حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

محامي الشيطان

أنا أريد أن ألعب دور محامي الشيطان وأدافع عن إسرائيل. إسرائيل تمنح مواطنيها اليهود واحداً من أعلى المستويات العالمية للحريات الديموقراطية. ليس فيها معتقلون سياسيون. إيغال عامير بالذات, وهو الذي اغتال رابين, موجود في سجن مريح ولديه كومبيوتر وإنترنت يتلقى عبرها رسائل إعجاب وحب من الصبايا اليهوديات في مختلف دول العالم. إسرائيل العنصرية متفوقة علينا أخلاقيا في تعاملها مع يهودها. الحكومة عندهم تحاسَب أمام شعبها, وحين يرتفع معدل البطالة إلى 10,3 في المئة تعتبر مشكلة كبيرة. يجب قول هذا الكلام وتكراره والكف عن خداع الذات ومجاملتها والاستلقاء على سرير الأوهام الوردية.

لكن أريد أن أدافع عن الأنظمة العربية أيضا. أنظمتنا لا يمكن أن تفتح الحدود مع إسرائيل. معها حق, هذا كلام انفعالي, ونحن يجب ألا نطالبها بذلك ولا بقصف تل أبيب (هنا مشكلة خطيرة في الوعي). لكن يجب بالفعل أن ننتزع من الدول فتح الحدود داخل مجتمعاتنا واختراق الأسوار الأمنية والرقابية والسياسية والمذهبية التي تفصل بين الناس. هذه هي قيمة التظاهرات والاعتصامات: تعارف الناس وتواصلهم وخروجهم من العزلة واختراقهم الحدود التي تفصل بينهم.

دولنا لا تلام لأنها لم تنتصر على إسرائيل, فهذه مدعومة من أقوى دول العالم وأغناها. نحن نلام لأننا مهزومون أمام كل ما هو بشع ولا إنساني: الجهل والدناءة والفساد والأنانية والكذب وسوء النية. لا نلوم أنظمتنا لأنها لم تحرر فلسطين المحتلة, لكننا نلومها لأنها تحتل مجتمعاتها وتحتقرها وتكذب عليها. نحن مهزومون في المعركة الأخلاقية والحضارية والجمالية والروحية. ننتصر لو بنينا مجتمعا إنسانيا يحترم حق الحياة والكرامة الإنسانية ولا يطالب الناس فيه بإثبات وطنيتهم أمام أجهزة الأمن. القضية هنا وليست في أي مكان آخر. البلاد العربية كمجتمعات سياسية, فظيعة وبشعة من الناحية الإنسانية, وهناك نفوذ قوي جدا في حياتها للكذب والخوف والسرقة والوضاعة... لو كنا, أفراداً ومجتمعاً وسلطات, أكثر إنسانية لربحنا العالم, ولكانت خسارة فلسطين موقتة ونسبية. لكننا نعيش في ظل دول أحادية القطب, مزدوجة المعايير. دول تناضل من أجل الهزيمة. هناك استراتيجيا واحدة للمواجهة مع العدو: تحرير الإنسان والمجتمعات العربية من الخوف والفساد والذل, وكل ما عدا ذلك خداع للذات وهروب الى الأمام. الانتصار الحقيقي, وشرط كل انتصار آخر, هو الانتصار على الذات.

مداخلة ألقيت تعقيباً على محاضرة الدكتور أحمد برقاوي, "مستقبل إسرائيل", في منتدى جمال الأتاسي للحوار الديموقراطي في دمشق في 05.05.2002.

 

ياسين الحاج صالح / دمشق - ملحق النهار - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri