
أسمهان
بين حب اللاحب
وزواج البلاتوه والجنس السياسي
كثيرة
هي الحكايات التي تدور حول المطربة اسمهان (الأطرش)، وهذه الحكايات
تقع <<بين الشيطان والملاك>> بتعبير أحد الشعراء،
إذ يذهب القوم (قومها) الى إضفاء القدسية على شخصيتها وتحويلها
بطلة قومية، والبطل في المعنى الاجتماعي كناية عن الأمة. وفي
المقلب الآخر، يمكن تصنيفها في خانة <<المطربة الملعونة>>
على نحو ما نقول <<الشاعر الملعون>> وليست اللعنة
شتيمة بقدر ما هي نواة الاسطورة نعيشها، نراها بين الوهم والواقع،
وهم ترسمه الجماعة في حكاياتها عن المطربة الراحلة، واقع عاشته
المطربة لأنها كانت إنسانة قبل كل شيء.
صاحبة
<<ليالي الأنس في فيينا>> بين الشيطان والملاك.
وبين هذا وذاك سند الالتباس الذي تركته سواء في علاقتها بالمخابرات
البريطانية او الالمانية او نزاعها مع عشيرتها او انتسابها إليها
وصولا الى مقتلها او <<اغتيالها>>. وبقي الأمر الأشد
تعقيدا هو علاقة اسمهان بالرجال.
فحياة
اسمهان الغرامية أقرب الى الخبط والعشوائية واخبار عشقها تبقى
معلقة، وتكاثر الأخبار عن واقعة واحدة، يؤدي الى تعليق الحسم
في الواقعة وعلاقتها بالرجال ليست فريدة في العالم العربي، فهناك
الكثير من النجمات والمطربات لهن قصصهن في الغرامية، شأن صباح
او ليلى مراد او كاميليا، هذه الأسماء لها قصصها، ولكن قصة اسمهان
تبدو الأكثر درامية.
عاشت
اسمهان حبا لا يشبه حب الآخرين، حبا ترتسم فصوله في حكاية واضحة
وضوح القمر وغامضة غموض الحكاية. فهي <<امرأة ساحرة>>
هكذا وصفها الكاتب مصطفى أمين، تتصرف وكأنها في زيارة خاطفة
للدنيا في كل عيد من أعياد ميلادها تبكي وتقول: <<إن هذا
هو عيد ميلادها الأخير>>. ولهذا يعتبرها مصطفى أمين <<امرأة
بوهمية>> تقول: <<ان سبب فشلها في زيجاتها انها
لم تجد بين أزواجها رجلا واحدا يسيطر عليها>>، وتردّد
لأصدقائها: <<أريد رجلاً يصفعني لا ان يركع أمامي، يشتمني
لا يتغزل فيّ، يفرض عليّ إرادته ولا يطيعني طاعة عمياء، رجل
أشعر أمامه أنني ضعيفة مسلوبة، للأسف لم أجد هذا الرجل حتى الآن>>.
لا ندري مدى صحة هذا القول، وان كان صحيحا فهو يبين كم كانت
شروط <<المطربة القتيلة>> صعبة.
السؤال
هل حقاً أحبّت اسمهان؟ ومن هو الرجل الذي حظي بذلك؟ لا شك في
زواج اسمهان وغرامها يمكن تقسيمهما الى بضعة أوجه تتراوح بين
زواج القرابة، وزواج المصلحة، والحب البوهيمي، والحب اللاحب،
وبين هذا وذاك يحضر <<الجنس السياسي>>.
بدءا،
ينقل الذين عاصروا اسمهان بأن شهرتها بدأت منذ كانت في السادسة
عشرة تحيي الافراح والحفلات، فانتقلت الى شقة في منطقة <<غاردن
سيتي>> مع عائلتها، زارهم ابن عمها حسن الأطرش من أجل
طلبها للزواج. في البداية رفضت والدتها (عالية المنذر) ذلك ان
اسمهان كانت تعيل العائلة. عاد حسن الأطرش وحرض عشيرته الدرزية
ضد والدة اسمهان، وأبلغهم بأن اسمهان تغني في الملاهي، لعب على
وتر <<الشرف الرفيع>>، وبإزاء هذا خشيت عالية المنذر
عاقبة عشيرة الأطرش، وعاد العريس الى مصر مرة ثانية وتزوّج اسمهان
سنوات ثم تطلقا، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة كاميليا.
