حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

هكذا وصف العرب لسان اليد وصائغ الكلام

هل سينحسر دور القلم الذي رافق نهضة الحضارات القديمة وثورة العلوم الحديثة أمام طغيان أزرار الكومبيوتر؟

بعد شيوع الكتابة على لوحة مفاتيح الكومبيتر «الكيبورد»، وما فيها من سهولة للكاتب والباحث، هل بدأت نهاية حضارة القلم، وانحساره إلى استخدام ثانوي؟ وبهذا ستضمحل حضارة تاريخها تاريخ النقش على جدران الكهوف واختراع أبجدية الحروف. قبل ذلك انحسرت أمام ثورة الحبر (الجاف) صناعة الحبر الصيني والباركر، ولم يبق من سيد أقلام الحبر، على ما أزعمه، الباركر نمرة 51 غير نماذج تجدها في محلات الأنتيك الخاصة، أو بين أثريات شخصية.

القلم الذي يساعد في جودة الخط ولا يضطر صاحبه إلى حمل قارورة الحبر، ففي خزانته الكفاية منه. كان الترويج لبداية نهاية قلم الحبر، وربما القلم بشكل عام، هو تعطيل صناعة الباركر، بنّمره الفاخرة: 21، 51، 61، 81، وانحسار صناعة الحبر، بينما استمرت صناعة الباركر 45، و15، و75 بحدود، وهي أقلام لا تعجب مَنْ ناغمت أنامله ومزاجه النّمر المنقرضة.

تجد في أسواق الأغنياء زاوية لبيع القلم التحفة، لا قلم الكتابة، يُتبادل هدايا في علب فاخرة وأسعار قد لا يدفعها ناشر عربي لكتاب متميز يربو على الخمسمائة صفحة، إلا أن وظيفته انحسرت إلى الإمضاء والديكور فقط. ليس لهذا الضرب من الأقلام منزلة عند مقتنيها لأنها مجردة من عاطفة الكتابة، ولا حياة فيها، ميتة مثل أي قطعة ذهب أو ماس مركونة في خزانة الدار، لا عمل لها غير تزيين المظهر عند الحاجة. بينما لأكثر الكُتاب قصة مع قلمه الأثير، لا يقوى على الإبداع بدونه، ينبهه على عثرات النحو والإملاء، ويمده بمزاج خاص، حتى أصبح جزءاً من طقوس كتابته. فأربعون أو ثلاثون حولاً من المعايشة والمنفعة تكفي أن يكون بين الكاتب وبين قلمه مودة خاصة، ولسان الأولين يقول: «كثرة المنفعة تولد المودة».

إن الخط والنقش بالقلم غير الضرب على الكيبورد، يسكب القلم الكلمة الرائعة والنص الرصين بمهارة محركه على الورق، لا يقبل الحشو ولا الهنات، وكلما مر الزمن عليه بين أنامل الكاتب كلما تجمل الخط ومتنت العبارة. بينما يخلق الكيبورد الأوهام في الكتابة، فمَنْ يحسن تشكيل الحروف عليه، من غير احتراف، يتوهم المهارة في الصنعة.

توهم الحروف المشكلة، أي تشكيل، على شاشة الكومبيوتر بتقمص الإبداع، ولا يتردد صاحبها في ضمها إلى مجلة أو جريدة إلكترونية تصدر بلا محرر ولا رقيب فني، وينال ضاربها على الكيبورد وبسهولة لقب كاتب أو باحث، مثلها مثل شاشة التلفزيون توهم بالتفوق والكمال، وتخلق محللين سياسيين وخبراء في الثقافة بعد ظهور وظهورين.

تعلق مثل هذا الوهم أيضاً بالصحافة الورقية ومستخدمي القلم لكن بحدود، فهناك صعوبة الانتشار، وموانع تقنيات الكتابة الورقية وتدقيق المحرر والمصحح، فالمغامر فيها إما أن يتعلم الدرس وإما أن يخجل من نفسه ويتوارى، وهذا ما ليس في الصحافة الإلكترونية المباحة للجميع وبلا قيود.

لكن تبقى للقلم منزلة تاريخية كبرى، يصعب انحساره أمام الكيبورد بهذه السهولة، مثلما يرى البعض انحسار الكتاب الورقي بين الدفتين أمام الكتاب الإلكتروني. ورد في منزلة القلم «ن والقلم وما يسطرون»، وهي فاتحة سورة القلم المكية، التي نراها تجمع بين الماء والكتابة جمعاً منسجماً، فالماء بداية الخلق والكتابة أول الحضارة وما خُط في اللوح المحفوظ، على أن النون، حسب المفسرين، رمز للحوت أو نهر من أنهار الجنة. ولمنزلة القلم الرفيعة اعتنى الكُتاب الأوائل بأدوات وآلات الكتابة عناية فائقة، فكانوا يختارون دَوّيهم وأقلامهم بخبرة وذوق، ويتفاخرون في مجالسهم بأناقة الدَوَاة ورشاقة القلم ونوع الكاغد والحبر.

