطمة)..يبتعد عني باتجاهها.كان
يغزلها بدفء في روحه ويبدأ بسردها على الأرواح الهائمة في الهواء،
وعلى الأعشاب والحشرات والخطى التي تركها العابرون ومازالت ساخنة:
ليست(فاطمة)
امرأة تتشابه مع غيرها..كانت مسلولة من الفضة والطلع والشهوة.حين
تحزن تندس الغصة عميقاً في عظام الأمكنة المصابة بالبرد..ينشرخ
شيء في قلب الغزلان التي تركض بعيداً حاملةً بشاراتها للثلج
والغابات..ويفسد العطر المكدس في جسد الورود.وحين تبتسم¡يُضاء
كل شيء علقت عليه الروائح والجنون والبهجة..تكتظ عروق الأرض
بالاحتفال والنبيذ..ويمس البلل قلوب الفتيات الزاهيات.ينتشر
العشق الباذخ في الهواء وتُجن السحب.(فاطمة) كانت تملك عينين
نافذتين تماماً في الروح..وعظاماً هزيلةً،يداها معروقتان وجلدها
جاف ولأصابعها لمس مثير في الأعصاب كما التعاويذ والقبلة. ملابسها
ممزقه وشعرها مجعد ومتسخ،لكن روحها مضاءة بأسرار العشق المتلف
وحنين الغائبين وشهقة المطر الأخيرة.(فاطمة) كانت تصرخ بالجميع..كانت
تقول إن هنالك ثقوباً فادحةً في القلوب ورملاً كثيراً في الأرواح
وعتمة سميكة في الصدر.كانت تقول أن الخراب قادم أنيقاً،بملابس
زاهية وعينين مفتوحتين.أن النميمة ستمد مائدتها في الليل الفارغ
وإن الانطفاء سيأكل روح الأشجار وولع الجميع بالغناء والرقص.قالت
أيضاً،إن القحط سيشعل شمعة للخيبة في كل نافذة وسيمضغ ما تبقى
من رائحة في الوردة. كانت (فاطمة) تشير بروحها وقلبها..ولا أحد
ينتبه، الكل يمر هازئاً بها ويتهمها بالجنون وبمعاشرة الموتى
والسحر والغواية السوداء.كانت(فاطمة)تعرف ماذا سيحل بالجميع
هنا..وكان صوتها يخفت كل نهار..الضوء ينسحب وتعبها يزداد، وهي
المكابرة والفادحة العشق مازالت تكابر أيضاً،تغني وتفضح وتسخر.كان
الوقت يمر وهي العالية تذوي في خيبتها.كان كل شيء يصر على إطفائها
وجعلها تخرس. في الأخير لم يعرف أحد ماذا حدث..نهضوا جميعاً
في إحدى الصباحات الخاسرة ولم يجدوها أمامهم كالعادة تُشيع الشجن
في الهواء والفراغات الكثيرة. الجميع انتبه وتساءل وأطلق الإشاعات
المنزوعة من طين القسوة سامةً في روح كل الأشياء التي تعلقت
بـ(فاطمة) وأحبت مكايداتها وحنينها الذي لا يقاوم.لم يبحثوا
عنها..تجاهلوها،كانت العتمة حيينها عاليةً والانطفاء سريعاً..
بعدها
بفترة كنتُ وحيداً اركض..أحاطت الجنيات بي واخبرنني أن (فاطمة)
اختبأت في ذاكرة الجبل البعيد..دست حنينها في الأساطير الكثيرة..ووزعت
دمها على غرباء نهضوا من النسيان،حملوه معهم ومضوا في الجهات
التي لاتحد.
هنا
فقط..حيث الأشياء مصابة بفزع ليلي مزمن..والنوارس أجهدت أجنحتها
قبل الوصول إلى هذه الأقاصي المعزولة،سيتمكن (علي) من استثمار
هذه الهشاشة المفرطة والتي تملأ كل شيء هنا.سيعيد تأثيث روحه
وتشكيل هذا المكان بطين جديد كما رتبه في دماغه:
سأعيد
وضع هذا الجبل في موقع أخر.. هناك لن يكون عبئاً على المكان.سأجعل
الرمل هنا كثيرا وسيكون هنالك القليل من الحصى فيه لأنه لا توجد
بحيرات لأشاغل نفسي برميها بالحصى. سأجعل الغيم يتوقف كثيراً
على هضبة ستكون جيده إذا وضعتها هنالك بالقرب من الشجر الذي
يحد من امتداد الرمل والطيور سأجعلها تحلق خفيفةً وتمر من على
رؤوس الأشجار حاملةً في مناقيرها الكثير من حبوب الهشاشة والفرح
والأغنيات..