الحبّ
والحرية
لا ضرر في القول ان زواج اسمهان من ابن عمها هو نموذج <<لمجتمع
القرابة>> الذي تكون فيه سمعة المرأة من <<الأهمية>>
بأنها لو لطخت بعار <<فليس سوى الدم يغسله>>. وحين
تزوج حسن الأطرش ابنة عمه فهو تصرف وكأنه يمتلكها رمزيا، يريد
ان يطبق تقاليده العربية والبدوية على حياة المرأة وكانت حجته
لجعل العشيرة (عشيرته) تستنفر على اسمهان هو انها تغني في أحد
الملاهي، كان ذلك فعلا شيطانيا. لكن الزواج بين الأمير والمطربة
لم يدم، ذلك ان المطربة كانت متمردة وقلقة، وتمردها يجعلها تواقة
الى الحرية.
حياة
اسمهان التباس في التباس، حكاية في حكاية، رضخت لزواج القرابة
مدة لكنها لم تنقطع عن عالم الفنانين، في الفترة التي تزوجت
كانت تزور القاهرة وتجتمع بأصحابها، ومن بينهم محمد عبد الوهاب
الذي بادلته الإعجاب وقيل انهما تبادل الغزل، إلا ان الأمور
لم تتطور أكثر من ذلك، والسبب بحسب الكاتب سعيد الجزائري: <<ان
عبد الوهاب في مجلس الغناء والطرب يعجب ويفتن أي أنثى، لكنه
في مجلس العشق والغزل شيء آخر... ووصفته بأنه رجل مغرور يريد
من المرأة التي يحبها ان توفر له كل عناء الحب، عليها ان تكون
لها جرأة الرجل وان تترك لعبد الوهاب حشمة المرأة وحياءها وخفرها،
أي ان الأوضاع الطبيعية بين الرجل والمرأة تنقلب مع عبد الوهاب.
فهو
يجلس مطرقاً برأسه وعلى المرأة أن تزحف اليه وعلى ركبتيها وليس
عليه بعد إلا ان يتفضل ويقبل منها حبها وخضوعها وقبلاتها، وبعدها
يبدأ بالمغازلة كيفما يشاء بعد ان يجد بين يديه امرأة مستسلمة
له بكل جوارحها وعلى استعداد تام لأن تقبل منه أي تصرّف ساديّ
أو جنسي، لذلك لم يعجب اسمهان لأنه حاول بطريقته الخاصة هذه
ان يخضعها لحبه... فلم يفلح، وحاول ان يعيد الكرة ويفرض الحب
على فلم يوفّق...>>. لذلك قال لها عندما كانت في منزله
تؤدي بروفة لحن <<اوبرت قيس وليلى>> بأنه سيعرّفها
بالرجل الذي <<يجيب دماغها>> وهو محمد التابعي الذي
تعرّف اليها وصارت هناك علاقة وطيدة بينهما لكنها لم ترق الى
رابطة الحب او الغرام.
اعترف
التابعي ان اسمهان <<لم تحبه>> ولم تحب أي رجل آخر،
حتى أزواجها الشرعيين، ولكن كان بينها وبينه (محبة أسمهانية)،
إذ ان قلبها كان يحمّل التابعي شيئاً أقوى من الصداقة والودّ،
وكانت ترى فيه صديقا أمينا، قويا عندما تحتاج اليه. وجد التابعي
فيها، الكثير من المتناقضات: <<تستطيع ان تكذب ويمكنها
عند الحاجة ان تمثل، وان بكاءها لا يدل على حزن شديد، لأنه نزوة،
كما ان سرورها لا يدل على فرح أكيد. لأنه نزوة أيضا وانها تستطيع
دائما ان تبكي وتضحك في الوقت نفسه>>.