وتختلف آلة الكتابة ونوعية الورق حسب منزلة الكاتب ومهام الديوان، فدَوّي المعلمين وأقلامهم غير دَوّي وأقلام كُتاب دار الخلافة والوزارة، أو ما يعرف بديوان الإنشاء، كذلك يختلف الكاغد المستعمل للرسائل الرسمية عن المستعمل لسجلات المال.

ورغم ما للسَّيْف من دور في مجرى الحضارات وأسراع تداول الأيام إلا أن ابن الرومي أراد للقلم السطوة فقال:
كذا قضى الله لِلأقلام مُذْ بَريَت
إن السُّوفَ لها مُذْ أُرهِفت خَدَمُ
وربما واقع الحال وتاريخ غابر من خضوع الثقافة إلى السياسة جعل المتنبي يقول:

حتى رَجعتُ وأقلامي قوائُل لي
المجدُ للسَّيْف ليس المجدُ للقلمِ
اكتب بنا أبداً بعد الكتاب به
فإنما نحن للأَسياف كالخدمِ
اهتم مصنفو كتب الأدب العامة بمنزلة القلم وتفاصيل أدوات الكتابة الأخرى، فتحدثوا عن أشكال الأقلام والمحابر، وآداب حملها وأنواع القصب الذي تصنع منه، والمناطق التي يجلبُ منها أجود قصب الأقلام، وخص المؤرخون بهذا الفضل قصب منطقة كسكر (بدائرة واسط) بجنوب العراق. وصف الأولون الدواة بأم آلات الكتابة، والقلم «أشرفها وأعلاها رتبة، إذ المباشر للكتابة من دون غيره، وغيره من آلات الكتابة كالأعوان» (القلقلشندي، صبح الأعشى).

وحدد الوزير والكاتب ابن مقلة (ت 328هـ) حجم القلم المناسب للكاتب البارع «ما كان طوله من ستة عشر إصبعاً إلى اثني عشر»، ومادة صناعته نبات القصب «أقله عُقداً وأكثفه لحماً، أصلبه قشراً، وأعدله استواءً» (النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب). وقد يتعالى الكاتب الجهبذ عن بري قلمه، وهو منه «كمحلِّ الرمح من الفارس»، فيُبرى له، لأنه «يرى في ذلك مهنة يترفع عنها» (الصولي، أدب الكُتاب). قال الشاعر ذاماً المترفعين عن بري أقلامهم:

دخيل في الكتابة ليس منها
فما يدري دبيراً من قبيل
إذا ما رام للأنبوب برياً
تنكب عاجزاً قصد السبيل
لبري القلم أو قطه، بالمبراة أو المقط، أُصول يلتزم فيها الكُتاب، حددها مسلم بن الوليد الأنصاري بالقول: «حرف قطة قلمك قليلاً، ليتعلق المداد به، أرهف جانبيه ليرد ما استودعته إلى مقصده، وشق رأسه شقاً غير عاد، ليحتبس الاستمداد عليه، ورفع من شعبتيه ليجمعا حواشي تصويره». من محاذير بري الأقلام لا يجوز بري المبلول منها «حتى يجف لئلا يتشظى» (الصولي، أدب الكُتاب).

وما يحتاج إليه الكاتب هو «جودة بري القلم، وتحريف قطته، وحُسن التأتي لامتطاء الأنامل» (نهاية الأرب). والغاية من التزام جودة البري عزف الحروف الجميلة على الكاغد، فبعض الكُتاب قال:

«القلم الرديء كالولد العاق». ولأنه «لسان اليد» و«يجري في الصحف كالماء السائح» و«سفير العقل ورسول الفكر» و«يزف بنات القلوب إلى خدور الكتب» فلا يهم أن يكون القلم بين أنامل رجل أو أنامل امرأة، قال الشاعر واصفاً جارية خطاطة:

وزادت لدينا حظوة ثم أقبلت
وفي إصبعيها أسمر اللون مرهف
وصفت الدواة بخزينة الأدب، وهي وعاء تحتوي على القلم والمحبرة والمبراة والملواق (عود لتحريك الحبر)، والمسطرة، لتسطير ما يُراد كتابته، والمصقلة، لصقل الكتابة بماء الذهب، والكرسف، والمسقاة (لصب الماء في المحبرة).