هل
سيكون جيداً هذا المكان؟؟..
استيقظت
في إحدى الصباحات التي تتشابه كثيراً هنا.. كان الجميع قد استيقظ.خرجت
من (الهنجر) للتجول صباحاً كعادتي قبل الذهاب إلى موقع العمل.كان
الجو ملبداً وهنالك صمت ثقيل ينشب أنيابه في أعصاب المكان على
عكس العادة حيث يكون الجميع فائرين بالحركة ويتجهون إلى أعمالهم.لم
يلقِ احد من سكان القرية أية تحية عليّ.كان يمرون مبتعدين عني
ويحرصون على عدم النظر إلي أو الاقتراب مني، شيء ما عطن في الهواء..شيء
ما يثقل على قلوب الجميع ويملأها بالغيظ الكثير..لا ادري ما
هو.المناخ مسموم تماماً وما بيني وبينهم ينهض الكثير من السؤال
والبارود:
ما
الذي حدث؟؟.
تلدغني
الأسئلة بحرارة في دماغي.حتى (علي) لا أثر له!!. يا ترى أين
ذهب..؟؟.لم استطع احتمال هذا الصمت الغبي.. اقتربت من احدهم:
ماذا حدث..؟؟.لم يجبني، تجاهلني تماماً. شعرت إن الأمر متعلق
بـ(علي) ازددت إصراراً وسألته بإلحاح وبصوت مرتفع فيه الكثير
من الحدة هذه المرة:
*ماذا
حدث.. هل وقع شيء لـ(علي)؟؟..
*لا..
هو الذي أوقع المشاكل بنا
*
ماذا حدث؟؟..
*
ألا تعلم
*لا..
هيا تحدث
*أتت
إحدى الراعيات وقالت إن (علي) حاول اغتصابها حين كانت في البرية
مع الماشية ولولا أن أحدهم رآه لكان فعل فعلته الشنعاء...
*
مستحيل (علي).. لا يفعل ذلك..
*
لقد فعل ذلك وهنالك شاهد.. لا تحاول الدفاع عنه وابقي بعيداً
عن الموضوع يا أستاذ فالجميع هنا مشحونون ويقولون انك من أفسده!!..
ياه
يا(علي)..ماذا فعلت، ألم يعدن يكفينك الجنيات ؟؟. مالذي أشعل
فيك كل هذا السعار. وهل هذا الذي يتحدث عنه الجميع صحيح ؟؟.لا
ادري¡ هنالك شيء غير منسجم في هذا الهذر البائس¡
وهذه القرية المصنوعة من عظام جهنم تنبت في دمها الإشاعات كالفطر،
ما الذي أصدقه وكل هذا الجنون يحفر أخاديده في هشاشتي ويريد
سرقتك يا(علي).قل لي أين اختبأت فالعتمة كثيفة والهواجس تلعق
دمي وأنا مبلول ببرد الخوف.
قل
لي أين أجدك يا(علي المبهوت)؟؟..
مر
النهار ثقيلاً جداً ولاشيء جديد، الحكاية ذاتها تلوكها الأفواه
كالعلكة ولا احد يخبرني أين ذهب أو أين اختبأ خائفاً من أنيابهم
التي تريد مضغ لحمه وتقديمه ذبيحاً لتبرير كل تاريخ الخطيئة
في هذه القرية التي توقد الأحقاد في الليل وتربي النميمة والخوف
في الروح.
أين
(علي)؟؟.يدق السؤال بعنف وإلحاح في جمجمتي. كل الأمكنة تصلح
للاختباء¡ وهو وحده من بين الجميع هنا من تصالح مع كل
شيء:الأحجار والرمل والريح والأساطير.ستخبئه الأحجار في وسط
كل الحكايات التي اقترضتها من العابرين¡ ستدثره الأشجار
بظلها أو ستسربه في نسغها الضئيل¡ الرمل سينصب له خيمة
في قلبه الشاسع والأساطير ستطلقه بحرارة في طقوس الكلام والرواية
الممسوسة بالسحر بعيداً عن الجميع.
التعب
يسحبني بقوه نحو (الهنجر)..والليل يبدأ بملء كل شيء بالكسل والعتمة
والمخاوف الصغيرة. اسحب أطرافي بتثاقل.. امشي على الحصى الصغيرة
المبعثرة على الرمل. الريح هادئة على عكس عادتها اليوم ولاشيء
يتجرأ على ثقب فقاعة السكون الضخمة.أشعل مصباح (الهنجر)..استلقي
على الفراش وأشعل جهاز الراديو، لا امتلك رغبة بالاستماع إليه
ولكنه يشعرني بقليل من الازدحام ويسرقني من موت يداهمني بقوة
إذا عم الهدوء. الكتاب ملقى في الزاوية ذاتها ولا رغبة لي أيضاً
بقراءته. الضوء ينوس والهواء ثقيل وحار.. اخلع ملابسي وأحاول
تهيئة طقوس مناسبة للنوم الذي يبدو بعيداً كنجمة.أشعل (المروحة)
الصغيرة بجانبي..أطفئ المصباح وأحاول الاسترخاء¡ لكن هنالك
صوت خطى تقترب من (الهنجر).. إنها ليست خطى حيوان شارد فلقد
تعودت على وقعها جيداً في هذا المكان. إنها خطى إنسان ما. أنصت
جيداً وبهدوء..وفجأة، اسمع صوت طرق خفيف على الباب الخشبي للـ(هنجر):
*يا
أستاذ.. أنا(علي)، أيش رقدت؟؟..
ياه..
ينتابني فرح مرتبك وإحساس طاغي بالمفاجأة. انهض سريعاً وافتح
له الباب كي يدخل:
*أنا
أسف يا أستاذ.. كنت راقد وأنا صحيتك..
*لا
لا يا(علي).. ادخل الآن، أنا أراعيلك من الصبح..
أشعل
المصباح..انظر إليه وهو يشرب من الماء،يبدو عطشاً وملامحه مغبرة.إنه
كما هو بكل هذا السمار الداكن والعينين اللامعتين،يبدو متعباً
ومتحفزاً أيضاً..
*سمعت
يا أستاذ أيش يقولوا بالقرية..
*ايوه..سمعت..
اطرق
برأسه وصمت قليلاً، شاغل أطراف الفراش بعصا صغيرة يحملها في
يده، وفجأة رفع رأسه وبدأ بالحديث بحرارة وحرقه.كان حانقاً من
كل شيء..الكلمات تتقافز مسرعةً من بين شفتيه وتلدغني في قلبي.عيناه
تلمعان بقوة وهنالك رغبة هائلة بالبكاء تُطل منهما وهو يقمعها
بقوة.كان يريد أن يبدو متماسكاً ولكن هذا الفوران الذي يتصاعد
من كل أطرافه بدأ يُشعره بالوهن ويملأ روحه بكآبة أجبرته على
البكاء:
لم
يكن هناك شيء..كنتُ أقف بعيداً عنها وهي تمشي مع الماشية.كنت
اركض كعادتي..وفجأة، اقتربت هي مني وطلبت أن اغني لأنها تُحب
صوتي¡ فرحت لأنها طلبت ذلك فأنا أحب الغناء حين تكون هناك
امرأة بجانبي.كنت اغني حين التصقت بي- كما تفعل الجنيات معي
يا أستاذ - وبدأت بتقبيلي. وفجأة بدأت بالصراخ، فزعت..لم أكن
ادري ماذا جرى،ولكني رأيت أحدهم من بعيد يمر وينظر إلينا، كانت
تبدو فزعه تصرخ وكنت خائفاً لا ادري ماذا فعل.ركضت بعيداً عني
واتجهت نحو الرجل وهي تبكي، لا ادري ماذا قالت له لكنه بدأ بالركض
نحوي غاضباً كما يبدو..فزعت منه وركضت مسرعاً دون اتجاه..
لم
ادر ماذا حدث بعدها لـ(علي)..في اليوم التالي لمقدمه إلي.. أتاني
استدعاء عاجل من المركز يطالبني بالعودة للعمل كمشرف إداري فيه..
لم اعرف ما السبب في..لكني علمت لاحقاً أن بعض أفراد القرية
قابلو المدير العام للمشروع الذي اعمل فيه وطلبوا منه أن يتم
نقلي من القرية لأني أقوم بممارسات لا أخلاقية وأحرض شبابها
على عصيان عقلاء القرية.لم يسمح لي بالعودة بعد ذلك إلى تلك
القرية المطمئنة إلى عزلتها و تقرحها.اخبروني أيضاً إن (علي)
اختفى. وان أحدهم شاهده في إحدى المرات يمشي هو و(فاطمة المجنونة)
بالقرب من الجبل البعيد..كانا متلفعين بالخضرة والضوء والأغنيات
وكان حولهما حشد هائل من الجنيات والأرواح الهائمة يلتقط ما
يسربونه من كلام وحكايات في الخطى التي تبتعد بقسوة عن القرية..
ماجد
المذحجي / دمشق - خاص بالإمبراطور - 26.01.2004