كان
التابعي يمضي الصيف والشتاء في سويسرا للتمتع بالتزلج في سان
<<مورتيز>>. ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية
منعه من السفر الى سويسرا فقرر التوجّه الى لبنان. وحجز في فندق
<<السان جورج>> في بيروت وهناك التقى مصادفة حسن
الأطرش. نظر نحوه وسأل: <<لماذا لم تحبه اسمهان؟>>
قيل له: <<لأنه أحبها كثيراً هذا جعله ضعيفاً أمامها>>.
هذا
الكلام ذكره التابعي بما سمعه من والدة اسمهان الذي قالت له:
<<لا تخدع نفسك يا أستاذ في أمرها انها لا تحبك، وفي عمرها
لم تحبّ رجلا. لم تعرف اسمهان الحب الحقيقي ولا كان لها ان تعيشه،
كان في عينيها بريق الانفة والكبرياء، تريد ان تحافظ على سيادتها
وحريتها في ان تفعل ما تشاء، وعلى هذا لن تحب عبد الوهاب ولا
حتى محمد التابعي بقي حبها من أخبار الخبر>>.
الجنس
السياسي
أما أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي الأكثر حظوة لدى أسمهان.
كان يقابلها في فندق <<مينا هاوس>>، على رغم علاقته
الحميمة بالملكة نازلي والدة فاروق.
كان
أحمد حسنين وسيماً يفتن النساء في أي حفلة او مكان بسبب أناقته
ومظهره الرجولي. استطلفته اسمهان وأعجبت به، وتودّد اليها، في
الوقت نفسه كان يريد الاحتيال على الملكة نازلي والدة فاروق،
وهذا الأخير كان يراقب علاقة والدته بأحمد حسنين ويعرف انه يلتقي
اسمهان، كان يهدف فض العلاقة بين أمه وأحمد حسنين. إذ كانت نازلي
تهدّد عرش فاروق السياسي من كثرة حكاياتها ومغامراتها الجنسية.
وبعدها ذهبت الى فندق داوود في فلسطين، انصاع فاروق ووافق على
زواجها من أحمد حسنين. وصل الخبر الى اسمهان التي كانت تقيم
في فندق داوود في فلسطين وشعرت بخداع أحمد حسنين، بدت العلاقة
أقرب الى مسلسل مكسيكي.
وكانت
تحية كاريوكا تصطحب أحمد سالم في رحلة الى بر الشام فلم تمكث
الا قليلا في القدس وتركته هناك مع اسمهان، وسافرت لإحياء بعض
حفلات في بيروت وحلب، وعادت بعد أيام لتجد ان أحمد سالم قد تزوّج
اسمهان، هكذا وضعت المعركة أوزارها فجمعت كاريوكا حقائبها ويُقال
إن اسمهان اعطت سالم خمسة آلاف جنيه مقابل زواجها منه لتدخل
مصر ويبدآ تصوير فيلم <<غرام وانتقام>> ويقال أيضاً
إنها تزوجت أحمد سالم في ظل غيرتها من زواج أحمد حسنين من الملكة
العجوز. كانت اسمهان تظن ان زواجها بأحمد سالم يفتح لها الطريق
الى مصر، فالقانون المصري لا يعترف بزواج المصري من أجنبية إلا
بعد موافقة وزارة الداخلية ووزارة العدل معاً.
كانت
إدارة الجوازات والجنسية مصرّة على منع اسمهان من العودة الى
مصر بإيحاء من غريمتها الملكة نازلي. سمحت الواسطة لاسمهان بالدخول،
والمفارقة أن خبر زواج نازلي من أحمد حسنين اقتصر على دائرة
القصر الملكي، وخبر زواج أحمد سالم واسمهان نشرته جميع الصحف.
ووجدت اسمهان في استقبالها حملة صحافية تقول إنها خطفت أحمد
سالم من تحية كاريوكا.
اعتقدت
اسمهان انها انتقمت من أحمد حسنين وسرعان ما اكتشفت ان الزوج
الجديد يعاملها شأن الرجال الآخرين مع النساء لا يخاطب إلا جسدها
وجنسها وأن فضائحه الجنسية كثيرة تنشرها الصحف بشكل متواتر.
