روايات
خالدة

رحلة
تشرّد طويلة
بطلها
طفل صغير - الشوك يزهر

تأليف: هاري
مارتنسون
ينتمي
الكاتب السويدي هاري مارتنسون الى الشعراء اصلاً وليس الى الروائيين
ولكنه مع روايتين من صنف «الشوك يزهر» الصادرة عام 1935 و«الرحيل»
الصادرة عام 1936، يمكن القول انه روائي من طراز متميز. امتازت
كتاباته بالحديث عن عالم من الفقراء، ملون بكل الوان طيوف الفقر
والحرمان في عالم تتنازعه الحروب ويموت فيه الناس لأتفه الاسباب.
ولد الكاتب السويدي هاري ادموند مارتنسون في 6 يونيو عام 1904
في مدينة صغيرة بجنوب السويد.عاش طفولة بائسة بعد وفاة ابيه
حيث اضطرت امه الى الرحيل الى الولايات المتحدة بحثا عن الثروة.
فتركت ابناءها خلفها وكأنها نسيتهم تماما.
اش
هاري مقيما في ملجأ للعواجيز. وعرف في سن مبكرة العمل الشاق.
وعانى من المتاعب مع السلطات. وحاول ان يعثر دوما على امه التي
هجرته وهو صغير السن. فسافر كثيرا وعرف العالم المتسع امامه.
والتشرد والضياع. وعند عودته الى السويد في عام 1929 كان قد
تأهل كي يكون كاتبا وتزوج من امرأة تكبره سناً. لكنهما انفصلا
بالطلاق في عام 1940 لاسباب ايديولوجية. وفي عام 1949 اختير
عضوا باكاديمية ستكهولم. ومات في 11 فبراير 1978 بعدما حصل على
نوبل للآداب عام 1974.
يرى
عدد كبير من النقاد ان اعمال مارتنسون تنقسم الى قسمين. الاول
خاص بالنثر، والثاني خاص بالشعر. وهو في المقام الاول شاعر.
ففي بداياته الادبية عام 1929. وفي كتابه «سفينة الشبح» ثم في
«خمسة شباب» بدا ان نثره مكتوب كأنه الشعر..
وفي
الفترة بين عامي 1932 و1933 كتب مارتنسون كتابين من النثر تحت
عنوان «رحلات بلا هدف» و«وداعا للضجيج» وهو يرى ان السفر، مثلما
مارسه بقوة البحار، هو الخروج بالرأس عبر حدود الجغرافيا، ومن
اجل الانغماس في الاجساد، «نحن بعيدون عن المغامرات العاطفية
وعن «بحار الجنوب» وكتب رحلات مارتنسون تسبح في اماكن مفقودة
حيث لا يوجد شيء يمكن رؤيته. وفي اغلب الوقت فاننا لا نطأ فوق
الارض» وذلك مثلما كتب الناقد بوكيه. فلم يكن الشاعر يبحث عن
الاماكن، بل عن البشر. ولذا كان شاعراً له وجهة نظره في العالم.
كثيراً
ما كانت هناك منافسة بين الشاعر، والكاتب النثري في داخل مارتنسون.
وكان الشاعر يكسب دوما. ففي عام 1934 نشر ديوانه «طبيعة» وفيه
حاول ان يقبض بيديه على الطبيعة.
وفي
عام 1936 سجل سيرته الذاتية تحت عنوان «رحيل» والتي تعتبر من
اجمل ما كتب في السير الذاتية. حيث تحدث عن رحيل امه. والآلام
التي تراكمت على ابنها الصغير تبعا لتلك الفعلة. ويتضمن الكتاب
مشاهد مؤثرة منها دخول هاري الى ملجأ العواجيز لاول مرة. ثم
يتحدث عن مرحلة النضج وممارسته للعديد من الاعمال. وانتهائه
بالوصول الى البحر، كي يركب احدى السفن التي ستقله الى الولايات
المتحدة من اجل البحث عن امه.
وتتابعت
كتب مارتنسون النثرية. ومنها «افكار» عام 1937 و«وادي الصيف»
عام 1938. ثم «سهولة وصعوبة» عام 1939. وفيها امتزجت الفلسفة
بوصف الطبيعة. ثم تتابعت اعماله النثرية الاخرى ومنها «الجاكوار
الضائع» عام 1941.
و«الواقع
حتى الموت» وفي عام 1943 حضر مؤتمر الادباء في موسكو، وفيه القى
كلمته التي اعتبر فيها ان الكاتب هو «مهندس الروح»
وقد
نضجت قريحة الشاعر اثناء الحرب العالمية الثانية. وبدت في اشعاره
قدرته على التوغل في اعماق البشر، من خلال الحكمة، والسيطرة
على ملذات الذات. من خلال ديوانه «اليزيه» المنشور عام 1945.
نشر
مارتنسون روايته «طريق كلوكريك» في عام 1948، وفيها سيرة ذاتية
اخرى حول سنوات التشرد. فالبطل بول يجوب مدن السويد وهو كتاب
غني بالتجربة الانسانية، ففي مثل هذه الرحلات المتشردة يمكن
للمرء ان يقابل كافة اجناس البشر، من اعماق المجتمع. ومثل هذه
التجربة تعلم الانسان كيف يكون حرا، غير قلق على مكان نومه.
ولا على طعامه الضائع..
