
بلقيس..
بين الخرافة والحكمة والسلطة
يقدم
الباحث زياد منى "النسخة المحدثة" من دراسته القيمة الشاملة
عن "بلقيس" حيث يعرض وجهات نظر مختلفة عن هذه الشخصية تراوح
بين تصويرها مزيجا من اللغز والخرافة والاسطورة من جهة ورمزا
للحكمة والجمال والسلطة من جهة اخري.
ويسلط على كل ذلك مجهر العلم والبحث التاريخى واللغوى فيفصل
بين التاريخى والمتوهم قائلا ان تلك الصفات القبيحة والسلبية
التى نسبت الى بلقيس انما كانت بنت مجتمعات رفضت فكرة قدرة المراة
على ان تكون قائدة حكيمة مساوية للرجل.
ويرى منى أن شعوبا كثيرة عرفت بلقيس فى صور واسماء مختلفة وان
النظرة اليها اختلفت بين تقدير وكره ورهبة ويشير الى ان هناك
كما يبدو اكثر من بلقيس واحدة فى القصص المختلفة التى تروى عن
هذا الاسم.
وقال فى تقديم الكتاب الذى حمل عنوانا هو (بلقيس لغز ملكة سبأ)
ان بلقيس "دخلت تاريخ وتراث كثير من اقوام العالم تحت اسماء
مختلفة. فقد عرفها العرب باسم بلقيس وبلقمة بينما اطلق عليها
التراث العربى المسيحى والحبشى المسيحى اسم مكدا وكندكة واشار
اليها التاريخ المسيحى العام بصفتها.. ملكة الجنوب او ملكة اليمن
... وتبوات مكانة استثنائية فى خيال معظم امم وشعوب العالم من
العرب والحبشيين مرورا بالصينيين والاوروبيين وصولا الى أزقة
مانهاتن فى الولايات المتحدة الامريكية... اما التراث الدينى
اليهودى فقد عرفها باسم ملكة سبأ والغول ليلت. ومع ذلك فسنشير
اليها فى هذا المؤلف باسم بلقيس او ملكة سبا."
واضاف منى انه لكون "المحيط الجغرافى لمعظم الروايات عن بلقيس
يربطها باليمن فمن البدهى ان نستهل بحثنا بتقصى مكانة اليمن
فى العالم القديم او فى العصور العربية الاولي" اى عصور الجاهلية.
صدر الكتاب فى نحو 343 صفحة من القطع المتوسط عن دار قدمس للتوزيع
والنشر فى دمشق. النسخة المحدثة كما يصفها منى جاءت تحمل تصحيحا
وتعديلا واضافات لكتاب سابق له عن بلقيس.
قال منى انه تحرى فى كتابه عن بلقيس من كانت وما يعنيه اسمها
"وخلفية اصرار بعض الاخباريين العرب على القول انها من اصول
جنية ورفض الاخرين ذلك... والدوافع التى جعلت بعضهم يقول ان
ساقها كانت حافر حمار بينما اكتفى اخرون بالقول بوجود شعر كثيف
او خفيف عليساقها. وماذا يعنى ان ساقها كانت حافر حمار. ثم ما
دور اليهوديات فى رسم تلك الصورة القبيحة للملكة العربية اليمانية
بلقيس" التى اقتحمت تراث معظم الشعوب بوصفها مثال الجمال والحكمةوالسلطان.
ولخص بعض نتائج بحثه بالقول ان اليمنيين "عرفوا خرافة عن سبأ
عكست جوانب من الحياة التراثية والدينية فى جنوبى جزيرة العرب
وانهم غالبا لم يكونوا على دراية بمغزاها الحقيقي... وهذا ماجعلها
مجرد رواية تناقلها الناس كنوع من التسلية. وهذه هى بلقيس الخرافة."
وتابع منى أن العرب فى العصور الاولى عرفوا أيضا قصصا وروايات
عن ملكات فى بعض اقاليم بلادهم وقد ضمت تلك الروايات معلومات
كثيرة تناقلها العرب واضافوا اليها خلال عملية التناقل الشفهي.
اضافة الى ذلك عرف العرب ملكة اخرى "اكتسبت شهرة اكثر من غيرها
لارتباط اسمها بسليمان النبى رمز الحكمة والسلطان ولكن لم يعرف
عنها اى معلومة اخري... القران لا يعطى اى معلومات عن شخص ملكة
سبأ. لقد كانت هذه الملكة هى رمز للمراة وللمجتمع الذى تسنمت
فيه اعلى المواقع. وعندما جاء الاسلام وكرم ملكة سبأ مسحت هذه
الشخصية غيرها."
ورأى منى انه بمجيء الاسلام وتكريم القران لملكة سبأ "انقلب
الوضع انقلابا كاملا حيث تراكضت بعض اقوام العرب لتعريف الاخيرة
بأنها هى ملكتهم... وقد ادى هذا المزج الى اختلاط بين مختلف
القصص التى دمجت فى النهاية بقصة واحدة" وشملت التناقضات هنا
"الاسم والاصل ومكان التواجد وفترة الحكم".
وأشار الى أن التراث الدينى اليهودى تحدث عن بلقيس فى "رواية
واحدة جد مقتضبة" عن لقائها بالملك سليمان متأثرا باحكام اجتماعية
عن المراة اضافة الى قصص واساطير وخرافة الامر الذى عمل على
تحويل "تلك المراة رمز الحكمة والثروة والجمال الى ممثل للشيطان
بل الشيطان نفسه". وأوضح أن التراث اليهودى لم يتخذ هذا الموقف
"معاداة لملكة سبأ كشخص ولكن ضد الرمز للمجتمع الذى تسنمت قيادته
المراة عن جدارة واستحقاق".
وعبر قراءة الحاضر من خلال تجارب الماضى يصل منى الى نتائج يقول
فى احداها "نجزم بان عودة المراة العربية المسلمة لممارسة دورها
الاجتماعى والاقتصادى والفكرى على نحو كامل غير منتقص هو احد
العناصر المهمة التى ستساعدنا فى الخروج من دائرة الهزائم والاحباطات
والاذلال التى نتنشقها صبحا وعشية والتى تسهل ابقاء المجتمعات
العربية اسيرة افكار الطغاة."
بيروت ـ
جورج جحا: - 03.06.2004