في ذلك الوقت كان أحمد حسنين الطامح الى سدة السلطة لا يزال
يطمح في ان تبقى اسمهان عشيقته ولكن في الظل، واستطاع أن يقنعها
ان زواجه بنازلي هو زواج مصلحة. وان حبه الحقيقي هو لاسمهان
التي كانت في حال استعداد لسماع مثل هذا الاعتراف لرد اعتبارها
وخاصة ان فضائح أحمد سالم كانت كفيلة لقتل أي مشاعر بداخلها،
وبدأت الشائعات والأقوال تتردّد حول استئناف أحمد حسنين علاقته
مع اسمهان، وبدأ أحمد سالم بمراقبتها.
هناك
رواية تقول إنه في احدى المرات أراد ان يمنعها من الذهاب الى
السهر فأطلق نحوها النار من مسدسه. اتصلت بالشرطة التي حضرت
وحدث تبادل لاطلاق النار بين أحمد سالم والشرطة اصيب أحمد سالم
ونقل الى المستشفى واعترف بأن اطلاق النار على زوجته كان بسبب
أحمد حسنين (زوج أم الملك).
أراد
الملك الانتقام من أمه التي أجبرته على الموافقة على زواجها
من أحمد حسنين. وكان انتقامه من خلال اطلاق العنان لأحمد سالم
في نشر كتاب عن علاقة زوجها باسمهان، وهنا يختلط الجنس بالسياسة،
والسياسة بالجنس وتضيع المعادلة، هذا الأمر جعل الكاتب المصري
حمادة إمام يصدر كتاباً عنوانه <<الجنس السياسي>>،
هناك مقاطع فيه عن اسمهان وأحمد حسنين ودخول علاقتهما في المعترك
السياسي. معروف ان السلطة المصرية، على مدى عقود، استطاعت ان
تضع أصابعها على أنجح الوسائل في السيطرة على الرأي العام، وهو
التطويع الجنسي في تغطية فضائحها السياسية وتشويه صورة خصومها
السياسيين، إضافة الى نقل اهتمامات المواطن الى قضية أخرى كلما
واجهتها مشكلة سياسية.
إذ تبدو
الأمور الشخصية في أحيان، للمواطن أكثر أهمية من القضايا الكبرى.
حتى ان كمال الجنزوري اعترف في العام 1997 بأن وزارة الداخلية،
في عهد حسن الألفي، سبق ان لفقت قضية آداب لحنان ترك ووفاء عامر،
وسبب هذا التلفيق، كان رغبة وزارة الداخلية في تخفيف الضغط الاعلامي
عن وزير الداخلية ورجال الشرطة، بعد مجزرة الأقصر التي نفّذها
اصوليون في السياح الأجانب. جاء اعتراف الجنزوري ليفحّ الكلام
على العلاقة بين الجنس والقرار في الرأي العام. ولهذا الموضوع
ماضيه الزاخر. وليس توظيف الملك فاروق العلاقة بين اسمهان وأحمد
حسنين ببعيد عن هذا الموضوع.
زواج
البلاتوه
العلاقة الأخرى في حياة اسمهان هي الزواج بعد اللقاء في البلاتوه،
والحال كثيراً ما تحولت المشاهد العاطفية الغرامية بين الممثلين
أمام الكاميرا الى مشاهد حقيقية تتشعّب منها القصص والحكايات.
وتؤلف حولها الروايات والشائعات التي تستقطب العامة في جلساتهم.
وهذا الموضوع يضجّ بالتفاصيل. فالمخرج أحمد بدرخان أثناء تصويره
فيلم <<انتصار الشباب>> تطلّع في عيني اسمهان التي
كانت تقوم بدور البطولة، اصابه العجب، وجد فيها الحب الذي يغرق
روحه، وجدت العقل الذي يؤمن لها الراحة والطمأنينة، ولكن لاختلاف
الطبائع وعشق اسمهان للحياة البوهيمية كان الفراق بين الزوجين
بعد أربعين يوماً فقط. ويقال إن اسمهان تزوّجته لتأخذ الجنسية
المصرية لا غير. وهنا اسمهان نموذج لزواج البلاتوه الذي كان
سائدا بين أهل الفن.
بادئ ذي بدء، اسمهان مطربة بين الشيطان والملاك.
أحمد حجار
- السفير - 27.08.2004