وفي
عام 1956 نشر ديوانه «انيارا» وهو اقرب الى الشعر المستقبلي،
حيث تخيل صاروخاً يضيع في الفضاء، ثم يتحدث عن علاقة الانسان
بالآلة، ويحذر من الدمار الذي ستلحقه القنابل الذرية بكوكب الارض.
وقد
تتابعت دواوين مارتنسون ومنها «اعشاب التول» عام 1971 وهو اخر
دواوينه.
تمثل
رواية الشوك يزهر قصة طفولة هاري مارتنسون مطلع القرن العشرين
في سويد فقيرة مختلفة عن الفردوس الاجتماعي الذي انتشرت صورته
في السنوات الاخيرة حيث اولاف توماسون يعود الى تسمانيا بعد
احدى عشرة سنة امضاها في الترحال عاملاً في جز صوف الاغنام،
وكان يريد العودة نهائياً للاستقرار في وطنه وافتتح مؤسسة تجارية
قريبة من بعض المناجم وازدهرت اعماله وانجب عدة ابناء من هانا
زوجته الجميلة الطامحة لحياة اكثر ثراء.
غير
ان الامور تراجعت فجأة وضرب الفقر بعصاه افراد الاسرة فعاد الاب
للهجرة ليموت بعيداً واختارت هانا الرحيل الى كاليفورنيا بحثاً
عن الثروة تاركة اطفالها خلفها ومن بينهم مارتان الصغير الذي
هو ذاته هاري مارتنسون، حيث يعيش يتيماً وقد فقد حنان الام ورعاية
الاب وعطفه، فكان يخرج راكضاً بحثاً عن امه معتقداً انها في
مكان قريب، لكن دون جدوى وقد قيض له انذاك ان ترعاه اخته الكبرى
التي فقدها ذات يوم بعدما سلم الى البلدية ليتحول من مارتان
اولاف توماسون، الى مارتان ربيب البلدية.
ربيب
البلدية مؤسسة للمعونة الاجتماعية في السويد، فقد كانت البلدية
تتولى امر الذين لم يكونوا يستطيعون اعالة انفسهم كالايتام والعجائز،
ولكنهم يضمنون نوعاً ما، للذين كانوا يقبلون ايواءهم بأدنى النفقات.
وكان هذا الالتزام يعقد لمدة سنة بين المزارع وبين الكنيسة،
وهكذا يجد الطفل او العجوز نفسه مرغماً على العيش مع اسرة جديدة
ومنزل جديد كل سنة، وقد كانت البلدية فيما يتعلق بالاطفال تحرص
على ان يتابعوا تعليمهم وان يتلقوا تربية جيدة.
مارتان
ربيب البلدية كان واحداً من هؤلاء الاطفال وقد تنقل من مزرعة
الى اخرى، ولكنه امضى في مزرعتي تولين ونوردا اطول فترة ممكنة
لانه لم يطق في المزارع الاخرى البقاء اكثر من أشهر قليلة يركض
بعدها على الطرقات بحثاً عن امه المهاجرة الى كاليفورنيا.
في
تلك المزارع كان مارتان شاهداً على حياة الفقر في السويد مطلع
القرن العشرين، صحيح انه كان ينال كفايته من الطعام وايضاً ينال
قسطاً من التعليم لكنه كان يضطر للعمل في المزارع حتى الارهاق
مقابل تلك الضيافة وهي نوع من الاحسان تجاه المجتمع حيث ان الكنيسة
تفرض هذا النمط من الاهتمام بالاطفال والعجائز.
كان
مارتان قد بلغ العاشرة من عمره عندما كان يعمل خلف المنزل في
تشذيب الارض وقد فاجأه عجل صغير، فطرده مارتان إلا ان العجل
عاود العبث بما انجزه مارتان فشعر الصبي بغضب شديد وضرب العجل
برفشه مما افضى إلى موته، كان هذا اول رعب في حياة مارتان الذي
سارع إلى سحب العجل بعيداً ومن ثم حفر له حفرة عملاقة طمره فيها،
وكان ذلك أول عمل يقوم به خارج حدود التربية والتعليم وعندما
سئل مساء ذات اليوم اذا ما كان قد شاهد عجلاً صغيراً قال انه
لم يره، وقد تطوعت صبية اكبر منه قليلاً تعيش بنفس الطريقة «ربيبة
بلدية» بالقول لقد شاهدت بعض الغجر يعبرون في الانحاء فاعتقد
الجميع ان الغجر قد سرقوا العجل.
تعلم
مارتان كثيراً من الحياة في المزارع وحفظ كثيراً من الاسرار
في الحقول، وقد رافق عدة اشخاص في سنه جميعهم من الذين يعيشون
بذات الطريقة لكن الصبي الذي بلغ منتصف الحادية عشرة من العمر
تعلق بفتاة تدعى الآنسة تيرا في وقت كانت الشائعات تتناقل نبأ
اكتساح وباء التيفوئيد للمنطقة، وكان من نصيب الانسة تيرا ان
يصيبها المرض الذي خطف شبابها ومن ثم خطف معه قلب مارتان الصبي
اليافع الذي لم يعرف شيئاً من ضروب السعادة، متنقلاً من مزرعة
إلى اخرى ومن حياة إلى حياة، لكن حبه الاول وتفتحه الاول وزهرته
الاولى خطفها الموت وكأن بينه وبين السعادة خصومة أزلية.
إعداد:
رباب محمد - بيان الكتب