وتسمى أيضاً الماوردية «فغالباً ما يجعل في المحبرة عوض الماء ماء ورد، لتطيب رائحته» (القلقشندي، صبح الأعشى). يحمل دَوّي الكُتاب، من المحظيين، غلمانهم بمهارة فيدلفون بعدهم إلى مجلس الخليفة أو الوزير بكل هيبة، فلا يليق بالكاتب المتقدم أن يحمل دَوَاته بنفسه.

وأن لا تسقط من اليد ولا يكون شكلها ورائحتها ما يكرهه صاحب المجلس. لذا من فن صناعة الدَوَاة أن تُحلى بعناية ولطف، خالية من الثنيات أو النقوش والصور، فكل هذه الأشياء تمنع تنظيفها من الحبر، الذي يشوه شكلها، ويبعث منها رائحة كريهة.

قال محمد بن يحيى الصولي (ت 335هـ): «حكم الدواة أن تكون متوسطة في قدرها، نصفاً في قدها، لا باللطيفة فتقصر أقلامها، ولا بالكبيرة فيثقل حملها. لأن الكاتب، وإن كان وزيراً، له مائة غلام مرسومون بحمل دَوَاته، مضطر في بعض الأوقات إلى حملها، ووضعها ورفعها في يد رئيسه، حيث لا يحسن أن يتولى ذلك منها غيره، ولا يتحملها عنه سواه» (أدب الكُتاب).

تصنع الدَوَاة، عادة، من خشب الأبنوس أو الصندل، ولكن الكُتاب في القرن الثامن الهجري وما بعده، حسب القلقشندي، رغبوا عن الدَوّي الخشبية وأخذوا يستعملون النحاسية والفولاذية غالية الثمن. كانت دَوّي النحاس أكثر استعمالاً من دَوّي الفولاذ، لأن الأخيرة خاصة بديوان الوزارة وما ضاهاها من الرتب (صبح الأعشى). تختلف أشكال الدَوّي باختلاف رتب الكُتاب.

فكُتاب ديوان الإنشاء «يتخذونها مستطيلة مدورة الرأسين، طلباً للخفة»، وكُتاب الأموال «يتخذونها مستطيلة مربعة الزوايا، ليجعلوا في باطن غطائها ما استخفوه مما يحتاجون إليه من ورق الحساب الديواني المناسب لهذه الدواة في القطع».

ويكره الكُتاب أن يحملوا ما يعرف بالمرفع، لرفع دَوّيهم عن الأرض، فاستعمال هذه الآلة يعد نقصاً في مهارة الكاتب. لأحمد بن محمد بن اسحق في شأن مرفع الدَوَاة قول: «دخلت أنا وأبو علي ابن المرزبان على يحيى بن مناوة الكاتب، وبين يديه مرفع، قد قارب صدره عليه دواته، فقلت لابن المرزبان: أما ترى هذا المرفع، فقال: هذا مرفع وصاحبه رقيع لا رفيع» (الصولي، أدب الكُتاب). كذلك يكره الكُتاب، من أصحاب الدواوين، المحبرة المفردة عن الدواة، فهذا من عادة النساخ لا الكتاب، وقيل: إن المحبرة من غير دَوَاة «آلة النسخ، الذي هو أشد الحِرف، وأقلها كسباً».

ويروى أن الحافظ والمحدث شعبة بن الحجاج (ت 160هـ) «رأى في يد رجل محبرة، فقال له: ارمِ بها فإنها مشؤومة، لا يبقى معها أهل ولا ولد ولا أم ولا أب». ومع ذلك جعل عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) المحبرة آلة رزق، فقال: «مَنْ خرج من بيته بغير محبرة وأداة فقد عزم على الصدقة» (صبح الأعشى). ولا يحبذ أن يكون في الدَوَاة أكثر من أربعة أقلام.

من آداب الكتابة أن يحافظ على نظافة الدَوَاة وإدامتها بالملح والكافور، كل يومين أو ثلاثة أيام منعاً للرائحة الكريهة، فالحبر يركب من مواد يدخل فيها العسل والصمغ وسخام النفط وغيرها. قال محمد بن عمر المدائني في صيانة الدَوَاة:

جوّد دَوَاتك واجتهد في صونها
إن الدَوّيَّ خزائن الآداب
اللافت للنظر خلو المتاحف العربية والإسلامية تماماً من بقايا دَوّيِّ الكتابة، كدواة كاتب وزير أو خليفة، أو دواة من دَوّيِّ دواوين الرسائل، مثلما حُفظت آثار السلاح من سيوف ودروع، وآثار النقود والمنابر، رغم صخب عالم الكتابة بالأدوات والمعدات، وله تقاليده وورشات صناعته. لم يبق أثر من هذا العالم غير ما صنفه الصولي في «أدب الكُتاب»، وما نُقل عنه في كتب الأدب العامة.

 

رشيد الخيُّون - الشرق الأوسط - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri